قضى بلاس إنفانتي شهيدًا للقضية الأندلسية كما ضحى معه في سبيلها طائفة من المفكرين الأندلسيين بحياتهم؛ منهم فدريكو غارسيا لورقا، شاعر غرناطة الفذ، الذي ولد في بلدة "فونتي باكيروس" (عين رعاة البقر) بمقاطعة غرناطة في ٥/ ٦ / ١٨٩٨ م.
وكان فدريكو غارسيا يعبر عن حب أهل الأندلس للحرية في أشعاره، فاقتادته كتائب فرانكو وأعدمته رميًا بالرصاص في ١٨/ ٨ / ١٩٣٦ م.
وأصبح بلاس إنفانتي بعد استشهاده أب الأندلسيين الروحي، وباعث نهضتهم، والمثال المناضل من أجل حريتهم. وقد شردت قوى الشر أهله بعد اغتياله، وطردت زوجته وأطفاله الصغار من "دار الفرح" بيت سكناهم. وطالبت أرملة بلاس إنفانتي سلطات فرانكو بشهادة قتل زوجها، فما كان من تلك السلطات إلا أن حاكمت بلاس إنفانتي بعد قتله، وأصدرت "المحكمة الجهوية للمسؤوليات السياسية" حكمها في إشبيلية بتاريخ ٤/ ٥ / ١٩٤٠ م تجدد حكمها بإعدام بلاس إنفانتي وتغريمه ألفي بسيطة، تدفعها عنه أرملته، واحتفظت السلطات بـ "دار الفرح" رهنًا حتى تدفع الغرامة.
ولم تحصل الأرملة واليتامى على بيت أبيهم في قورية إلا سنة ١٩٤٣ م بعد أن دفعت الغرامة المطلوبة. وتوفيت أرملة بلاس إنفانتي في ٨/ ٢ / ١٩٥٤ م، أما أبناؤه فلا زالوا بقيد الحياة.
ترك بلاس إنفانتي عدة كتب طبعت حديثًا، منها كتيب "أساسيات الأندلس"، كتبه بين سنة ١٩٣٠ م وسنة ١٩٣٦ م وطبع سنة ١٩٨٤ م. يقول إنفانتي في أول الكتيب إن الهوية الأندلسية تعتمد على مبدأ القوميات ومبدأ الثقافات، وأن الأندلس
[ ٢٩٣ ]
أمة ذات ثقافة ذاتية، وأن ثقافتها تتكون من جذور أصلية وأخرى مبتكرة، وأن الطابع الأندلسي ذو تواصل تاريخي، كما يجب أخذ وضع الأندلس الحالي بعين الاعتبار.
ثم قال إن إعادة إحياء الأندلس ترتكز على الأساسيات التالية:
١ - الأندلس الإسلامية كأساس مطلق
٢ - الاتجاه الروحي
٣ - الاتجاه الاقتصادي
٤ - الاتجاه السياسي.
ثم فصل كل موضوع على حدة، وكأنه خطط لمن بعده وترك لهم برنامج انبعاث أندلس إسلامية.
وخرج اليمين منتصرًا من الحرب الأهلية وأعلن الجنرال فرانكو نفسه رئيسًا للدولة سنة ١٩٣٧ م. فألغى كل القوانين الجمهورية، وقضى على الحريات، وأسس في إسبانيا دولة قومية استبدادية مركزية صليبية، أساسها التاريخ الإسباني القديم بكل سلبياته التي ناضلت شعوب إسبانيا من أجل التحرر منه. فورث فرانكو بلدًا فقيرًا جريحًا، أدمَته الحرب الأهلية، التي قتل فيها أو طرد خمس السكان، وتعاطف في أول أمره مع القوى الإيطالية الفاشية والألمانية النازية مما جعله مبغوضًا من طرف جميع القوى الحية الأوروبية.
ولم تنفرج مقاطعة العالم للنظام الدكتاتوري الفرانكوي إلا سنة ١٩٥٣ م بـ "اتفاق المساعدة والتعاون" مع الولايات المتحدة الأمريكية. غير أن فرانكو فتح بذلك الاتفاق المجال الواسع للنفوذ الأمريكي العسكري والاقتصادي على إسبانيا، إذ ساهمت أمريكا بذلك الاتفاق في الاقتصاد الإسباني بـ ١٤١ مليون دولار كمساعدة عسكرية، و٨٥ مليون دولار "لتقوية القاعدة الاقتصادية للتعاون العسكري".
وفي سنة ١٩٤٣ م، حاول دون خوان، المطالب بالعرش البوربوني، إقناع فرانكو بإعادة الملكية إلى إسبانيا، وأعاد الطلب دون جدوى سنة ١٩٤٥ م. وفي سنة ١٩٤٧ م، أعلن فرانكو نفسه وصيًّا على العرش الإسباني دون تحديد مدة الوصاية ولا تعيين المُوصى عليه. وفي يوليوز سنة ١٩٧٠ م، اختار فرانكو الأمير "خوان كارلوس" ابن دون خوان خلفًا له وملكًا من بعده.
أما الكنيسة الكاثوليكية فقد ساندت الحركة الفرانكوية منذ أيامها الأولى مساندة تامة، وظلت تساند فرانكو دون شرط إلى سنة ١٩٦٢ م عند انعقاد "مجلس الفاتيكان الثاني". وبالمقابل حصلت الكنيسة من الدولة الفرانكوية على مزايا باهظة، كالامتيازات المالية، والزواج الكاثوليكي الإجباري لكل المواطنين، والتعليم الكاثوليكي الإجباري في المدارس، والموقع السائد للكنيسة في التعليم الابتدائي
[ ٢٩٤ ]
والثانوي والجامعي، والبحث العلمي، دون إعطاء أي حق للديانات الأخرى، خاصة الإسلام. وظلت الديانة الكاثوليكية دين الدولة الرسمي، ودين الشعب الإسباني برمته، أراد أم كره. وبعد سنة ١٩٦٣ م، تنظم مساندو الكنيسة في جمعية "أوبوس ديي" التي أصبح لها النفوذ الأكبر في السنين الأخيرة للنظام الفرانكوي، فأخذت محل الكتائب في السلطة، ومحل "الآباء اليسوعيين" و"الحركة الكاثوليكية" في الهيمنة الدينية المتطرفة.
وفي سنة ١٩٥٦ م، أخذت إسبانيا تؤسس قاعدة متواضعة للصناعة. وأدى هذا المجهود إلى اضطرابات عمالية وطلابية أجبرت نظام فرانكو على مضاعفة طاقته القمعية. لكن قبول إسبانيا في الأمم المتحدة والمنظمات الأوروبية أدى إلى انفراج في الحصار الذي كان مضروبًا عليها. وفي أواخر الخمسينات، حاول فرانكو إنجاز "برنامج توازي" للاقتصاد بمساندة الولايات المتحدة الأمريكية لمواجهة هروب العملة الصعبة، مما أدى إلى جمود الحركة الاقتصادية وربط البلاد أكثر بعالم الدولار.
وفي سنة ١٩٦٢ م، انفجرت سلسلة من الاضطرابات العمالية في مقاطعة الأشتورياش.
وبعد سنة ١٩٦٣ م، دخل الاقتصاد الإسباني فترة نمو متواصل عبر سلسلة من "المخططات" الاقتصادية. وفي سنة ١٩٦٤ م، احتفل النظام بذكراه الفضية لمرور ٢٥ سنة على إنشائه. وفي سنة ١٩٦٦ م، جدد "القانون التنظيمي" تركيز فرانكو رئيسًا للدولة، ونظم مجالس "الكورتس". وقدم "القانون التنظيمي" لاستفتاء شعبي، ورغم مقاومة المعارضة قُبل بسبب اتباع النظام لأسلوب الغش لدرجة أن عدد المنتخبين كان أعلى من عدد المسجلين. وألغيت في تلك السنة الرقابة على الصحافة، لكنها عوضت بسلسلة من المتابعات "القانونية" ضد الجرائد التي لا ترضي النظام.
وبعد انتصار فرانكو وكتائبه سنة ١٩٣٩ م، ضعفت المعارضة ضعفًا شديدًا، إذ أعدم عدد كبير من زعمائها واضطر من نجا منهم إلى الهجرة حيث ظلت كتاباتهم دون تأثير. وبين سنتي ١٩٤٠ م و١٩٥٣ م، تنوعت أشكال المعارضة للنظام: حروب عصابات في بعض المناطق، ومنظمات عمالية سرية، وقدماء الكتائبيين المنقلبين على النظام، وتحرريون وملكيون، لكنهم أُسكتوا جميعًا نتيجة الاضطهاد المتواصل، وظلت كبار أطر المقاومة إما في القبر أو المهجر أو السجن. وألجم
[ ٢٩٥ ]
الرعب الطبقات الاجتماعية المتوسطة عن المقاومة واكتفائها بالمقاومة الكلامية في البيوت.
ولم تحل المشاكل السياسية أيام فرانكو، بل زادت حدة. فالنظام الفرانكوي كان يرى في ظهور القوميات المحلية خطرًا على وحدة الدولة، فحاربها بكل قواه، ولم يسمح في آخر أيامه إلا ببعض الحريات الثقافية. فاستغلت قطلونية ذلك الانفراج، ونشرت لغتها في منطقتها وفي منطقة بلنسية والجزر الشرقية، وحتى في منطقة الروسيون الفرنسية، بمساندة الكنيسة المحلية. وتكون "مجلس قطلونية" لتشجيع الثقافة القطلانية رغم منعه في أول أمره. وكانت مقاومة القومية البشكنجية للنظام أعنف من القطلانية، إذ تزعمتها أقلية شابة اختارت طريق عنف المقاومة مقابل عنف الدولة، وقادت مجهود تحرير وطني بالثورة الاجتماعية. ونظم الثوار الباسك أنفسهم في جمعية عسكرية اسمها "إيتا" (أي "أوزكادي" تا أسكتاسونا"، أو "بلاد البسكنج والحرية" باللغة البسكنجية). ولم يسمح للقومية الأندلسية أن تعبر عن نفسها، لا من قريب ولا من بعيد.
وفي مجال الاقتصاد، نزل في سنة ١٩٦٢ م إنتاج الحبوب للشخص الواحد إلى ٦٥ في المائة مما كان عليه سنة ١٩٣٥ م، وظلت في سنة ١٩٦٠ م نسبة العاملين في الزراعة ٤٧ في المائة من مجموع العاملين، ينتجون ٣٣ في المائة من مجموع الدخل القومي، بينما لم تكن الزراعة تستهلك أكثر من ١٣ في المائة من الأموال المستثمرة. وكان اقتصاد إسبانيا متخلفًا حتى في المجال الزراعي: أراضي بدون سكان، وسكان بدون أراضي. وبعد سنة ١٩٦٢ م، ابتدأ الوضع الاقتصادي يتحسن: فتضاعف عدد الجرارات الزراعية تسع مرات، من ٢٦.٠٠٠ جرار إلى ٢٢٣.٠٠٠ جرار، في ظرف ١٥ سنة، وارتفع الإنتاج الزراعي. وتقدمت شرائح الاقتصاد الأخرى، فنزلت نسبة العاملين في الزراعة إلى ٢٦ في المائة من مجموع اليد العاملة، وإلى ١٥ في المائة من مجموع الإنتاج. ورغم ذلك، بقي استثمار الأرض ضعيفًا بالنسبة لباقي أوروبا. وأدى هذا التحول إلى مشاكل اجتماعية مختلفة، كالهجرة إلى المدن وانتشار البطالة.
وأنشأ فرانكو لتشجيع الصناعة "المعهد القومي الصناعي" (ايني) الذي كان يتبع المبادىء الكتائبية من مركزية في الإدارة والاستثمار، فزاد في حدة التباين بين المناطق وبين المجالات الصناعية. وبعد سنة ١٩٥٣ م، فتح فرانكو إسبانيا لرأس
[ ٢٩٦ ]
المال الأجنبي، فأخذت اللبرالية مكان الاستبداد المركزي. وأدت المساعدات الأمريكية والتقدم الاقتصادي الأوروبي إلى صعوبات في الاقتصاد الإسباني، منها التضخم المالي، وارتباك توازن المبادلات التجارية. فارتفعت الأسعار بسرعة أجبرت الحكومة على إنجاز مخطط لتوازن النمو وكبح جماحه. فبين سنتي ١٩٥٧ و١٩٦٤ م، تقدم معدل دخل الفرد بنسبة ١٨ في المائة، ثم بنسبة ٣٥ في المائة بين سنتي ١٩٦٤ م و١٩٦٩ م. وبين سنتي ١٩٥٩ م و١٩٦٩ م، تضاعف استهلاك الطاقة، وتزايد إنتاج الصلب، وتطورت المدن والبوادي. وصاحبت هذه الانطلاقة مشاكل أساسية جديدة، هي:
١ - ارتباط الرأسمال الأجنبي بمصالح القائمين على النظام الدكتاتوري.
٢ - هجرة الكفاءات إلى الخارج
٣ - تزايد دور السياحة السلبي على المجتمع.
٤ - ارتفاع الواردات بالنسبة للصادرات
٥ - تزايد التضخم وارتفاع الأسعار.
أدى كل ذلك إلى أزمات اجتماعية حادة: فبين سنتي ١٩٤٠ و١٩٥٥ م، قضى النظام على الطبقة العاملة فسهل تجمع الأموال في البنوك للاستثمار. وفي أواخر الخمسينات، أدت الانطلاقة الاقتصادية إلى تباين كبير بين القطاعات الاقتصادية المختلفة. ففي الزراعة، زاد فقر الفلاح وغنى الإقطاعي صاحب الأرض، ولم يتماش رفع أجور الفلاحين مع ارتفاع الأسعار مما أدى بالفلاحين إلى الخيار بين الهجرة والبطالة، خاصة في منطقة الأندلس. وهددت الصناعات البالية، كمعادن أشتورياش، والمتجهة للأسواق الخارجية، كصناعة الأحذية، بالإغلاق وعمالها بالبطالة. فحاولت النقابات الرسمية السيطرة على الوضع، والتحكم في النزاعات حتى لا تؤدي إلى الانفجار. وتكونت "لجان عمالية" سرية للمناقشة والمقاومة، طاردها النظام بعنف في غرناطة والفيرول ومجريط وبرشلونة عدة مرات. وركزت الدولة على جمع المال السهل بتشجيع الهجرة، كان ضحيتها عشرات الآلاف من الأندلسيين، والسياحة التي حولت الشباب، الأندلسي خاصة، إلى خدم للسياح أو فساق لإشباع رغباتهم، كما قضت الصناعات الملونة الرخيصة، خاصة في الأندلس، على البيئة في كثير من المناطق وأضرت بصحة الأهالي.
وظهرت مع الاضطرابات العمالية المعارضة الثقافية ضد الدكتاتورية. فاضطر النظام إلى تحملها أحيانًا ومحاربتها أحيانًا أخرى عن طريق جمعيات شبه حكومية بالمراقبة والسجن والإرهاب. وشارك في هذه المقاومة الكتاب والفنانون، وحتى
[ ٢٩٧ ]
صغار الرهبان. وبعد سنة ١٩٧٠ م، أخذ الشباب المنتمي للنظام، ككالبو سرير وفراغة إيريبارني، يهجره ويتحول ضده. وأخذ زعماء الأحزاب التي كانت موجودة قبل الحرب الأهلية، بما فيهم القوميون الأندلسيون، ينتظمون سرًّا من جديد، كما تكونت مجموعات حزبية سرية جديدة. وقابل النظام هذه التحركات بطرق مختلفة، فمثلًا تقبل النظام مشاركة خيل روبلس سنة ١٩٦٢ م في مؤتمر دولي طالب فيه بروابط أقوى مع أوروبا، بينما أعدم الشيوعي خوليان غريماو.
وأدى اضطهاد القوميات واليسار إلى إنشاء حركات إرهابية، كـ "إيتا" بالنسبة للقومية الباسكية و"فراب" بالنسبة لليسار، التي ركزت على مقاومة جهاز النظام القمعي عسكريًّا. فضاعف النظام قمعه للمعارضة، مما أدى بإسبانيا إلى دوامة من المزايدة في العنف بين الحكومة رالجماعات الإرهابية. وفي ديسمبر سنة ١٩٧٣ م، قتل الإرهابيون الأميرال كريرو بلانكو، رئيس الوزراء، الذي كان من أول المخلصين للجنرال فرانكو، فتزعزع بمقتله النظام. وتزامن ذلك مع أزمة البترول الدولية التي أضعفت الاقتصاد الإسباني. وفي سبتمبر سنة ١٩٧٥ م، أدى إعدام خمسة من المتهمين بالإرهاب بعد محاكمة صورية تنافت مع أبسط قواعد العدالة، إلى اشمئزاز من النظام الفرانكوي في العالم أجمع.
وعند مرض فرانكو، أخذت كل الأطراف السياسية تستعد لما بعده. فالتفت حول اليمين الطبقات المستفيدة من النظام، منها الكنيسة الكاثوليكية وجمعية "أوبوس ديي" والطبقات الأرستوقراطية والإقطاعية المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالبنوك والصناعة.
وبقي الجيش والشرطة قاعدة النظام المخلصة.
وفي أكتوبر سنة ١٩٧٥ م، تحول مرض فرانكو إلى احتضار أدى إلى موته في ٢٠/ ١١ / ١٩٧٥ م، وتولية خوان كارلوس ملكًا على إسبانيا في ٢٢/ ١١ / ١٩٧٥ م.
وبموت فرانكو مات نظامه، وانفتح عهد جديد على إسبانيا والقومية الأندلسية والإسلام في الأندلس.