تختلف دولة الإسلام عن الدولة الدينية في المفهوم الغربي. فالدولة الدينية (في عرف الغربين): "تخوض الحروب الدينية لتجعل ولو بالإكراه كل رعيتها متدينة بدينها، بل بمذهبها الديني، لأنها توحّد بلاد الدين والدولة، والرعية مكون من مكونات الدولة"٧.
_________________
(١) ٧ كما فعلت إسبانيا والبرتغال الكاثوليكيتين مع المسلمين وغيرهم من المخالفين لهم في العقيدة، بعد أن احتلوا أرض المسلمين في الأندلس واستوطنوها، فاستخدموا محاكم التحقيق (التفتيش) . وكما فعلت فرنسا الكاثوليكية مع الهيجونوت في مذبحة بارثلميو رباتلميو سنة ١٥٧١م.
[ ٩٦ ]
ولذلك لم يميّز من كتب من وجهة النظر الغربية في تاريخ الإسلام بين مفهوم الجهاد- الذي يعمل على إزالة العقبات، وتحطيم الحواجز التي تعترض الدعوة، وتحول دون وصول الإسلام إلى الناسِ- وبن اعتناق الناس للإسلام١ الذي هو أجلّ نعمة للبشرية. والنعمة لا تُفرض فرضًا، ولكن النفوس الطيبة تسارع إليه عندما تتاح لها الفرصة للمعرفة والمشاهدة. والفتوحات وفرت هذه الفرصة، فلم تكن الفتوحات إذن لإجبار الناس على الدخول في الدين، قال تعالى:
﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ٢.
وقال ﷾:
﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ ٣.
فأمر ﷾ الرسول والمسلمين أن تكون الدعوة طيبة، تخاطب الناس في رفق لمحاولة إقناعهم، لا إكراه فيها ولا تهديد، وأن يكون حوارهم مع أهل الكتاب هادئًا لا يجادلونهم إلا بالتي هي أحسن، فإن آمنوا فقد اهتدوا، وإن تولوا فالآمر متروك لله ﷾. قال تعالى:
﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ٤.
ومن الغربيين من أكد على عدم إكراه المسلمين لغيرهم على اعتناق الإسلام مثل: "فون كريمر"٥. وأجاد "غوستاف لوبون" في عرضه عدم إكراه المسلمين الناس على الإسلام، وبينّ أن الإسلام انتشر بالدعوة وحدها٦.
وقال "فرانز روزنتال" معبرًا عن ذلك:
"وقد نمت المدنية الإسلامية بالتوسع لا بالتعمق، داعية إلى العقيدة، مناقشة لتلك الحركات الفكرية الموجودة. وفوق كل ذلك، فبتقدم الإسلام تهاوت الحواجز القديمة من اللغة، والعادات، و. توفرت فرصة نادرة لجميع الشعوب، والمدنيات لتبدأ حياة فكريه جديدة، على أساس المساواة المطلقة، وبروح من المنافسة الحرة"٧.
_________________
(١) ١ انظر: آراء بعض الغربيين: "نيبور"، "ميور"، "وسيديو"_ تاريخ العرب العام ١٣٣. ٢ سورة يونس الآية: ٩٩. ٣ سورة البقرة الآية: ٢٥٦. ٤ سورة العنكبوت الآية: ٤٦. ٥ أنور الجندي - الإسلام وحركة التاريخ ٨٣. ٦ غوستاف لوبون - حضارة العرب ١٦٢، ١٦٩_ ١٧٠. ٧ روزنتال_ علم التاريخ عند المسلمين ٤٦.
[ ٩٧ ]
والواقع أن أعمال الفاتحين المسلمين لا تدع مجالًا للشك في أن المسلمين لم يُكرهوا أحدًا على اعتناق الإسلام، بل سارع الناس لاعتناقه لما لمسوه من نعمة الإسلام، ولما لمسوه في الفاتحين. ووصيّة محمد ﷺ لجيش مؤتة معروفة١، وعلى نمطها أوصى أبو بكر ﵁ جند المسلمين، وبيّن لهم كيفية معاملة أهل البلاد المفتوحة٢. وأمر خالد بن الوليد أن يتألف أهل فارس ومن كان في ملكهم٣. فترك المسلمون لأهل الذمة حريتهم الدينية، وخلّصوهم من اضطهاد بعضهم لبعض.
وأقرأ ما كتبه "ساويرس بن المقفع" النصراني الأرثوذكسي المعاصر للفتوحات الإسلامية، وهو يتكلم عن عدل المسلمين، ويذكر غبطة غير المسلمين في ظل الحكم الإسلامي:
"وكانت أعمال الأرثوذكسية الصالحة تنمو، وكانت الشعوب فرحين، مثل العجول الصغار، إذا حُلّ رباطهم، وأطلقوا على ألبان أمهاتهم"٤.
واقرأ رسالة البطريق النسطوري "يشوع ياف" إلى "سمعان" رئيس أساقفة فارس، وقد راعه تسارع الناس إلى الدخول في الإسلام:
" أين أبناؤك أيها الأب، الذي ثكل أبناءه، أين أهل مرو العظماء، الذين على الرغم من أنهم لم يشهدوا سيفًا، ولا نارًا، ولا تعذيبًا
واحسرتاه، واحسرتاه على هذه الآلاف المؤلفة التي تحمل المسيحية، والتي لم يتقدم حتى واحد منها ليهب نشمه ضحية للرب، ويريق دماءه في سبيل الدين الحق ٥.
أين كذلك معابد كرمان، وبلاد فارس جميعًا
وإن العرب٦ الذين منحهم الله السلطان يشاهدون ما أنتم عليه، وهم بينكم كما تعلمون ذلك حق العلم، ومع ذلك فهم لا يحاربون العقيدة المسيحية، بل على العكس يعطفون على ديننا، ويكرمون قسيسينا، وقديس الرب، ويجودون بالفضل على الكنائس والأديار، فلماذا هجر شعبك من أهل مرو عقيدتهم من أجل هؤلاء العرب؟ ولماذا حدث
_________________
(١) ١ الواقدي - المغازي ٢/٧٥٧. ٢ ابن عساكر - تاريخ دمشق ١/٢٢٥_ ٢٢٦. ٣ الطبري - تاريخ ٣/٣٤٣. ٤ أثر أهل الكتاب - لكاتب هذا البحث ٤٢٧، ساويرس_ سير البطارقة ١١١. ٥ ويقصد به: النصرانية النسطورية/ وعن النسطورية انظر: الإسلام في مواجهة الحركات الفكرية_ لكاتب هذا البحث ٨١- ٨٣. ٦ ويقصد: المسلمين.
[ ٩٨ ]
ذلك أيضًا في وقت لم يرغمهم فيه العرب
- كما يصرح بذلك أهل سرو أنفسهم- على ترك دينهم؟ "١.
إن الذي جذب الناس للإسلام، هو الإسلام ذاته، لأنه فطرة الإنسان، فتتجاوب مع الفطر السليمة. قال تعالى:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
وهذا سر عظمة هذا الدين، وسر استجابة الناس لعقيدة التوحيد العقيدة التي لا لبس فيها ولا تعقيد، البعيدة عن الفلسفات الخيالية، وعن الغموض، والتناقض. فمن السهل إدراك عقيدته من جميع البشر على مختلف مستوياتهم، ويرتفع بالإنسان من هبوطه، ويسمو به، فيعز به من يعتنقه، ويحس بالكرامة، باعتدال وتوازن عام في مختلف جوانب الحياة، وفي كل البيئات البشرية، وفي كل زمان ومكان.،ولذلك لا نجد شعبًا اعتنق الإسلام وتراجع عنه باختياره، وقلّ بل ندر أن نجد عالمًا سقط علماء المسلمين ارتد عن الإسلام، في حين نجد كثيرًا من عظماء الأديان الأخرى ومفكريها اعتنق الإسلام، وآمن بعقيدته، وعمل على نشرها وتبليغها.
ورعية الدولة الإسلامية تشمل المسلم وغير المسلم، وكل له حقوق وعليه واجبات، وسمح الإسلام بتمايز العقائد في إطار هذه الحقوق، والواجبات، وأنقذ الناس من التعصب، والإرهاب الديني، وعاشوا في ظل دولة الإسلام بالأمن، فأقبلوا على اعتناقه، وجذبهم إليه القدوة عندما تمسك المسلمون بدينهم والعدل الذي نعموا به في ظل الدولة الإسلامية.
والعدل: أول قواعد الحكومة الإسلامية، وميزة النظام الإسلامي. ومفهومه في الدولة الإسلامية بصفة عامة: تنفيذ حكم الله، أي الحكم في الناس بما جاء به القرآن الكريم، وبسنة المصطفى ﵊.
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ ٣.
وقال ﷾:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ ٤
_________________
(١) ١ أثر أهل الكتاب - لكاتب هذا البحث ٤٣٥، ارنولد - الدعوة إلى الإسلام ١٠١_ ١٠٢. ٢ سورة الروم الآية: ٣٠. ٣ سورة النساء الآية: ٥٨ ٤ سورة النحل الآية: ٩٠.
[ ٩٩ ]
وقال جل وعلا:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ١.
وقال تعالى:
﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٢.
ولا نعلم حكومة في تاريخ العالم التزمت بالعدل بالقدر الذي ظهر في حكومة الإسلام، وخاصة في العهدين النبوي والراشدي، فنتج عن ذلك سرعة انتشار الإسلام وشيوعه بين الناس على مختلف أجناسهم وألوانهم وعاداتهم، ولغاتهم، وأوطانهم.
ولما دوّن عمر بن الخطاب ﵁ ديوان الجند والعطاء٣، شمل بالعطاء جميع رعايا الدولة الإسلامية من المسلمين (بدون تمييز في الجنس أو اللون) ومن احتاج من غير المسلمين. فكان لذلك أثر كبير في إقبال الناس على الإسلام.
وأجمل ما تميز به العدل في الدولة الإسلامية- العدل والقضاء. فكان الفصل في خصومات الناس يتم على أساس الأحكام الشرعية المتلقاة من الكتاب والسنة. ورسالة عمر ابن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعريَ في القضاء معروفة٤، وقد اتخذها القضاة المسلمون أساسًا لأنظمتهم القضائية.
وعينّ الخلفاء الراشدون قضاة للأمصار الإسلامية المفتوحة، مستقلين عن الأمراء وقادة الجند، ينوبون عنهم في الفصل بين الناس، على أساس من الكتاب والسنة والاجتهاد فيما لم يرد فيه نص.
وكان يراعي في اختيار القاضي، غزارة العلم، والتقوى، والورع، والعدل، فكان القضاة من خيار الناس، يخشون الله، ويحكمون بين الناس بالعدل، وكلمتهم نافذة على الولاة وعمال الخراج، بل على الخلفاء، واستمر ذلك في عهد الأمويين، وفي كثير من عهود دولة الإسلام. كما كان للقاضي رزق من بيت المال لما يلزمهم من الانقطاع لهذا العمل، وترك ما يرتزقون منه، ورزق القاضي كبير، ويُعطاه مقدمًا حتى لا ينظر بعد ذلك إلى شيء، وكثير من قضاة الإسلام كانوا يرفضون الرزق محتسبين.
_________________
(١) ١ سوره المائدة الآية: ٨. ٢ سورة الأنعام الآيةَ: ١٥٢. ٣ انظر: أبو يوسف - الخراج ٢٤٥ البلاذري - فتوح البلدان ٤٢٥_ ٤٤٧. ٤ وكيع - أخيار القضاة ٧١-٧٢، الماوردي - الأحكام السلطانية ٨٠.
[ ١٠٠ ]
وحفظ لنا التاريخ نزاهة هؤلاء القضاة، فلم يُعرف عنهم ميل إلى الدنيا واغترار بها يعدل بهم عن قول الحق، والحكم به، وكان في نظرهم سواء: الشريف والوضيع، والخليفة وأفراد الرعية، ولم يتأثروا بالفتن، وبقي القضاء نظيفًا كما هو من الاستمرار في العدل فكان عامل جذب كبير لرعايا الدولة الإسلامية إلى اعتناق الإسلام.
وقد اهتم الخلفاء بجميع أفراد الأمة من مسلمين وغير مسلمين، وقصة القبطي الذي ضربه ابن عمرو بن العاص مشهورة. وقصة العاشر والتّغلبي النصراني مع عمر بن الخطاب١، واليهودي المتسوّل٢ الذي فرض له ولأمثاله من بيت مال المسلمين. وقصة جبلة بن الأيهم الغساني مع الأعرابي الفزاري٣، وقصص جلوس الخلفاء أنفسهم للقضاء أمام خصومهم، كل ذلك مكن للدعوة الإسلامية من التثبيت، والامتداد، والانتشار.
وجلس الخلفاء أنفسهم أمام رعاياهم من أهل الذمة للقضاء، وقضية الخليفة علي بن أبي طالب ﵁ مع الرجل النصراني دليل على ذلك:
"وجد علي بن أبي طالب درعه عند رجل نصراني، فأقبل به إلى شريح٤ قاضيه، وقال له:
"الدرع درعي، ولم أبع، ولم أهب".
فقال شريح للنصراني: "ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين"؟.
فقال النصراني: "ما الدرع إلا درعي، وما أمير المؤمنين عندي بكاذب".
فالتفت شريح إلى علي. فقال:
"يا أمير المؤمنين هل من بينة " فضحك علي.
وقال: "أصاب شريح مالي بينة".
فقضى شريح للنصراني. فأخذ النصراني الدرع، ومشى خطوات، ثم رجع وقال:
"أما أنا فأشهد أن هذه أحكام الأنبياء، أمير المؤمنين يدنيني إلى قاضيه يقضي عليه. أشهد أن لا اله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين".
_________________
(١) ١ يحي بن آدم- الخراج ٦٤. ٢ أبو يوسف- الخراج ١٢٦- الطماوي- عمر بن الخطاب وأصول السياسة والإدارة الحديثة ٩٨. ٣ الطبري ٥/.٢٤، الكامل في التاريخ ٤/ ٥ ١٠، ابن كثير- البداية٨/ ٢١٧. ٤ شريح الكندي من أولاد الفرس الذين كانوا باليمن، ولاه عمر بن الخطاب ﵁ قضاء الكوفة، وأقام قاضيًا ستين سنة، وقضى بالبصرة سنة، فكان يقال له "قاضي المِصرَين"، وقيل أنه استعفى من القضاء قبل موته بسنة. وتوفي سنة ٧٨هـ أو سنة ٨٠هـ. [انظر: الذهبي - سير ٤/١٠١، ابن كثير_ البداية ٩/٢٥، الخطيب البغدادي ٥/٩٦] وكيع - أخيار القضاة ٢/١٨٩_ ٤٠٩ حيث استوفى أخباره.
[ ١٠١ ]
فقال: "أما إذا أسلمت فهي لك" وحمله على فرسه١
وهكذا كان القضاء عامل جذب كبير الإسلام.
كما كانت صلاة الجماعة في المسجد عامل جذب قوي أيضًا، تلك العبادة التي تتجلى فيها روعة المساواة بين البشر جميعًا بأعلى صورها في إلغاء الفوارق.
ففي الجمعة والجماعة تأخذ المساواة صورتها العملية، وتزول كل الفوارق التي تميّز بين الناس، فمن ذهب إلِى المسجد أولًا آخذ مكانه في مقدمة الصفوف، وإن كان أقل الناس مالًا، وأضعفهم جاهًا، ومن تأخر حضوره أخذ مكانه مهما يكن مركزه، وتجد الغني يجانب الفقير، والعالم يجانب الأمي، والشريف بجانب الوضيع، والحاكم بجوار الخادم، ولا فرق بين واحد وآخر، فكلهم سواسية أمام الله سبحانه، في قيامهم، وركوعهم، وسجودهم، قبلتهم واحدة، وكتابهم واحد، وحركاتهم واحدة خلف إمام واحد، ترتبط قلوبهم بخالقهم، لا تفاضل بينهم إلا بالتقوى.
وهذه المساواة التي تظهر عمليًا، وتتكرر في اليوم الواحد مرات، جذبت سكان البلاد المفتوحة للإسلام، فانتشر بينهم، وأصبح لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم.
وهكذا كان المسجد وسيلة من وسائل الدعوة الهامة، فكان ركيزة هامة من ركائز بناء المجتمع الإسلامي، وقد ضرب الرسول ﷺ المثل للمسلمين في بناء المساجد والاهتمام بها، فبنى مسجد قباء، ثم المسجد النبويَ، وبنى المساجد في الأسفار الطويلة في الطرقات والمنازل، وفي أثناء الغزو، وأثناء الحصار٢. واهتم الراشدون بذلك وكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى ولاة الأقاليم في العراق ومصر باتخاذ مسجدًا للجماعة، وللقبائل مسجدًا، فإذا كان يوم الجمعة انضموا إلى مسجد الجمعة فشهدوا الجمعة. وأما في الشام فأمرهم أن يتخذوا في كل مدينة مسجدًا واحدًا، ولا يتخذوا للقبائل.
وفي تخطيط المدن الإسلامية حرص المسلمون على إنشاء المساجد في المدن التي مصرّها المسلمون الكوفة، والبصرة، والموصل، والفسطاط، وكانت تقام في هذه الأمصار حياة إسلامية تحس بها الشعوب التي أطلتها راية الإسلام، وتلمسها كنماذج كاملة للمجتمع المسلم يتوسطها المسجد. فكانت الأمصار والأجناد من عوامل بث الدعوة، وانتشارها٣ وبهذا يتضح لنا أثر الفتوحات الإسلامية في انتشار الإسلام.
_________________
(١) ١ ابن كثير - البداية والنهاية ٨/٥، ابن الأثير_ الكامل في التاريخ ٣/٢٠١. ٢ انظر: البخاري ١/١٣٠، وقد ذكر بعض المساجد والمواقع الني صلّى فيها رسول الله ﷺ. ٣ عن الأمصار والأجناد ودورها بالتفصيل: انظر_ تاريخ الدعوة_ للمؤلف ٣٣٢_٣٤٣.
[ ١٠٢ ]