في سنة ١٩٧٨ م، ابتدأت المحادثات الدستورية في إسبانيا، وقررت الأكثرية على أن تكون إسبانيا ملكية دستورية اتحادية. وبعد انتخابات مارس سنة ١٩٧٩ م، اعترف الكورتس بالقوميات المسماة "التقليدية" أي الباسكية والقطلانية، ووقعت الموافقة بالاستفتاء على دستوري الحكم الذاتي لمنطقتي قطلونية وأوسكادي.
وفي سنة ١٩٧٩ م بالذات، أخذ الأندلسيون يطالبون بالاعتراف بقوميتهم واعتبارها قومية "تقليدية"، أي يريد الأندلسيون الحصول على حكم ذاتي بنفس المستوى الذي حصل عليه القطلانيون والباسك. وفي ١١/ ٨/ ١٩٧٩ م، عقدت القوى السياسية الأندلسية المختلفة اجتماعها الأول في قشريش، بلدة بلاس إنفانتي، في الذكرى الثالثة والأربعين لاستشهاده، بدعوة رفائيل أسكوديرو، رئيس مجلس الأندلس حينذاك. واستجابت للدعوة الفروع الأندلسية للأحزاب التالية: الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، واتحاد الوسط الديموقراطي (الحاكم حينذاك في مجريط)، والحزب الشيوعي الإسباني، وحزب العمل الأندلسي. بينما رفض الحزب الاشتراكي الأندلسي (الحزب القومي الأندلسي فيما بعد) الاستجابة للدعوة، واجتمع زعماؤه بمفردهم في رندة، في نفس التاريخ، مما كان له التأثير السيىء في شعبية هذا الحزب في المستقبل. اتفقت الأحزاب المذكورة على نسيان نزاعاتهم الحزبية في قشريش، وتوحيد الكلمة السياسية كأندلسيين للاتفاق على خطة واحدة تجعل الحكومة الإسبانية تعترف بالقومية الأندلسية كقومية "تقليدية" وتعطي منطقة الأندلس حكمًا ذاتيًّا بنفس المستوى الذي حصلت عليه قطلونية وأوسكادي.
وأظهر أسكوديرو الاتجاه العام لاجتماع قشريش في خطابه الافتتاحي، إذ قال:
"في ١١ غشت عام ١٩٣٦ م، صاح بلاس إنفانتي في لحظة استشهاده: "عاشت الأندلس حرة"، فلخص بصيحته هذه حلمًا قديمًا للأندلسيين: وهو تأسيس أندلس ذات حكم ذاتي، أندلس تحكم نفسها بنفسها، أندلس ذات رجال ونساء مستعدين أن يخرجوا من هوان القرون للمشي في طريق التحرر الاجتماعي والثقافي، ولا زالت صيحة التحرير هذه قائمة. واليوم وفي هذه الساعة، يجب على الشعب الأندلسي أن يستعد ليأخذ حقه من التاريخ، عبر طريق طويلة ".
وانتهى اجتماع قشريش بإجماع السياسيين الأندلسيين على ما يلي: "إن مجلس الأندلس في ذكرى وفاة بلاس إنفانتي، ينهج طريقه ويتبنى إرثه السياسي، ويتابع
[ ٣٠٦ ]
رسالته التاريخية باقتراحه على الشعب الأندلسي مشروعًا نبيلًا للوصول إلى دستور الحكم الذاتي الكامل للأندلس. وكما قال بلاس إنفانتي شهورًا قبل وفاته: "يكون الدستور الأندلسي كما يريده كل الأندلسيين، لذلك نطلب من الأندلسيين جميعًا أن يتدارسوا بالطريقة السهلة التي يريدونها وبدون تعقيد، شكل الحكومة التي يريدونها لأنفسهم ".
ووقع الإجماع في قشريش على المطالبة بالحكم الذاتي عن طريق المادة ١٥١ من الدستور الإسباني، التي تعطي استقلالًا ذاتيًّا كاملًا كالذي حصلت عليه قطلونية وأوسكادي، عوضًا عن المادة ١٤٣ التي تؤدي إلى شيء من المسؤولية المحلية فقط. وكانت الحكومة المركزية تود إعطاء الأندلس حكمًا ذاتيًّا حسب المادة ١٤٣.
وحضر اجتماع قشريش كذلك كلابيرو أريبالو، وزير الثقافة الإسباني، وهو أندلسي عضو في اتحاد الوسط الديموقراطي الحاكم، كما حضره عمداء سبع عواصم أندلسية من الثمانية المجتمعة، ولم يغب سوى عمدة إشبيلية الذي حضر اجتماع الحزب الاشتراكي الأندلسي في رندة. واستقبل عمدة قشريش وأهلها المؤتمرين بحماس فائق. وفي ١١/ ٨/ ١٩٧٦ م، أصبحت قشريش أول بلدة أندلسية تجرأت بعد موت فرانكو على إحياء ذكرى بلاس إنفانتي عندما دشن عمدتها حينذاك نصبًا في ذكراه، فأزاحته الحكومة المركزية، ولكن النصب أعيد لمكانه بعد ذلك. وبعد انتهاء الاجتماع، وعد الوزير أريبالو بنقل رغبة الشعب الأندلسي إلى الحكومة المركزية، وقال: "يجب أن يعامل الأندلسيون في المجال الاقتصادي معاملة أفضل من أي شعب من شعوب إسبانيا".
وبعد اجتماع قشريش، أخذ أسكوديرو، رئيس المجلس الأعلى، وزعماء الأحزاب الأندلسيون يتجولون في أنحاء الأندلس لإخبار الأهالي بقراراته، وحثهم على المطالبة بالحكم الذاتي للأندلس. ولم تكن الحكومة المركزية برئاسة حزب "اتحاد الوسط الديموقراطي" ترى بعين الرضى نهوض القومية الأندلسية، ولا كانت تحبذ حصول الأندلس على الحكم الذاتي. وكان الحل الدستوري الوحيد للمشكل هو إجراء استفتاء شعبي في الأندلس يُستفتى فيه الأهالي عن رأيهم في الحصول على الحكم الذاتي. وفي ٣/ ١٠/ ١٩٧٩ م، اجتمع أسكوديرو بأدلفو سوارز، رئيس الوزراء، واتفقا أن يكون موعد الاستفتاء بتاريخ ٢٨/ ٢/ ١٩٨٠ م.
[ ٣٠٧ ]
وبعد تحديد الموعد، أخذت الأحزاب الأندلسية تقوم بالترتيبات اللازمة لتفسير معنى الحكم الذاتي للجماهير وحثها على التصويت، بينما ابتدأت الحكومة المركزية تفكر في إفشال الاستفتاء أو تأخيره، وحددت شروطًا تعجيزية وقاسية لإنجاحه، منها أن يجري الاستفتاء في ثمان مقاطعات (ولبة وإشبيلية وقادس وقرطبة ومالقة وجيان وغرناطة والمرية)، وأن تجيب كل واحدة منها بأكثر من خمسين في المائة من الناخبين المسجلين بالموافقة على السؤال التالي: "هل توافق على المضي في المبادرة المذكورة في المادة ١٥١ من الدستور (الإسباني) وتنفيذ الإجراءات المنصوص عليها في تلك المادة؟ ". وإذا كانت الإجابة أقل من خمسين في المائة في إحدى المقاطعات، عد الجواب سلبيًّا في كل الأندلس. ولم تطبق هذه الشروط المجحفة في أية منطقة من مناطق إسبانيا، لا في أوسكادي ولا في قطلونية ولا في غيرهما.
وحث الزعماء الأندلسيون، وعلى رأسهم أوسكوديرو، الشعب الأندلسي على التظاهر سلميًّا يوم ٢/ ١٢/ ١٩٧٩ م، في مدن الأندلس وقراها للتعبير عن رغبته الجماعية في الحصول على اعتراف الحكومة الإسبانية بالأمة الأندلسية كقومية قائمة بنفسها والحصول منها على الحكم الذاتي. فاستجابت الجماهير وخرجت في مظاهرات شعبية كبيرة أدت إلى اشتباكات مع الشرطة في قرطبة وإشبيلية. وعلق الرئيس أسكوديرو على هذه الأحداث بقوله: "يجب أن تعد الأحداث التي وقعت في مظاهرات قرطبة وإشبيلية في إطار سياسة الاستفزازات التي تهدف إلى كسر وحدة الشعب الأندلسي وخلق الفوضى بين صفوفه حتى ينفر من استفتاء ٢٨ فبراير".
وفي ٧ - ٨/ ١/ ١٩٨٠ م، زار الملك خوان كارلوس مقاطعتي جيان وغرناطة، فصاحبه الرئيس أوسكوديرو. وفي جيان صاح الملك: "عاشت الأندلس" فكان هتافه بمثابة مساندة للمطالب الشعبية الأندلسية.
وفي ١٤/ ١/ ١٩٨٠ م، قررت اللجنة التنفيذية للحزب الحاكم (اتحاد الوسط الديموقراطي) أن أحسن طريقة لحصول الأندلس على الحكم الذاتي هو عبر المادة رقم ١٤٣، وقررت عدم مساندة استفتاء ٢٨/ ٢/ ١٩٨٠ م ومطالبة الأهالي بعدم التصويت. فكانت هذه القرارات ضربة قاسية للمطالب الأندلسية وغدرًا من طرف
[ ٣٠٨ ]
الحزب الحاكم للأندلس وضعت أتباعه الأندلسيين في موقف حرج. ومن هؤلاء منويل كلابيرو أريبالو، وزير الثقافة، وهو الأندلسي الذي شارك في كتابة الدستور الإسباني بما فيه المادتين ١٤٣ و١٥١، فقرر تقديم استقالته والرجوع إلى إشبيلية للمساهمة في تشجيع الشعب الأندلسي على الجواب على سؤال الاستفتاء بنعم، كما قرر فرع حزب "اتحاد الوسط الديموقراطي" في الأندلس مساندة الاستفتاء على عكس قرار لجنة الحزب التنفيذية. وهكذا وقع إجماع الأحزاب في منطقة الأندلس على مساندة الاستفتاء والإجابة عليه بالموافقة.
وابتدأت حملة الاستفتاء متأخرة في كل أنحاء الأندلس، ولم يكن الزعماء الأندلسيون يخافون من الجواب بـ "لا"، ولكنهم كانوا يخافون من عدم التصويت، خاصة وأن ثلث الأندلسيين امتنعوا عن التصويت في الانتخابات والاستفتاءات الماضية لأسباب متعددة، أهمها كثرتها، وعقلية الشعب الأندلسي الناتجة عن الاضطهاد المتواصل التي تجعله سلبيًّا أمام كل ما يأتي من الحكومة، فلم يتعود بعد على التغير، خاصة في القرى النائية.
وواجه الأندلسيون مشكلة كبيرة أخرى: وهي عدم دقة اللوائح الانتخابية التي كان أساسها إحصاء سنة ١٩٧٥ م، وقد عدلت في أواخر ١٩٧٦ م و١٩٧٧ م و١٩٧٨ م. وأهم خطأ في هذه اللوائح يعود إلى كون البلديات اعتادت قديمًا على تكثير أعداد سكانها للحصول على مساهمات أكبر من الحكومة في ميزانياتها، وذلك بعدم شطب أسماء الموتى والمهاجرين. وطبعًا سيعد هؤلاء في الاستفتاء من بين المسجلين الذين لم يصوتوا، مما سيكون له أكبر الخطر على نتائجه.
كما أجرت الحكومة ضغوطًا على مقاطعة المرية لسحبها من الأندلس وجعلها تنضم إلى منطقة مرسية، كما كان هناك خطر على مقاطعة جيان لكثرة المهاجرين إليها من خارج الأندلس.
وأجري الاستفتاء في المقاطعات الثمانية في التاريخ المحدد. وقد وصلت النتيجة إلى النسب المذكورة في الجدول التالي بالنسبة لجميع الناخبين المسجلين في كل مقاطعة:
[ ٣٠٩ ]
نتائج الاستفتاء الأندلسي بتاريخ ٢٨/ ٢/ ١٩٨٠ م
إشبيلية
المصوتون: ٧٢.٧
الموافقون: ٦٤.٩
المعارضون: ٣.٠
الأوراق الملغاة: ٤.٨
غير المصوتين: ٢٧.٣
قادس
المصوتون: ٦١.٤
الموافقون: ٥٥.٤
المعارضون: ٢.٠
الأوراق الملغاة: ٤.٠
غير المصوتين: ٣٨.٦
مالقة
المصوتون: ٥٩.٣
الموافقون: ٥٢.٤
المعارضون: ٣.٢
الأوراق الملغاة: ٣.٧
غير المصوتين: ٤٠.٧
غرناطة
المصوتون: ٦٢.٥
الموافقون: ٥٣.٠
المعارضون: ٣.٨
الأوراق الملغاة: ٥.٧
غير المصوتين: ٣٧.٥
قرطبة
المصوتون: ٦٩.٦
الموافقون: ٦٠.٠
المعارضون: ٣.٩
الأوراق الملغاة: ٥.٧
غير المصوتين: ٣٠.٤
جيان
المصوتون: ٦٣.٢
الموافقون: ٥٠.١
المعارضون: ٦.٣
الأوراق الملغاة: ٦.٨
غير المصوتين: ٣٦.٨
ولبة
المصوتون: ٦٠.٦
الموافقون: ٥٣.٩
المعارضون: ٢.٢
الأوراق الملغاة: ٤.٥
غير المصوتين: ٣٩.٤
المرية
المصوتون: ٥١.٠
الموافقون: ٤٢.١
المعارضون: ٤.٠
الأوراق الملغاة: ٤.٩
غير المصوتين: ٤٩.٠
المجموع
المصوتون: ٦٤.٢
الموافقون: ٥٥.٧
المعارضون: ٣.٤
الأوراق الملغاة: ٥.١
غير المصوتين: ٣٥.٨
كان عدد الناخبين المسجلين في المقاطعات الثمانية ٤.٤٣٥.١٩٥ شخص. إذن، رغم معارضة الحزب الحاكم والحكومة، شارك في الاستفتاء حوالي ثلثا المسجلين، وكانت أعلى نسبة مشاركة في مقاطعة إشبيلية وأضعفها في مقاطعة المرية، ولم تعارض الحكم الذاتي في جميع المقاطعات إلا نسبًا ضئيلة من الناخبين. وقد شاركت أكثرية أعضاء الأحزاب اليسارية في الاستفتاء، كما شارك فيه عدد هام من أعضاء الأحزاب اليمينية.
لذا عدّ المراقبون السياسيون استفتاء ٢٨/ ٢/ ١٩٨٠ م انبعاثًا للأمة الأندلسية، إذ صوت الأندلسيون بنسبة ٥٦ في المائة تقريبًا على أنهم قومية قائمة بنفسها وبذلك تبنوا أفكار بلاس إنفانتي ٤٣ سنة بعد استشهاده. وكانت نسبة الموافقين أعلى في مقاطعتي إشبيلية وقرطبة المركزيتين. وحتى جيان، التي خيف عليها، صوتت بالموافقة بنسبة تساوي ٥٠.٠٧٣ في المائة من المسجلين، أي بـ ٣٤٤ صوت أكثر من النصف
[ ٣١٠ ]
المطلوب. ولم ينخفض على النصف سوى المرية، ورغم ذلك لم يصوت بـ "لا" فيها سوى ٤ في المائة من مجموع الناخبين المسجلين فيها. ولذا عد الأندلسيون استفتاء ٢٨/ ٢/ ١٩٨٠ م نصرًا تاريخيًّا للأندلس ووجودها.
ورغم محاولة الحكومة رفض نتيجة الاستفتاء بسبب تصويت المرية، اضطرت إلى قبوله لما كان لموقفها من غرابة، إذ من بين الذين أدلوا بأصواتهم في المرية صوت ٨٢.٥ في المائة بالموافقة على السؤال المطروح.
وبعد الاستفتاء، ابتدأ زعماء الأندلس في تخطيط نظم منطقة الأندلس ذات الحكم الذاتي ودستورها ونشيدها الوطني وعلمها، الخ