تطبيق مبادئ الحرب في الإسلام:
طبق المسلمون قواعد الإسلام في حربهم، فكانوا يعرضون على أعدائهم أحد أمرين قبل القتال: الإسلام، أو الجزية:
فمن أجاب للإسلام كان أخًا للمسلمين له ما لهم، وعليه ما عليهم، ومن أبى وأجاب للجزية قبل الحرب، فليس عليه ذل أو صغار، ويبقى في أرضه مكرّماَ في ذمة المسلمين، أماّ من حارب حتى رضخ للجزية فهو الصّغار، الذي هو الخضوع لأحكام الإسلام. قال الإمام الشافعي:
وسمعت عددًا من أهل العلم يقولون:
"إن الصّغار أن يجريَ عليهم حكم الإسلام "٢.
وهذا محتوىَ الآية الكريمة في قوله تعالى:
﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ٣.
فكن أول ما يبتدئ به القادة المسلمون: الدعوة إلى الإسلام. والأمثلة على ذلك كثيرة أذكر منها:
- دعوة خالد بن الوليد لأهل الحيرة، عندما خرج إليه أشرافهم.
_________________
(١) ٢ الأم ٤/ ١٨٦. ٣ سورة التوبة الآية: ٢٩.
[ ٨٦ ]
فقال لهم: "أدعوكم إلى الله، وإلى الإسلام "١.
- وعندما واجه خالد بن الوليد "جرجة" أحد قادة الروم مبارزًا إياه يوم اليرموك، دعاه إلى الإسلام، وبدت له محاسنه، وأكد له:
"أن أجر من يدخل الدين، مثل السابقين، وأفضل".
فكان أن أسلم "جرجة" وقاتل قومه، واستشهد مع المسلمين يوم اليرموك٢.
_ وتظهر الدعوة إلى الإسلام بوضوح في المفاوضات التي كانت تسبق المعارك الحاسمة كالقادسية واليرموك، وأجنادين، ونهاوند، وجلولاء، وبابليون
- ففي القادسية: ترددت الرسل بين سعد بن أبي وقاص ﵁، و"رستم" قائد الفرس. وكان "رستم" قد طلب من سعد أن يوجه إليه بعض أصحابه فأرسل إليه المغيرة بن شعبة ﵁، فقصد سرير "رستم" وكان يجلس عليه، وهو من الذهب، وقد زيّن مجلسه بالفرش المنسوج بالذهب، ولبس على رأسه التاج وأقيمت الفيلة حول المكان- وأراد المغيرة أن يجلس على سريره معه، فمنعه الأساورة، وبعد مداولات قال المغيرة:
"إن الله بعث إلينا نبيه ﷺ، فسعدنا بإجابته، واتباعه وأمرنا بجهاد من خالف ديننا، حتى يعطوا الجزية، ونحن ندعوك إلى عبادة الله وحده، والإيمان بنبيه ﷺ، فإن فعلت، وإلا فالسيف بيننا وبينكم".
ولما قال "رستم":
"والشمس والقمر، لا يرتفع الضحى غدًا حتى نقتلكم أجمعين"، قال المغيرة: "لا حول ولا قوة إلا بالله" وانصرف عنه٣.
وكان "رستم" قد استمع إلى عدد من رسل المسلمين، وبينوا له أهداف الجهاد، فأعجب بالمسلمين، وبإجاباتهم السديدة حتى قال لأصحابه:
"انظروا فإن هؤلاء لا يخلو أمرهم من أن يكون صدقًا، أو كذبًا، فإن كانوا كاذبين، فإن قومًا يحفظون أسرارهم هذا الحفظ، ولايختلفون في شيء، وقد تعاهدوا على كتمان سرهم هذا التعاقد، بحيث لا يظهر أحد منهم سرهم، لقوم في غاية الشدّة والقوة، وإن كانوا صادقين، فهؤلاء لا يقف حذاءهم أحد"٤.
_________________
(١) ١ الطبري - تاريخ ٣/ ٣٤٤، ٣٤٥، ٣٧٧. ٢ نفسه ٣/٣٩٩. ٣ البلاذري_ فتوح البلدان ٢٥٧. ٤ ابن طباطبا_ الفخري في الآداب السلطانية ٧٧.
[ ٨٧ ]
_ وفي مفاوضات حصن بابليون عام ٢٠ هـ، استقبل عمرو بن العاص، رسل المقوقس في محاولة للتوصل إلى الصلح، فأبقاهم عنده يومين- ليشاهدوا حياة المسلمين الإسلامية، وهي طريقة ناجحة لتبليغ الدعوة، كما كان يفعل رسول الله ﷺ مع الوفود- وبعد ذلك قال لهم عمرو:
"ليس بيننا وبينكم إلا إحدى خصال ثلاث: الدخول في الإِسلام، فتكونون إخواننا، ولكم ما لنا، وعليكم ما علينا، وإن أبيتم فالجزية، وإما القتال، حتى يحكما الله بيننا وبينكم، وهو أحكم الحاكمين"١.
_________________
(١) ١ ابن عبد الحكم - فتوح مصر ٥٩ –٦١.
[ ٨٨ ]