قام رسول الله ﷺ في مكة المكرمة بتبليغ الدعوة بالطرق والوسائل المتاحة له، وكان يتصل بالقبائل، ويحضر الأسواق، ويدعو الزعماء لنصرته، إلى أن كانت بيعة العقبة الأولى في السنة الثانية عشرة من البعثة النبوية، وبيعة العقبة الثانية في السنة الثالثة عشرة من البعثة النبوية مع أهل المدينة، وتكونت دولة الإسلام في المدينة، فقام بعبء الجهاد قي سبيل الله، لتبليغ الدعوة، إلى جانب إرسال الكتب والرسل إلى من كان يعاصره من الملوك، والأمراء، والقادة، والزعماء.. واتضحت معالم هذه الوسيلة الأخيرة بعد هدنة الحديبية عام ٦ هـ ٣. وهذه الكتب واضحة الدلالة على تطبيق رسول الله ﷺ عمليًا لما تردد في القرآن الكريم من دعوة الناس جميعًا لاعتناق الإسلام.
وقد حاول كثير من المستشرقين إنكار بعثة رسول الله ﷺ إلى الناس كافة، متجاوزين ما ورد من آيات بينات تلك التي وردت في القرآن الكريم في الفترة المكية، والفترة المدنية، ومتجاوزين إجماع المسلمين على هذا الأمر، وجعلوا من أنفسهم حكمًا على تاريخ الإسلام وتاريخ الدعوة، فقاموا بدراسات متجنّية على الإسلام والمسلمين، وعلى رسول الإسلام ﷺ، بل وساخرة أحيانًا ٤. في حين لم ينكر بعضهم ذلك٥.
_________________
(١) ٣ انظر: ابن هشام_ السيرة ١/٦٥٠، الطبري_ تاريخ ٢/٦٤٤_٦٥٥. ٤ مثل "برنارد لويس" في كتابه: السياسة والحرب في الإسلام. ٥ مثل "ليوتي كاتياني في كتابه حوليات الإسلام (geetani annali del Islam vol. Vp٢٢٣)، و" نولدكه " في كتابه: تاريخ القرآن و" إجناس جولد تسيهر " في كتابه: العقيدة والشريعة في الإسلام، و" ول ديورانت " في كتابه: قصة الحضارة ١٣/٢١، و" وليم ميور " في كتابه: الخلافة the caliphate p.٤٣-٤٤.
[ ٧٧ ]
ورسول الله ﷺ قام فعلًا بتبليغ الدعوة ونشرها عن طريق الجهاد، وغزواته وسراياه كثيرة١. وتظهر في بعضها خطته في نشر الدين خارج شبه الجزيرة العربية. وهذه الخطة حاول معظم المستشرقين التشكيك فيها كعادتهم حتى الذين لم ينكروا بعثته ﷺ إلى الناس كافة٢. رغم وضوح هذه الخطة، ورغم استمرارها في عهد خلفائه الراشدين بعد التحاقه بالرفيق الأعلى.
فقد بعث ﷺ خمسة عشر رجلا إلى ذات أتلاح على مشارف بلاد الشام، يدعون إلى الإسلام، فاستشهدوا جميعًا، لم ينجُ إلا رئيسهم كعب الذي عاد جريحًا٣.
ووجه ﷺ سرية مؤتة لتأديب القبائل الغادرة، ولتكون طليعة حملة أكبر لفتح الشام عام ٨ هـ٤ قبل فتح مكة وقد تصدى لهذه السرية الروم البيزنطيون بقبائل العرب المتنصرة، وعادت دون أن تحقق نجاحًا عسكريًا، ولكنها أدت دورًا في تبليغ الدعوة، فوصلت الدعوة حدود الشام، وبدأت تمتد بين القبائل الخاضعة للروم، قبل أن تعمّ شبه الجزيرة العربية.
ووجه ﷺ حملة بقيادة عمرو بن العاص في المهاجرين الأولين إلى الشمال، وفيهم أبو بكر، وعمر، وأبو عبيدة، قبل أن يتوجه لفتح مكة عام ٨ هـ. فوطيء عمرو أرض طيء، وبلي، وعذرة، وبلقين في غزوة ذات السلاسل٥. وكلها قبائل كانت تخضع للروم البيزنطيين بشكل أو بآخر.
وبعد غزوة حنين ورجوعه من حصار الطائف قاد ﷺ غزوة تبوك بنفسه عَام ٩ هـ. وكانت تظاهرة إسلامية كبيرة، وصل عدد الجيش الإسلامي فيها ثلاثين ألفًا، وهو أكبر جيش شهدته الجزيرة العربية حتى ذلك التاريخ، وقد تنافس المسلمون في تجهيزه، في النفقة، وتنافسوا في النفير، في زمن عسرة، وشدّة الحرّ، فسمي الجيش بـ "جيش العسرة"٦. وكانت اختبارا وفقًا لأمة الجهاد بالفعل، كشفت بوضوح خطة الرسول ﷺ بالعمل على تبليغ الدعوة ونشرها بطريق الجهاد والفتح، ووضعت الأسس التي ستسير عليها الفتوحات الإسلامية زمن الراشدين والأمويين، وما يجب أن تسير عليه الأمة المسلمة في جميع عصورها.
_________________
(١) ١ انظر: ابن كثير_ البداية والنهاية ٥/ ٥ ٢١-٢٢٣. ٢ انظر: مثلا "ول ديورانت "- قصة الحضارة ١٣/ ٢١. ٣ ابن كثير_ البداية والنهاية ٤/ ٢٤١. ٤ الواقدي- المغازي ٢/ ٧ ٥ ٧، ابن هشام- السيرة ٢/ ٣٢٤، ابن سعد- الطبقات ٢/ ١. ٥ الواقدي- المغاري٢/ ٧٧١، المقريزي - إمتاع الأسماع ١/٣ ٥ ٣. ٦ الطبري - تاريخ ٣/ ١٠١، الواقديً- المغازى٣/ ٩٩٩- ١٠١٥، ابن الأثير- الكامل في التاريخ ٢/٢٧٧، ابن هشام- السيرة٤/ ١٣٥ _١٣٨، ابن سعد ٢/ ١/١١٩.
[ ٧٨ ]
ومع أن المسلمين لم يصطدموا بالروم البيزنطيين في غزوة تبوك، فإنها كرّست هيبة المسلمين في الجهات المحاذية للروم أولاّ، واخترقت الدعوة بلاد الشام ثانيًا، فأسلم بعض عربها كفرْوة بن عمرو الجذامي، الذي صلبه الروم بسبب ذلك١. وقدمت بعض وفودهم كوفد الداريين، وعلى رأسهم تميم الداري٢ ﵁.
واستمر رسول الله ﷺ يبن للأمة المسلمة خطة الفتح، وطرق تبليغ الدعوة خارج شبه الجزيرة، فأمر بتجهيز جيش أسامة وأمر بإنفاذه (أثناء مرضه) إلى الشام٣.
وبهذا يتضح أن الفتوحات الإسلامية لم تأت وليدة الصدف، ولم تكن خطة الفتح ارتجالية، وإنما كانت وفق خطة واضحة، راشدة، واضحة أسسها النبي ﷺ وسار الخلفاء الراشدون ﵃ من بعده على منهجها. فأنفذ أبو بكر بعث أسامة إلى الشام رغم ظروف المدينة الحرجة بعد وفاة الرسول ﷺ، بسبب ردة العرب ردة عامة أو خاصة، وتطلع القوى المعادية للدعوة الإسلامية إلى القضاء على الإسلام ودولته، فكانت معارضة بعض الصحابة في إنفاذ جيش أَسامة٤.
وقام أبو بكر ﵁ بتوجيه عبادة بن الصامت ﵁ إلى "هرقل" إمبراطور الروم يدعوه إلى الإسلام، أو الجزية، أو يؤذنه بحرب، فقام عبادة ﵁ بمهمته٥.
كل ذلك ليؤكد أبو بكر للمسلمين خطة الرسول ﷺ في الفتوحات عمليًا.
ولما تم القضاء على حركة الردة قاما أبو بكر ﵁ مباشرة بتوجيه الجيوش الإسلامية إلى العراق والشام، وفي وقت واحد، أن قام بمواجهة الدولتين الكبيرتين في العالم آنذاك- دولة فارس الكسروية ودولة الروم البيزنطيين القيصرية- دون أن يحسب حسابا للقوى المادية، من حيث العَدد والعُدد، وذلك قيامًا لما يطلبه الإسلام من تبليغ الدعوة، واتباعًا لأساليب الرسول ﷺ، وتنفيذا لخطته. فتوجهت قوات الإسلام، للفتح، تحقيقًا لأهداف فرضية الجهاد في سبيل الله.
_________________
(١) ١ ابن هشام - السيرة ٤/٥٩١، ابن الأثير_ الكامل ٢/٢٠٣. ٢ ابن هشام - السيرة ٤/٦٥٠. ٣ ابن هشام - السيرة ٤/٦٥٠، ابن الأثير_ الكامل ٢/٢١٥. ٤ انظر: ابن الأثير - الكامل في التاريخ ٢/٢٧٦. ٥ الدينوري - الأخبار الطوال.
[ ٧٩ ]
p ٨٠
[ ٨٠ ]