ظل الشعور بالانتماء الأندلسي دفينًا في نفوس أهل الأندلس دون تعبير واضح إلى أن غزت، سنة ١٨٠٨ م، جيوش نابليون الفرنسية إسبانيا، بما فيها الأندلس،
[ ٢٦٩ ]
وعاثت فيها فسادًا، فانهارت أمامها مقاومة الملك والنبلاء والحكومة والدولة في مجريط، وتركوا البلاد لمصيرها. فقامت الشعوب الإسبانية تدافع عن نفسها، كل شعب من جهته يعود في نضاله إلى أصالته. وثار أهل الأندلس ضد الغزو الفرنسي كأندلسيين. وفي ١٤/ ٧ / ١٨٠٨ م، استسلمت لهم البحرية الفرنسية في قادس. وفي ١٩/ ٧ / ١٨٠٨ م، كسبت المقاومة الأندلسية معركة مصيرية في بايلن (مقاطعة جيان) ضد الجيش الفرنسي. وفي ١٧/ ١٢ / ١٨٠٨ م، تكونت حكومة سرية في إشبيلية تحت اسم "المجلس الأعلى المركزي" اعترفت بها كل قوى المقاومة في البلاد كممثل عنها. وبعد سنتين من المقاومة المتواصلة، عمت المجاعة مقاطعات الأندلس.
واستطاعت مدينة قادس تحرير نفسها رغم الحصار الذي فرضه الفرنسيون عليها ورغم غاراتهم البحرية والبرية المتواصلة. وصمد سكان قادس بمساعدة إنكلترا، فخططوا مع المقاومين الأندلسيين الآخرين لبناء إسبانيا جديدة بعد خروج الفرنسيين، وذلك بكتابة دستور جديد للبلاد، عرف فيما بعد بدستور قادس، أعلن في ١٩/ ٣ / ١٨١٢ م. جعل هذا الدستور إسبانيا مملكة دستورية، وحدّ من سلطات الملك والكنيسة، وقرر الديموقراطية في المعاملة بين الأفراد والجماعات والشعوب الإسبانية، واعترف، لأول مرة، بالأندلسيين كإحدى الشعوب الإسبانية ذات الشخصية المميزة. ظل دستور قادس مطلب الحركات التصحيحية في إسبانيا طوال القرن التاسع عشر.
وفي سبتمبر سنة ١٨١٢ م، اضطر الفرنسيون إلى الرحيل تاركين وراءهم الفقر والخراب. لكن الملك فراندو السابع سرق ثورة الأهالي بعد رجوعه، وخيب آمالهم، فألغى دستور قادس الذي لم ير نور التطبيق قط، وعاد إلى النظام المركزي والاستبدادي البالي من تحكم الكنيسة وقشتالة في البلاد بأكملها.
وفي ١/ ١ / ١٨٢٠ م، اندلعت الثورة من "لاس كبساس دي سان خوان" (مقاطعة إشبيلية) بقيادة رفائيل دل رييغو، طالب الثوار فها بالعودة إلى دستور قادس. فانضمت إليهم القوات العسكرية في إشبيلية وقادس وشريش وباقي الأندلس. ثم انضمت إلى الأندلس مناطق إسبانيا الأخرى. وفي ٧/ ٣ / ١٨٢٠ م، اضطر الملك فراندو السابع ومجلس الكورتس إلى قبول دستور قادس على مضض.
وفي سنة ١٨٢١ م، حاول خوزي مورينو كيرا إعلان جمهورية قادس، وتحويل الأندلس إلى جمهورية مستقلة.
[ ٢٧٠ ]
ولم يكن فراندو السابع مخلصًا في قبوله لدستور قادس، فاستغاث بالكنيسة وبالفرنسيين فاتحدا وكونا قوة غزت إسبانيا من بلدة "بايون" تحت صرخات: "عاش الملك المستبد عاش الدين (يعني الكاثوليكي) عاشت محاكم التفتيش". واجتمع جيش من اليمينيين قوامه أربعون ألف رجل استطاع أن يطرد مساندي دستور قادس والقبض على رييغو، قائد الثورة. وفي ٣/ ١٠ / ١٨٢٣ م، أصدر الملك أمرًا بالعودة إلى ما قبل ٧/ ٣ / ١٨٢٠ م، وألغى بذلك دستور قادس. فثار الأهالي في إشبيلية وغيرها من المدن الأندلسية، وهجموا على محكمة التفتيش وحطموا آلات التعذيب بها.
وفي ٢٨/ ٢ / ١٨٣١ م، قام الجنرال طريخوس بحركة عسكرية للمطالبة بدستور قادس، فأنزل قواتًا بحرية قرب الجزيرة الخضراء. لكنه اضطر إلى الالتجاء إلى جبل طارق حيث اتصل به حاكم مالقة العسكري، ووعده بالمساندة شرط قدومه إلى مالقة.
فصدقه طريخوس وأبحر في خمسين من مسانديه قرب ميناء سهيل. ولكن حاكم مالقة غدر به عند اقترابه منها، فقبض عليه وأعدمه.
وتتابعت محاولات العودة إلى دستور قادس كالإنزال البحري الذي قام به الجنرال مانزنارس على شواطىء قادس، وثورة استانسلو فرناندس وأهل بلدة لوس باريوس (مقاطعة قادس). وثورة أهل قادس ضد حاكمها العسكري وإعدامهم له، وغيرها من ثورات الأفراد والجماعات، كمريانة دي بنيدا التي أعدمت لرفعها للعلم الأخضر، الذي يمثل الأندلس الإسلامية، والذي أصبح شعارًا للأندلسيين. تابعت وصية إيسابيلا الثانية سياسة زوجها، وعينت سيا برمودس وزيرًا لها.
فثارت عليه الأندلس وطالبت بطرده وإجراء إصلاحات سياسية. فأقصته الوصية وأحلت محله مرتينز دي لا روزا الذي لم يرض هو الآخر المطالبين بالإصلاح، فخلفه الكوندي دي تورينو دون أي تغيير في السياسة.
وفي مارس سنة ١٨٣٥ م، انطلقت الثورة من مالقة، فتكوّنت قوة شعبية طردت ممثلي الحكومة، وانتخبت مجلسًا ثوريًّا لإدارة مقاطعة مالقة حسب دستور قادس، ومطالبة الحكومة المركزية بتطبيقه كذلك. وتبعت المدن الأندلسية الأخرى مثال مالقة، المدينة تلو الأخرى: إشبيلية (مقاطعة إشبيلية)، وقادس والجزيرة الخضراء وشنت رخ وميناء شنتمرية وشريش وشلوقة (مقاطعة قادس)، ورندة وأندوجر (مقاطعة مالقة)، وجيان (مقاطعة جيان)، والمرية (مقاطعة المرية)، وقرطبة (مقاطعة قرطبة)، وغرناطة
[ ٢٧١ ]
(مقاطعة غرناطة). وهكذا ثارت معظم مقاطعات الأندلس ضد الحكومة المركزية في مجريط. ولم يصل شهر غشت عام ١٨٣٥ م، حتى عمت ثورة الأندلس جميع مناطق إسبانيا الأخرى، عدا قشتالة القديمة التي بقيت موالية للحكومة، فتكونت فيها مجالس ثورية محلية.
ثم اتحدت المجالس الثورية المختلفة في الأندلس، وكونت جيشًا شعبيًّا أندلسيًّا بقيادة بيلاباديرنا لإزاحة الحكومة المركزية في مجريط بالقوة. فأرسلت الحكومة لملاقاته، ومنعه من الوصول إلى العاصمة، جيشًا بقيادة الجنرال لاستر.
والتقى الطرفان في وادي دسبينيا بروس (مرمى الكلاب)، على حدود الأندلس مع قشتالة الجديدة. وسمي هذا الوادي بهذا الاسم أيام اضطهاد المسلمين حيث كان النصارى يرمون جثثهم في هذا الوادي. فانضم عدد كبير من جنود الحكومة إلى الجيش الأندلسي، مما ساعده على إلحاق هزيمة ساحقة بجيش الحكومة. فرجع الجنرال لاستر إلى مجريط في ثلة من أتباعه، وقرر الجيش الأندلسي عدم ملاحقته.
وأدى انهزام الحكومة إلى إحلال منذيزابال محل دي تورينو في رئاسة الحكومة في سبتمبر سنة ١٨٣٥ م، وكان رجلًا تقدميًّا، له حنكة سياسية كبيرة وسمعة طيبة، وكان قد قضى على الثورة الكارلية سنة ١٨٣٣ م. فنجح في إقناع المجالس الثورية قبول تعيين الحكومة لها. كما قرر إلغاء أفضلية الابن الأكبر في الوراثة، ومصادرة أراضي الكنيسة وذلك لإرضاء الطبقة البورجوازية الصاعدة التي كانت عمود الثورة الفقري.
وفي ٢/ ٩ / ١٨٣٥ م، رفضت المدن الأندلسية أن ترضخ لمطالب منديزابال، بل توحدت عبر "مجلس أعلى للثورة" مقره بلدة أندوجر (مقاطعة جيان) يمثل جميع الأندلس عبر ممثلين من جميع مقاطعاتها. وانتخب المجلس الكوندي دي دوناديو، ممثل مدينة جيان، رئيسًا له، وأرسل إنذارًا للحكومة في مجريط يعبر فيه عن رغبة الأندلسيين في حكم ديموقراطي على أساس دستور أندوجر وجعل الحكومة مسؤولة أمام الإرادة الشعبية. ثم كون المجلس جيشًا أندلسيًّا للدفاع عن الأندلس. لكن منديزابال نجح ببراعته السياسية في إقناع المدن الأندلسية الواحدة تلو الأخرى بالرجوع للحكومة. وفي ١٩/ ١٠ / ١٨٣٥ م، اضطر مجلس الثورة الأعلى الأندلسي في أندوجر أن يحل نفسه.
[ ٢٧٢ ]
كانت أحداث سنة ١٨٣٥ م مهمة في تكوين القومية الأندلسية المعاصرة، إذ تحركت فيها الأندلس لأول مرة منذ ثورات المورسكيين كأمة واحدة أمام الحكم المركزي في مجريط، وكانت الثورات قبل ذلك إسبانية في الأندلس وليست أندلسية.
وخير تقدير لأهمية ثورة ١٨٣٥ م ما قاله بلاس انفانتي، مؤسّس القومية الأندلسية المعاصرة، إذ قال: "لقد أعطت الأندلس سنة ١٨٣٥ م برهانًا واضحًا عن وجود شعور وحدة مصيرية في منطقتها، تنبض فيه رغبتها في المساهمة، كوحدة تشعر بنفسها، في سيادة الدولة المركزية. وقد كونت الولايات الأندلسية الموحدة أكبر وأقوى مقاومة لمنديزابال، وأنشأت أمام القوى المركزية قوة جهوية فاعلة، لها جيشها الخاص، تعاملت ندًّا لند مع كرستينا (الوصية على العرش). وأعلنت أسس الحكم الشعبي، وتصرفت بشرف وأخلاق".
ودرس أكوستا سانشس دستور أندوجر لسنة ١٨٣٥ م، فوجده "أكثر الأنظمة أصالة للتفكير الكنفدرالي". تكون مجلس الثورة الأعلى في أندوجر من ممثلين عن كل واحدة من المقاطعات الأندلسية الثمانية، وأعطى الدستور لكل مقاطعة حكمها الذاتي. فأساس دستور أندوجر هو تمثيل المدن الأندلسية المشترك أمام العالم الخارجي دون التدخل في شؤونها الداخلية. لذا كان لكل مجلس ثوري محلي شعور كامل بسيادته المحلية، وبانتمائه في نفس الوقت للأندلس في وحدة متكاملة. وقال أكوستا: فقد كان مجلس أندوجر الأعلى "أول بداية حكومة أندلسية، بل الوحيدة، في القرون الأخيرة".
وبعد ثورة عام ١٨٣٥ م، رجعت إسبانيا إلى فسادها الأول: سيطرة الكنيسة عبر رهبان متعصبين وجهلة، وفساد الإدارة، وانتشار الرشوة. وأخذت الحكومة تحشد الفقراء في جيشها لقتلهم في حروب خاسرة، وتتخذ قرارات بإصلاح زراعي لا يستفيد منه إلا الأغنياء. وظلت الأندلس أفقر مناطق إسبانيا، يرزح مزارعوها تحت تجاوزات النبلاء الشماليين الذين يملكون الأرض، أو من مآسي البطالة حيث كانت الحكومة تفضل تنمية قطلونية كمركز لصناعات النسيج، وأوسكادي للصناعات الثقيلة. وإذا كان تأسيس "مجلس أعلى للثورة" الأندلسية سنة ١٨٣٥ م تعبيرًا عن انبعاث الهوية الأندلسية في المدن، فقد بقي الفلاح الأندلسي جاهلًا، جائعًا، غير قادر على التعبير عن آرائه.
وفي ٣٠/ ٦ / ١٨٥٧ م، توجه عدد من الفلاحين الأندلسيين بقيادة مانويل كارو، إلى بلدتي الرحى وأطريرة (مقاطعة إشبيلية) يطالبون بأرض أجدادهم. فاحتلوا
[ ٢٧٣ ]
البلدتين، وأحرقوا سجلاتهما العقارية. فلاحقهم الجيش إلى جبال بني عوجان (مقاطعة مالقة)، وقتل منهم ٢٥ فلاحًا، وسجن الباقين. وفي ١٢/ ٧ / ١٨٥٧ م، أعدم الجيش منهم ٢٥ فلاحًا آخرين. وأدى هذا الحدث الدامي إلى تغير في موقف الفلاح الأندلسي الذي أخذ يتغلب على عقدة الخوف المسيطرة عليه، ويطالب بحقوقه المهضومة.
وفي أواخر سنة ١٨٦١ م، اشتعلت اضطرابات جديدة بين فلاحي الأندلس، ابتدأت في ملينة (مقاطعة مالقة) حيث جمع رفائيل بيريز دل ألامو، وهو من مواليد بلدة أركش (مقاطعة قادس) يعمل بيطريًّا في بلدة لوشة (مقاطعة غرناطة)، عددًا من الفلاحين، واحتلوا بلدة حصن آشر (مقاطعة غرناطة) حيث انضم إليهم أهلها، ثم لوشة. فانضم إليهم عدد من فلاحي الحامة وحصن آشر وأنتقيرة وما جاورها من مقاطعتي غرناطة ومالقة. فأرسل بيريز منشورًا إلى الحكومة يقول فيه: "لتعرفوا أن هدفنا هو الدفاع عن حقوق الإنسان واحترام أرضه وسكنه وأفكاره".
ونظم بيريز حكومة شعبية، مقرها لوشة، وجيشًا مكونًا من ١٠.٠٠٠ فلاح أندلسي للدفاع عنها. فلاحقه جيش الحكومة من لوشة إلى الحامة، حيث اضطر إلى الاستسلام خوفًا على الأهالي. وفي سنة ١٩١١ م، توفي بيريز فقيرًا منسيًّا في أركش، جاهلًا دوره الأساسي في تقوية الهوية الأندلسية لدى الفلاحين.
وفي سنة ١٨٥٧ م، أسس في إشبيلية فرانسسكو مارية دي توبينو، وهو أندلسي من قادس، جريدة "الأندلس"، وهي "جريدة السياسة والتجارة والزراعة والمعادن والفنون والآداب والخطوط الحديدية والأهداف الاتحادية" كما وصفت نفسها. ثم تابعت الجريدة بقيادة خوان، أخي مؤسسها، نشاطها في نشر التوعية الأندلسية إلى سنة ١٨٩٩ م. وفي سنة ١٨٦٩ م، ظهرت جريدة "الفدرالية الأندلسية" في قادس، ثم جريدة "الدولة الأندلسية".
وفي ١٨/ ٩ / ١٨٦٨ م، أعلنت البحرية الثورة في قادس (الأندلس) ضد إيسابيلا الثانية، بقيادة الجنرال بريم. فانضمت إليها إشبيلية ثم المدن الأندلسية الأخرى: قرطبة ومالقة وغرناطة وولبة وأنتقيرة وطريف وقرمونة وغيرها، وكونت مجلسًا للثورة. وفي ٢١/ ٩ / ١٨٦٨ م، أرسلت الحكومة الجيش للقضاء على الثورة، فالتقى مع جيش الثوار الأندلسيين أمام القليعة، قرب قرطبة، فانهزم جيش الحكومة. وفي ٣٠/ ٩ /
[ ٢٧٤ ]
١٨٦٨ م، توصل مجلس الثورة ببرقية من مجريط تقول "ذهبت دونيا إيسابيلا دي بوربون (الملكة) وكل عائلتها إلى فرنسا"، وبهذا انتصرت الثورة.
ولم يرضَ الجمهوريون عن انتخاب الجنرال سرانو رئيسًا للثورة. وفي ٣/ ١٢ / ١٩٦٨ م، اجتمع عدد منهم في البيارة (مقاطعة قرطبة) لنشر أفكارهم، وهي المطالبة بتأسيس جمهورية اتحادية في إسبانيا تعترف بالحكم الذاتي للأندلس، وإلغاء الدين الكاثوليكي كدين الدولة الرسمي، فمنعتهم السلطات بالقوة مما أدى إلى قتل اثنين منهم. وفي ٤/ ١٢ / ١٨٦٨ م، تمرد عمال ميناء شنتمرية (مقاطعة قادس)، فقضى الجيش عليهم في مذبحة كبيرة، هرب بعدها الناجون منها إلى الجبال لمتابعة المقاومة. وفي ٦/ ١٢ / ١٨٦٨ م، ثار أهل قادس وضواحيها، برئاسة فرمين سالبوشيا،
واحتلوا المدينة، ثم انتشر التمرد إلى مالقة وغرناطة وإشبيلية وشريش. فكونت الحكومة جيشًا خاصًّا لمقاومة التمرد في الأندلس، نجح في مهمته بعد قتل أكثر من ثلاثة آلاف أندلسي. وفي ١/ ١ / ١٨٦٩ م، ثارت مالقة فاحتلتها الحكومة في اليوم التالي. وفي ٣/ ١ / ١٨٦٩ م، لحقتها شريش وإشبيلية.
وكان لهذه الأحداث دور كبير في تركيز الهوية الأندلسية بين جميع أهل الأندلس، إذ اجتمع فيها، لأول مرة، أهل المدن وأهل البادية لمطالب أندلسية واحدة. وأصبحت ذكرى ٤ ديسمبر يومًا للأندلس يحييه سنويًّا الوطنيون الأندلسيون، بما فيهم المسلمون.
وفي ١٨/ ٥ / ١٨٦٩ م، وقع ممثلون عن أراغون وقطلونية وبلنسية والجزر الشرقية "حلف طرطوشة الاتحادي" الذي تبنى أفكار بلانتين آلميرال في إنشاء جمهورية إسبانية كنفدرالية، أو فدرالية، تدخل فيها "الدول" المذكورة أعلاه كوحدات ذات سيادة. وفي ١٢/ ٦ / ١٨٦٩ م، تبعت الأندلس مثال قطلونية باجتماع ممثليها مع ممثلي مرسية واسترمادورا وتوقيع "حلف قرطبة الاتحادي"، الذي انضمت إليه فيما بعد الجزر الخالدات، مساندين أفكار بي اي مارغال الجمهورية الاتحادية.
وتابعت حكومة الجمهورية، التي أعلنت سنة ١٨٧٣ م، نفس السياسة المركزية. فثارت المدن الأندلسية مرة أخرى، وكونت كنتونات في مالقة وإشبيلية وقادس وقرطبة وغرناطة. وفي ٢١/ ٧ / ١٨٧٣ م، نشرت هذه الكنتونات منشورًا من دسبنيا بروس أعلنت فيه عدم ثقتها بحكومة مجريط، ونعتتها بأنها أكثر مركزية من سابقاتها، وطالبت "بالتأسيس الفوري للولايات الكنفدرالية". وانتهى المنشور قائلًا:
[ ٢٧٥ ]
"تقع فوق دسبنيا بروس قلعة الحرية التاريخية التي لا تقهر. قد زرعنا البارحة علم الدولة الأندلسية المستقلة، وأسسنا كنتونات الدولة الأندلسية". فتنازل بي إي مارغال عن رئاسة حكومة الجمهورية التي سيطر عليها اليمينيون المركزيون برئاسة سلمرون الذي أرسل الجيش ضد الأندلس، وقضى على السيادة الأندلسية لإعادة المركزية إلى إسبانيا.
بعد ٣/ ١ / ١٨٧٤ م، ورجوع الملكية، أصبحت الحركات الجمهورية والاتحادية سرية من جديد، وساد الجوع والفقر في الأندلس، فتنظم الفلاحون الجائعون في منظمات إرهابية، كاليد السوداء وغيرها، زرعت الرعب في البلاد لمدة سنتين. وفي ٢٠/ ٥ / ١٨٧٤ م، التقى ممثلون عن أربعين مقاطعة إسبانية، بما فيها الأندلسية، في جمع عام تأسيسي لـ "الحزب الجمهوري الاتحادي".
وفي ٣١/ ٥ / ١٨٨٣ م، عقد هذا الحزب اجتماعه العام الثاني في سرقسطة، حضره ممثلون عن ٤٤ مقاطعة إسبانية، منها خمسة من المقاطعات الأندلسية الثمانية، وانتخبوا القطلاني بي إي مارغال رئيسًا للحزب، واتفقوا على الشكل الذي يريدونه للدولة الإسبانية.
وفي ٢٧/ ١٢ / ١٨٨٣ م، اجتمع الجمهوريون الاتحاديون الأندلسيون في مدينة أنتقيرة (مقاطعة مالقة)، وانتخبوا لرئاستهم أنطونيو أزواغا، واتفقوا على مشروع "دستور أنتقيرة" الذي خطط لإنشاء دولة أندلسية اتحادية، ديموقراطية تمثيلية، مستقلة ذات سيادة، تضمن فيها الحريات الشخصية بتنسيق مع الحريات الجماعية، تفصل فيها السلطات الثلاثة التشريعية والتنفيذية والقضائية، تكون عضوًا في كفندرالية إيبيرية. وأصبح "دستور أنتقيرة" أساس المشاريع الاتحادية التي اقترحها المفكرون الأندلسيون فيما بعد.