ارتبط المورسكيون بالإسلام ارتباطًا كاملًا. وكمسلمين، حاولوا جهدهم اتباع تعاليم دينهم سرًّا، جيلًا بعد جيل، رغم ما يصيبهم بسبب ذلك من بلوى. وكرهوا
[ ١٩٦ ]
الدين النصراني الذي أجبروا على التظاهر به، كما كرهوا القائمين عليه كراهية لا حد لها. فهم آمنوا بالله الواحد، وبرسالة سيدنا محمد - ﷺ -، وتعلقوا بحبه.
كان للمورسكيين تنظيم سري جيد مكون من مجموعات تسمى الواحدة منها "جماعة"، لها فقيه يقوم مقام الإمام والمعلم والمرشد والقاضي بين جماعته. ويكون هؤلاء الفقهاء السريون، في كثير من الأحيان، زعماء الجماعة الإسلامية.
وكان معظم المورسكيين يحافظون على الصلوات الخمس، ويقومون بها خفية من النصارى، ويحفظون من أجل ذلك الفاتحة، على الأقل. ويوم الجمعة كانوا يغتسلون ويلبسون أفخر ثيابهم، ويكثرون الصدقات أو يصومون، كما كانوا يتجهون إلى مساجد سرية لصلاة الجمعة كلما أمكن ذلك، أو يصلون جماعة في بيوتهم. وفي
مساء الجمعة، كانوا يجتمعون للأكل جماعة والغناء والذكر.
وكان المورسكيون يصومون شهر رمضان، ويحتفلون بعيد الفطر، ويخرجون الزكاة لفقرائهم. كما كانوا يحتفلون بعيد الأضحى، ويذبحون الأضحية. وكانوا يحتفلون بيوم عاشوراء ويصومونه، وبذكرى مولد النبي - ﷺ -.
ولم يذهب منهم إلى الحج إلا بعض المحظوظين فقد وجد مخطوط في أراغون
القديمة باللغة الأعجمية تحت عنوان "قصائد الحاج بوي مونثون عن سفره إلى مكة
في القرن السادس عشر"، مما يدل على أن كثيرًا من المورسكيين سافروا ثم رجعوا
إلى بلادهم، ومنهم من حج بيت الله الحرام ورجع.
وكان المورسكيون يمتنعون امتناعًا تامًّا عن أكل لحم الخنزير. ولا يأكلون إلا لحم الحيوانات التي يذبحونها بالطريقة الإسلامية. وكانوا يمتنعون كذلك عن شرب الخمر أو التعامل به. ويحرصون على النظافة، حتى أصبح الحمام علامة من علاماتهم حاربتهم محاكم التفتيش بتحطيمها. فهم كانوا يتوضؤون قبل كل صلاة، ويغسلون أفواههم قبل الأكل وبعده، ويحرصون على أن يكون ماء الوضوء طاهرًا لا رائحة فيه ولا لون.
وكانت معظم عادات المورسكيين إسلامية. ففي اليوم السابع من ولادة الطفل، تقام له حفلة "فدا" (عقيقة)، فيغسل، وتكتب شهادة الإسلام على جبهته، وتعلق على عنقه "أحراز" (تمائم) بها آيات قرآنية، وتقام له عقيقة يعطى فيها اسمه الإسلامي السري بعد ذبح الأضحية. ويختن الطفل الذكر في اليوم الثامن. لكن
[ ١٩٧ ]
ختان الذكور أخذ يتأخر بين المورسكيين إلى السن الثامنة في أواخر القرن السادس عشر الميلادي.
ويغتسل الزوجان قبل حفل الزواج، وتغطي العروس رأسها بسترة، وعندما تذهب لبيت عريسها تدخله بالقدم اليمنى تيمنًا.
ويغسل المورسكيون جثمان الميت، ويعطرونه، ويلبسونه الكفن، ويقرؤون عليه آيات من القرآن الكريم. ثم يدفن في أرض نظيفة في اتجاه القبلة في مقبرة خاصة بالمورسكيين خارج البلدة، ويرفضون دفنه مع النصارى في مقابر الكنائس. ويترك المورسكيون فوق القبر الماء والخبز وعناقيد من العنب، وأحيانًا بعض النقود. وهي عادة للأندلسيين اشتركوا فيها مع النصارى الذين يعيشون بينهم.
وكانت للمورسكيين عادات خاصة بهم، ورثوها عن أجدادهم كاحتفالهم بعيد ميلاد سيدنا عيسى ﵇ وبشهر يناير. وكان لهم تقديس لبعض الينابيع، كعين الصحة بالقرب من نهر هدره قرب غرناطة. ولهم مقابر يسمونها "الرابطات"، كانت مقدسة عندهم بسبب وجود قبر عالم أو مجاهد حارب النصارى يتبركون بروضته، كرابطة "كنيلش الزيتون" التي كانت روضة لأربعة من المجاهدين، فأصبحت محجًّا للمورسكيين.
وظل المورسكيون يحتفظون ببعض مساجدهم، خاصة في مملكة بلنسية، إلى غاية سنة ١٥٢٥ م، حيث زاد بعد ذلك الاضطهاد، ومنعت العبادات الإسلامية منعًا باتًا. فأصبحت العبادات تمارس في سرية تامة داخل البيوت، وفي بعض المساجد السرية النائية. ففي ٢٢/ ٣ / ١٥٧٤ م، اكتشف بين الجبال القريبة من بلدة كلاندا بأراغون القديمة مسجد سري، ورغم ذلك تابع المورسكيون الذهاب إليه إذ حوكم فقيهه آمادور سامبرفيلو سنة ١٥٩٣ م بتهمة تدريس القرآن به. وفي سنة ١٦٠٩ م، اكتشفت مساجد في عدة قرى بأراغون القديمة، كبلافليش وبوروي التي وجد الفقيه ميغال كالبو يعلم القرآن في مسجدها عند طرد أهلها.
وكان فقهاء المورسكيين يؤطرون الجالية المسلمة، ويعملون على تربيتها التربية الإسلامية، وتعريفها بأمجادها، ومساعدتها على الصمود ضد دعايات الرهبان ضد العقيدة الإسلامية. فهم يعلمون جماهير المسلمين مبادىء دينهم، ويلقنونهم القرآن الكريم وسيرة الرسول - ﷺ -، ويدربونهم على الحرف العربي. وكان الفقهاء يقومون بنسخ المصاحف والكتب الإسلامية، ويعودون المرضى، ويدفنون الموتى ويزوجون
[ ١٩٨ ]
الشباب. كما كانوا، لمعرفتهم باللغة العربية، الصلة بين المورسكيين والأمة الإسلامية في الخارج. وكان المورسكيون يساندون فقهاءهم على العيش بالهبات، كما كان معظم الفقهاء يمتهنون حرفًا متواضعة يعيشون عليها.
وقام الفقهاء بدور هام إبان الأزمات، كطرد سنة ١٦٠٩ م، في تأطير المسلمين ومواساتهم وتشجيعهم على الهجرة إلى أرض المسلمين للحفاظ على دينهم. وقد برع المورسكيون في تطبيق التقية لدرجة كبيرة. فعندما يجبر الزوجان على الزواج باللباس النصراني في الكنيسة بإشراف الرهبان، يفعلان ذلك ثم عندما يرجعان إلى بيتهما يزيلان لباسهما النصراني ويلبسان لباسًا إسلاميًّا، ويعاد الزواج بالطريقة الإسلامية بحضور الفقيه. "وعندما يعمد الأطفال (في الكنيسة) يغسلونهم سرًّا بالماء الساخن لإزالة الزيت المقدس عنهم، ثم يقومون بشعائرهم (الإسلامية) ويعطونهم اسمًا إسلاميًّا"، الخ هذه حياة المورسكيين الإسلامية السرية، أما مقاومتهم للضغوط التنصيرية لمحاكم التفتيش والكنيسة الكاثوليكية والدولة الإسبانية فقد كانت أساسًا عقائدية. فقام فقهاء المورسكيين بكتابة اللغة الأعجمية بالحروف العربية للبرهنة للمورسكيين والنصارى على السواء أن الإسلام هو الدين الحق وأن النصرانية دين محرف خاطىء، كما كتبوا كتبًا في سيرة الرسول - ﷺ - وتبيين عظمته وأخلاقه الكريمة. وكان هذا المجهود الثقافي ردًّا على سيل المنشورات والكتب الكنسية التي تهاجم بين الأوساط المورسكية الإسلام ومبادئه والقرآن الكريم وشخص سيدنا محمد - ﷺ -، ككتاب "آنتي القرآن" لبرناردو بيريز دي شينشون الذي نشر في إشبيلية سنة ١٥٢٨ م، وفي بلنسية سنة ١٥٣٢ م، وكتاب "أمبروباسيو القرآن" للراهب ريكولدو دي مونتيكروسي، وغيرهما كثير. وعمل الرهبان على تعليم المسلمين الدعوات النصرانية، حتى أصبح معظم المورسكيين يحفظونها في أواخر القرن السادس عشر الميلادي، وركزوا على أطفال المسلمين وزعمائهم.
وتأثرت طبقة ضئيلة من المورسكيين بهذه الدعاية المعادية. منهم خوان أندريس الذي كتب كتابًا يتهجم فيه على الإسلام والنبي الكريم، طبع أولًا في بلنسية سنة ١٥١٥ م، ثم في إشبيلية سنة ١٥٣٧ م، وفي غرناطة سنة ١٥٦٠ م. وكان خوان أندريس فقيهًا لمدينة شاطبة اسمه ابن عبد الله وابن فقيهها كذلك، ارتد عن الإسلام سنة ١٤٨٧ م بمحض إرادته وترهب، وكرس حياته لمحاربة الإسلام.
[ ١٩٩ ]
وزاد تمسك المورسكيين بالإسلام وشعائره بزيادة اضطهاد الكنيسة والدولة ومحاكم التفتيش. وحافظوا على طهارتهم وصلاتهم حتى في السجون وفي طريقهم إلى الإعدام حرقًا. وحافظوا على قدسية يوم الجمعة بارتداء أحسن الملابس والامتناع عن التجارة رغم المضايقات. وأصروا على صيام رمضان، حتى قبيل الطرد سنة ١٦٠٩ م، وكانوا ينعزلون عن النصارى في ورشات العمل وفي المزارع لكي لا يفسدوا عليهم صيامهم. كما تشبث المورسكيون بالامتناع عن أكل لحم الخنزير حتى بعد الطرد وهم بفرنسا. وقد اشتكى جماعة منهم لبعض الرهبان الإسبان في فرنسا قائلين: "بأن الخنازير تمشي في الشوارع بين الأهالي، ويصعب عليهم الابتعاد عنها لكي لا تنجس ملابسهم. كما أنهم يأنفون من أكل الخبز الذي يطبخ في مطابخ الفرنسيين لأنهم يستعملون فيها شحوم الخنازير، ولذا أسسوا فرنًا خاصًّا بهم في دار أحدهم، يطبخون فيه الخبز ويقلون اللحم".
وتمادوا في الامتناع عن شرب الخمر رغم ضغوط محاكم التفتيش، حتى أنهم كانوا يزرعون العنب ويعصرونه تقية. وهكذا قبضت محاكم التفتيش بطليطلة على خوان هراندو لأنه يزرع العنب ويعصر الخمر لـ "إخفاء سوء نيته، وهو في الواقع لا يشرب خمرًا".
ولم يكن التمسك بالدين الإسلامي بالأمر الهين. فلقد كانت تحيط به مخاطر جمة مصدرها محاكم التفتيش التي وصفها أحد فقهائهم بأنها "يترأس جلساتها الشيطان بذاته، ويكون من بين مستشاريه الغش وعمى البصيرة"، أو كما قال فقيه آخر: حيث يعمل "قضاة التفتيش الكفرة بطرقهم الشيطانية، يدفعهم إبليسهم ليقيموا أنفسهم قضاة على ضمائر الخلق، ويجبرونهم بالقوة على اتباع معتقداتهم الملعونة الكافرة الضالة".
وقد عملت محاكم التفتيش منذ البداية على أخذ أموال المسلمين رشوة لتغض الطرف عن بعض ممارساتهم الإسلامية. فمنذ سنة ١٥٧١ م، أخذ المورسكيون البلنسيون يدفعون ٥٠.٠٠٠ دوقة ذهبية سنويًّا لمحاكم التفتيش من أجل ذلك. وفي سنة ١٥٤٣ م، دفع المورسكيون الغرناطيون ١٢.٠٠٠ دوقة ذهبية للمحكمة وللملك. وفي سنة ١٥٥٥ م دفعوا لهما ٢٠٠.٠٠٠ دوقة ذهبية. ومنذ سنة ١٥٥٨ م، أخذوا يدفعون ١٠٠.٠٠٠ دوقة ذهبية للملك و٣.٠٠٠ دوقة سنوية للمحكمة.
وفي الفترة بين سنتي ١٥٥٠ م و١٥٨٠ م، حكمت محاكم التفتيش في الاثني عشر "أتودافي" المعروفة بغرناطة على ٩٩٨ شخص، منهم ٧٨٠ مورسكي، أي ٧٨
[ ٢٠٠ ]
في المائة من المجموع. وكانت نسب المورسكيين من بين المحكوم عليهم في المدن الأخرى مماثلة لغرناطة، إذ ركزت محاكم التفتيش غضبها ضد المسلمين في سرقسطة وطليطلة ومرسية وكونكة وغيرها من المدن. وطبقت محاكم التفتيش على المتهمين بالإسلام إحدى العقوبتين: أولهما العفو عند التوبة، ويعني ذلك مصادرة جميع أموال المتهم. وكان ذلك مصير جميع من وقع بيد هذه المحاكم. ثانيها الإعدام حرقًا بعد المصادرة الشاملة. وطبقت هذه العقوبة بصفة خاصة على فقهاء المورسكيين وزعمائهم. ونذكر من بين هؤلاء الشهداء فقيه بلدة مويل "جوان الحاج" الذي أحرق في سرقسطة سنة ١٥٤٦ م، وماريا الغرناطية فقيهة مورسكية أحرقت في لغرونيو سنة ١٥٧٦ م، وبياتريس باديا فقيهة أركش التي أحرقت في ١٣/ ١٢ / ١٥٩٨ م في كونكة. وأحرق في غرناطة ١٢ مورسكيًّا في الـ ١٢
"أتودافي" المذكورة أعلاه، الخ وثبت المورسكيون على الإسلام رغم هذه الصعاب، بل أكثر من ذلك قاموا بدعوة النصارى إلى اعتناقه والانضمام معهم إلى الحالة التي هم عليها، وقبول مشاركتهم مصابهم. فقد نقل أحدهم، وهو الشهاب الحجري، محادثة جرت بينه وبين قس في غرناطة عن الزواج بين المورسكيين والنصارى فقال: "كان بمدينة أنتقيرة رجل من قرابتي عشق بنتًا نصرانية، وفي اليوم الذي مشوا فيه بالعروسة إلى الكنيسة ليتم النكاح احتاج بلبس العروس الزرد المهندس من تحت الحوائج، وأخذ عنده سيفًا لأن قرابتها حلفوا أنهم يقتلونه في الطريق، وبعد أن تزوجها بسنين لم يدخل إليها أحد من قرابتها بل يتمنون موته وموتها وأسلمت على يده وحسن إسلامها غاية الحسن، وأسلمت على يدها أمها العجوزة".
وفي سنة ١٥٦٥ م، وصل إلى إسبانيا فرنسي من تولوز، واختلط بالمورسكيين، ثم اعتنق الإسلام، واستقر في بلدة سان كليمانتي بمقاطعة كونكة. فشكت محاكم التفتيش في أمره. وكشف قاضيها عورته، ولما وجده مختنًا حكم عليه بالتجذيف في السفن.
وفي سنة ١٥٧١ م، حكمت محاكم التفتيش على لويس بالاس، وهو نبيل من بلنسية، بالسجن لمدة غير محددة وبمصادرة أمواله ومنعه من الإقامة في بارونية "كورتس" والسكنى في أية منطقة يوجد فيها المورسكيون. وكانت تهمته أنه اعتنق "دين محمد" وطبق شعائره وفضله على الديانات كلها.
[ ٢٠١ ]
وفي سنة ١٦٠١ م، اكتشف في سجن طليطلة أن الفقيه "خيرومينو روخاس" كان يدعو المساجين النصارى إلى الإسلام ويقول لهم إنه "يرغب في إنقاذ أرواحهم، وأن الله سوف يهديهم وينقذهم من العمى والجهل".
وفي سنة ١٦٠٦ م، قبض على نصراني قديم اسمه "فرانسسكو دسكالسو" في بلدة قسطنطينة بمملكة بلنسية بتهمة اعتناق الإسلام. وكان يعيش كالمسلمين، ويكتب لهم أغاني حماسية يغنيها بالعود تحضهم على صوم رمضان. ثم تزوج مسلمة، كان ينتقل معها من بلدة إلى أخرى. كما قبض على يهودي في أراغون لأنه اعتنق الإسلام وتزوج مسلمة. وقد وردت في الوثائق أمثلة كثيرة على اعتناق غير المسلمين الإسلام، مما يدل على قوة المورسكيين الروحية التي لم تقهر ولو بقهر أجسامهم وسلب أموالهم.
وفي سنة ١٦١٠ م، حكمت محكمة مرسية للتفتيش على خوان فرانسسكو لاسال، وكان شابًّا عمره ٢١ سنة، أصله من سرقسطة حيث عاش مع المورسكيين واعتنق الإسلام وكتب كتابًا ضد الديانة النصرانية وضد شرب الخمر.
وفي سنة ١٦١٩ م، حكمت محكمة غرناطة للتفتيش على الطبيب آلونسو دي لونا، من أصل نصراني قديم، الذي اعتنق الإسلام في بلده غرناطة ومارسه سرًّا في بيته. وكان رجلًا مثقفًا يجيد اللغات اللاتينية والإيطالية والعربية، وطبعًا الإسبانية، ويحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب. وكان محافظًا على صلواته الخمس وصيامه في شهر رمضان. وكتب سرًّا كتيبات يفسر فيها المبادىء الإسلامية ويدعو فيها أهل غرناطة إلى اعتناق الإسلام. وقد حصلت المحكمة منه على هذه الاعترافات بعد أن عذبته بشر أنواع العذاب في سجونها.
وبصفة عامة، فقد قبضت محاكم التفتيش، طوال القرن السادس عشر، على ١١٠ نصراني قديم على الأقل، اعتنقوا الإسلام وهاجروا إلى شمال إفريقيا. وتقدر نسبة الذين قبض عليهم بحوالي نصف في المائة من عدد الذين أسلموا وهاجروا فعلًا. فيكون عددهم الإجمالي ٢٢.٠٠٠ شخص، عدا آلاف المورسكيين. وفي سنة ١٥٨٨ م، اكتشفت صحيفة رق قديمة في صومعة تربيانة بغرناطة تؤكد أن المسيح عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله، وليس ابنًا لله كما يدعيه النصارى.
[ ٢٠٢ ]
ومن فبراير سنة ١٥٩٥ م إلى آخر سنة ١٥٩٧ م، أخرجت من تحت أرض التلة الغرناطية المسماة بعد ذلك بـ "التلة المقدسة" (ساكرو مونتي) مجموعة من الصفائح الرصاصية نقشت عليها كتابات مجهولة، منها ما هو بالعربية وما هو باللاتينية، كونت مكتبة كاملة تعود إلى القرون النصرانية الأولى. أما النصوص اللاتينية، فهي تقص استشهاد "القديس هيسكيوس"، رفيق "القديس شنت ياقو" من طرف "القديس سيسيل" في غرناطة. أما النصوص العربية فهي كتابات دينية مفادها أن عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله وتكرر فيها عبارة "لا إله إلا الله عيسى روح الله" وبها أدعية "شنت ياقو" وقصة حياته ودراسة عن الملائكة وحياة سيدنا عيسى ﵇ وحياة السيدة مريم
وتاريخ الإنجيل، الخ
وقد شكل دون بدرو دي كاسترو، لجنة كنسية كاثوليكية لدراسة الموضوع، فقررت أن الصفائح "رسائل إلهية"، وأنها "عقيدة سامية موحاة". لكن مجلس قشتالة طالب بنقل الصفائح إلى مجريط لترجمتها ودراستها من جديد. واتهمت الحكومة بعض الأطراف المورسكية بتزييف هذه الصفائح لإظهار باطل المسيحية الحالية، واتهم بذلك بصفة خاصة الموريسكيان "ألونسو دي قشتيليو" و"ميغال دي لونا".
وقد أشار الشهاب الحجري إلى رق غرناطة الذي قام بترجمته عند اكتشافه، إذ قال: "ففرح القسيس فرحًا عظيمًا بما ترجمت، وعلى أنه الحق، وأعطاني ثلاثمائة ريال وأيضًا كتابًا بالإذن بالترجمة من العربي إلى العجمي وبالعكس، وامتد الخبر عند النصارى، حين كانوا يشيرون عليّ ويقولون: هذا هو الذي فهم الرق الذي وجد في الصومعة". ولا شك أن الاكتشافين يدخلان في الحرب العقائدية التي كانت قائمة في إسبانيا بين المسلمين والنصارى.
وملخص القول ما قاله الشهاب الحجري، أحد رجالهم: كان المورسكيون "يعبدون دينين: دين النصارى جهرًا، ودين المسلمين في خفاء من الناس. وإذا ظهر على أحد شيء من عمل المسلمين يحكمون فيهم الكفار الحكم القوي، يحرقون بعضهم كما شاهدت".