كانت تنقسم مملكة قشتالة إلى المناطق التالية: الأندلس، ومملكة مرسية، واسترمادورا، وباقي المملكة.
في ٩/ ١٢ / ١٦٠٩ م، وقع الملك فليبي الثالث الأمر بطرد مورسكيي الأندلس ومرسية وبلدة فرنجوش (هورناشوس) في منطقة استرمادورا، وكلف دون خوان دي مندوسة، ماركيز دي سان جرمان، بتطبيقه.
وفي ١٨/ ١ / ١٦١٠ م، نشر أمر الطرد في مملكة مرسية، وكلف مجلس الدولة دون لويس فاخاردو، عضو الجيش البري والبحرية الإسبانية، بتطبيقه. ونص الأمر بأن الطرد يخص "كل النصارى الجدد المورسكيين، رجالًا ونساءً وأطفالًا، عدا العبيد والمورسكيين القدامى المتأصلين من مملكة مرسية المعروفين بالمدجنين شرط أن يعيشوا حياة نصرانية". واكتفى الأمر أولًا بطرد الغرناطيين فقط من مملكة مرسية، بسبب مقاومة أهل مرسية النصارى لطرد المورسكيين المرسيين الذين كان معظمهم يسكن وادي رقوط، وهي منطقة تضم ست قرى في مرج وادي شقورة تابعة للويس فاخاردو، ماركيز بليش.
وقد عارض ممثلو مرسية النصارى طرد الغرناطيين، لما سيؤدي من "ضياع في العلوم وترك للزراعة"، إذ كان الغرناطيون هم القائمون على صناعة الحرير في البلاد.
فظل تدخلهم دون جدوى. فطرد من مملكة مرسية، في المرحلة الأولى، حوالي ١٥.٠٠٠ مورسكي، بينما بقي حوالي ٢.٥٠٠ منهم في وادي رقوط. وفي ٨/ ١١ / ١٦١١ م، غير الملك رأيه، وأصدر أمرًا بطرد جميع مورسكيي مرسية بما فيهم
[ ١٧٢ ]
المدجنين. فعاود ممثلو مرسية الدفاع عنهم بحجة أنهم نصارى مخلصين، وانتخبوا الراهب خوان فراي ممثلًا عنهم في هذه المهمة. فكتب فراي للملك تقريرًا مفصلًا عن مورسكيي مرسية وأوضاعهم، برهن فيه على إخلاص مورسكيي وادي رقوط للنصرانية.
وبعد نشر قرار الطرد، قام نصارى مرسية بمظاهرات احتجاج توجهوا فيها للكنائس حيث قاموا بدعوات لمورسكيي وادي رقوط. وألقوا خطبًا عامة دافعوا فيها عنهم بحجة أنهم نصارى مخلصين يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر ولا يعرفون اللغة العربية، عدا الكهول. فأدت هذه المظاهرات بالملك إلى تأجيل تنفيذ أمر الطرد.
ثم وصلت تقارير إلى مجلس الدولة مفادها أن مورسكيي وادي رقوط هم في الحقيقة مسلمون يتظاهرون بالنصرانية تقية. وفي ٨/ ١٠ / ١٦١٣ م مال الملك لهذا الرأي، ووقع أمرًا جديدًا بالايسكوريال بطرد جميع مورسكيي وادي رقوط ومن تخلف من باقي مورسكيي مملكة مرسية، وكلف الكوندي سلازار بتنفيذه. وأمهل الأمر المورسكيين ثلاثين يومًا للخروج من البلاد، "لأنه قد عرف الآن بالتأكيد بأن بعضهم يعملون بكل وقاحة ضد تعاليم الإله وتعاليمي، وبسبب العدد القليل جدًّا من النصارى القدامى الذين يعيشون بينهم مما يظهر نياتهم السيئة". وقرر الملك طرد جميع المورسكيين، "رجالًا ونساء من كل الأعمار، المتأصلين من مرسية وغير المتأصلين مع أبنائهم وبناتهم، وخدامهم وخادماتهم، وأصدقاء قومهم، كبارًا وصغارًا ومنعهم من الخروج من أي ميناء سوى قرطاجنة، ومن الدخول لأية مملكة أخرى من ممالكنا" ولم يستثن الأمر من الطرد سوى العبيد. وقرر الأمر "بأن الذين يسمون بالمورسكيين القدامى ويعيشون في قرى وادي رقوط، وغيرهم من الذين ينفصلون عن النصارى القدامى في مملكة مرسية، يمكنهم في ظرف ٣٠ يومًا التصرف في أملاكهم الثابتة، وحمل نصف ثمنها معهم شرط أن يتركوا لممتلكاتي الملكية النصف الآخر، وتقديمها ليد المسؤول بذلك في مملكة مرسية. أما المورسكيون الذين ليسوا قدامى فلا يسمح لهم بالتصرف إلا في أملاكهم المنقولة، ويسمح لهم بحمل نصف ثمنها معهم وترك نصفها الآخر لممتلكاتي الملكية مع جميع ما لديهم من أموال غير منقولة".
وطرد من جديد هذه المرة من مملكة مرسية حوالي ٧.٠٠٠ مورسكي. وهرب بعضهم إلى مملكة بلنسية، "وعندما لوحقوا هناك، رجعوا من جديد إلى مرسية حيث
[ ١٧٣ ]
تزايد عددهم لدرجة أن مجلس الدولة أخذ منذ منتصف سنة ١٦١٥ م في البحث عن وسائل طرد المتخلفين إلى الممالك الأجنبية". واتجه بعض المورسكيين المرسيين الآخرين إلى الجزر الشرقية، فكتب نائب الملك في ميورقة (قاعدة الجزر الشرقية) في ١٨/ ٣ / ١٦١٤ م إلى الملك فليبي الثالث يستأذنه في السماح لهم بالإقامة. وفي ١٩/ ٤ / ١٦١٤ م، أجاب الملك بما يلي: "اعلموا نائب الملك بأنه لا يسمح بأي حال من الأحوال أن يمكث المورسكيون هناك، فليخرجهم، لأن تلك الجزيرة مجاورة لإسبانيا وقريبة من الجزائر، فلتطبق أوامري عليهم الآن وعلى غيرهم من المورسكيين في المستقبل". وفي ٢٦/ ٧ / ١٦١٤ م وصل الأمر إلى نائب الملك بميورقة بطرد مورسكيي وادي رقوط الذين التجأوا إلى الجزر الشرقية، وإعطائهم مهلة ثلاثين يومًا للخروج. وفي ١٨/ ٨ / ١٦١٤ م، أخبر نائب الملك على الجزر الشرقية فليبي الثالث بخروج آخر مجموعة من مورسكيي وادي رقوط، مؤلفة من حوالي ٢٠٠ امرأة متزوجة، ولم يبق سوى ٣٠ نصرانيًّا جديدًا فقيرًا في الجزيرة تعذر عليهم السفر لفقرهم. فأجاب الملك بما يلي: "آمرك أن تخرج هؤلاء المتخلفين، وتعطيهم المركب والتسهيلات الممكنة". هكذا تابع الملك فليبي الثالث ورجال دولته بكل قسوة وانعدام الرحمة حتى العجزة المستضعفين من الأمة الأندلسية، مستميتًا في طردهم، وكأن دافعه ليس دفع الخطر ولكن الحقد الدفين في قلبه والخوف غير المنطقي الذي يجعله يقترب من مرحلة الجنون.
وبهذا يمكن تقدير عدد المورسكيين الذين أخرجوا من مملكة مرسية بحوالي ٢٢.٠٠٠ شخص.
نص قرار الطرد الذي وقعه الملك فليبي الثالث بتاريخ ٩/ ١٢ / ١٦٠٩ م على بلدة فرنجوس بالذات، وهي توجد اليوم في ولاية بطليوس (منطقة الاسترمادورا).
وكان كل أهلها، وعددهم ٥.٠٠٠ نسمة، مسلمين محليين، أي مدجنين. وكان أهل فرنجوس منظمين تنظيمًا جيدًا، استطاعوا بسببه السيطرة على تجارة الطرق في المنطقة. ولاحقتهم محاكم التفتيش دون أن تنال منهم شيئًا. لذلك أرسل مجلس الدولة القاضي ماديرا لمتابعتهم، فحكم على العديد منهم بالإعدام شنقًا أو بالتجذيف فوق السفن. وعندما صدر قرار الطرد كلف ماديرا بتنفيذه، فبدأ بتهجير مورسكيي فرنجوس في شهر يناير عام ١٦١٠ م مستثنيًا الأطفال الذين تقل أعمارهم عن ست سنوات. وكان نقلهم عبر ميناء إشبيلية، وأخذ ماديرا منهم ٢٢.٠٠٠ دوقة ثمن نقلهم.
[ ١٧٤ ]
واستقر مورسكيو فرنجوس بعد ذلك في مدينة الرباط (عاصمة المغرب اليوم) التي عمروها بعد أن كانت خرابًا، وكان لهم فيها تاريخ مجيد في الجهاد البحري ضد الإسبان. هكذا أخرج ماديرا حوالي ٣.٠٠٠ مورسكي من فرنجوس، كما خرج حوالي ٥.٠٠٠ موريسكي آخرين من مدن استرمادورا الأخرى عن طريق قشتالة القديمة. فيكون مجموع من خرج من منطقة استرمادورا حوالي ٨.٠٠٠ موريسكي.
أما في الأندلس، فلقد حاول المسؤولون والأهالي النصارى جهدهم منع طرد المسلمين منها، كما حدث في مملكة مرسية، مما يدل دلالة قاطعة أن معظم هؤلاء ينحدرون من أصول إسلامية ويضمرون العطف على إخوانهم في محنتهم. فادعى ماركيز الغابة أن المورسكيين التابعين له لهم حقوق يجب احترامها، وبين حسن سيرتهم حيث لم يسبق لمحاكم التفتيش أن عاقبت أحدًا منهم. وفي أرشذونة (مقاطعة مالقة) احتج المورسكيون أمام المسؤولين بأمر في يدهم سبق أن منحه لهم الملك يعفيهم من ضريبة "الفارضة" التي كانت مطبقة على النصارى الجدد. وفي قاعدة غرناطة عمل الأهالي على إخفاء المورسكيين بينهم. وفي مالقة تدخل الأهالي لإعفاء العبيد المسلمين من الطرد. كما أن عددًا من المورسكيين الذين تعاونوا مع السلطات ضد إخوانهم طلبوا المكوث في البلاد خوفًا على حياتهم. ففي بسطة (مقاطعة غرناطة) طلبت محكمة التفتيش العليا من محكمة غرناطة إعفاء جيرو مينو ومغدلينة دي كابيدو من الطرد "أو على الأقل عدم إرسالهما مع أهل بسطة".
ومع ذلك، اتخذ الملك فليبي الثالث قرار الطرد المذكور بتاريخ ٩/ ١٢ / ١٦٠٩ م الذي أعلن عنه في إشبيلية بتاريخ ١٢/ ١ / ١٦١٠ م ينص القرار على "أن الملك حدد فترة قدرها ثلاثون يومًا لكي يبيع المطرودون أملاكهم المنقولة ويتهيؤون للإبحار". لكن ماركيز سان جرمان، المكلف بإنجاز الأمر، قلص هذه الفترة إلى عشرين يومًا فقط. وأذن الماركيز لمورسكيي الأندلس "باصطحاب أبنائهم مهما كانت أعمارهم إذا كانت هجرتهم إلى بلدان كاثوليكية، أما إذا كانت هجرتهم إلى إفريقيا فلن يسمح لهم باصطحاب أطفالهم الذين تقل أعمارهم عن سبع سنوات، وعليهم تركهم في إسبانيا". ويقدر عدد من أخرج من المورسكيين من الأندلس بحوالي ٣٢.٠٠٠ فقط. لكن يظهر أن هذا العدد أقل من الواقع، إذ خرج حوالي ٢٠.٠٠٠ شخص قبل أمر الطرد، فيكون إذن مجموع من أخرج من الأندلس حوالي ٥٢.٠٠٠ شخص.
[ ١٧٥ ]
وفي ٢٢/ ٣ / ١٦١١ م نشر الملك أمرًا ملكيًّا ينبه فيه على رجوع عدد من المورسكيين الأندلسيين الذين يدعون بأنهم نصارى، ويأمر فيه بإخراج جميعهم دون استثناء، حتى العبيد المسلمين الموجودين في الأندلس، في ظرف سنتين. "ولم يكن عند المحاكم والأشخاص الذين كلفوا بهذا الأمر في الأندلس، في مملكة غرناطة وخارجها، حماس لإخراج من مكث منهم (المورسكيين) ولا معاقبة من رجعوا كما يجب".
وفي ٢٨/ ١٢ / ١٦٠٩ م، وقع الملك فليبي الثالث بمجريط أمرًا ملكيًّا يوافق فيه على خروج المورسكيين "الفوري والحر" من قشتالة القديمة والجديدة ومن المانشا والاسترمادورا. فأدى هذا الأمر إلى إخراج حوالي ١٦.٧١٣ شخص من المنطقة المذكورة، بينما بقي عدة آلاف من المورسكيين الذين لم يستطيعوا أو لم يريدوا الخروج بسبب الاستقبال السيىء الذي كان ينتظرهم في فرنسا عبر الحدود البرية مع إسبانيا. فأمر الملك في ١/ ٥ / ١٦١٠ م بقطع طريق برغش المؤدية إلى فرنسا على المورسكيين، وإرغام المتخلفين على الاتجاه إلى ميناء قرطاجنة شرط إبحارهم إلى الممالك النصرانية. خرج من ميناء قرطاجنة حوالي ١٦.٦٤٢ مورسكي قدموا من قشتالة. لكن السلطات الإسبانية علمت أنهم، رغم اتجاههم أولًا إلى الموانىء النصرانية بفرنسا وإيطاليا، تحولوا بعد ذلك إلى الموانىء الإسلامية بشمال إفريقيا.
وفي نفس اليوم (١/ ٥ / ١٦١٠ م)، استدعى الملك الكوندي دي سلازار إلى طليطلة، وكلفه بطرد ما تبقى من المورسكيين في طليطلة والمانشا واسترمادورا. وفي ١٠/ ٥ / ١٦١٠ م، وقع الملك أمرًا بطرد المورسكيين الذين التجأوا إلى قشتالة القديمة والجديدة واسترمادورا والمانشا من بلنسية والأندلس وغرناطة وقطلونية ومرسية وأراغون القديمة. غير أن السلطات المحلية لم تتحمس لطرد المورسكيين، كما يظهر من تسلسل الأوامر بالطرد في السنوات الثلاثة التالية. ففي ٢٢/ ٣ / ١٦١١ م، وقع
الملك أمرًا بطرد من تخلف من المورسكيين في الأندلس ومن عاد إليها منهم. فأخرج من برغش حوالي ١١.٣١٧ مورسكي، ومن قرطاجنة حوالي ١٠.٠٠٠ مورسكي، منهم عدد كبير من الغرناطيين العائدين، أو القاطنين بقشتالة. وفي ٣١/ ٥ / ١٦١١ م، جدد أمرًا بطرد المتخلفين، وآخر في ٢١/ ٨ / ١٦١١ م، وثالث في ١٩/ ٩ / ١٦١٢ م، ورابع في ١٦/ ١ / ١٦١٣ م، وخامس في ٢٠/ ٤ / ١٦١٣ م. ورغم كل هذه الأوامر، فقد ظل مورسكيو سهل قلعة رباح معفيين من الطرد.
[ ١٧٦ ]
يمكن إذًا تقدير مجموع من طرد من المسلمين من قشتالة القديمة والجديدة والمانشا بحوالي ٥٠.٠٠٠ شخص.
ويكون مجموع من طرد من مملكة قشتالة حوالي ١٣٢.٠٠٠ مسلم، منهم ٥٠.٠٠٠ شخص من القشتالتين، و٥٢.٠٠٠ شخص من الأندلس، و٢٢.٠٠٠ شخص من مرسية، و٨.٠٠٠ شخص من استرمادورا.
وبهذا يكون مجموع من طرد من المسلمين من إسبانيا في الحقبة بين سنتي ١٦٠٩ م و١٦١٤ م حوالي ٣٢٧.٠٠٠ شخص، منهم ١٩٥.٠٠٠ شخص من مملكة أراغون، و١٣٢.٠٠٠ شخص من مملكة قشتالة. وقد اختلف المؤرخون في تقديراتهم للمسلمين المطرودين، فتفاوتت ما بين مائة ألف والمليون. لكن معظم من عايشوا الأحداث برهنوا على أن الإحصائيات أعطت أرقامًا تتراوح بين ٢٧٠.٠٠٠ و٣٤٠.٠٠٠ مورسكي. وتعود صعوبة تقدير عدد المطرودين بالضبط إلى أسباب كثيرة، منها أن عددًا كبيرًا منهم طرد عدة مرات، ومنهم من عد من المطرودين دون أن يترك البلاد.
وسنقدر في الفصول التالية أعداد المورسكيين الذين بقوا في إسبانيا والذين عادوا بعد قرار الطرد.
وفي يوم ٢٥/ ٣ / ١٦١١ م خرج الملك فليبي الثالث على رأس رجال الدولة، وفي أحسن أبهة، مرتديًا الألبسة البيضاء، وقام بمسيرة "شكر لله" على انتهاء عملية طرد المسلمين بسلام التي ابتدأها قبل سنتين.