اتّسمَ الإسلام بالطابع العلمي منذ نزول أول آية على رسول الله ﷺ في غار حراء ﴿اقْرَأ﴾ فهي دعوة آمرة إلى الثقافة، إلى العلم، إلى التفكير، إلى البحث المستفيض في ملكوت الله، في السماء والأرض، في الجبال، في كل ما خلق الله تعالى من كائنات صغرت أم كبرت٢. دعوة ذات نظرة كلية شاملة إلى الكون، والإنسان، والحياة، وما قبل الحياة وما بعدها.
وتتابعت بعدها الآيات المحكمات، يلقيها جبريل ﵇ على قلب محمد ﷺ، يتنزل بها من لدن حكيم خبير، من خالق السماوات والأرض، فيعيها محمد ﷺ وعيًا كاملا، ويبلغها بأمانة وقوة، وإخلاص. والآيات تبين- والدعوة لم تزل في مكة لم تخرج عن نطاقها- أن الدعوة عالمية، ليست محدودة بشعب من الشعوب، ولا مكان دون مكان، ولا بزمان دون زمان، دعوة للبشر عامة، ولعموم الأزمنة والأمكنة، حيث أن محمدًا- هو خاتم الأنبياء والمرسلين، وبه تم الإسلام، وتأكد ذلك حين صلى بالأنبياء إمامًا في صلاة جامعة ببيت المقدس ليلة إسرائه، وتأكدت بذلك وحدة الرسالات، وببعثة رسول الله ﷺ تم بناء الإسلام.
ومن الآيات المكية التي أكدت على عالمية الدعوة:
قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ ٣.
وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ٤.
_________________
(١) ٢ انظر: عبد الحليم محمود_ القرآن والنبي ١٧٩. ٣ سورة ص الآية: ٨٧. ٤ سورة يس الآيتان: ٦٩،٧٠.
[ ٧٤ ]
وقوله سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ١.
وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ٢.
وقوله جلّ وعلا: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ٣.
وكانت المدينة المنورة هي أول فتح إسلامي مجيد، فتحت قلبها بالدعوة، وشرفت بهذا الاسم- المدينة٤. واختصت به. فاستقبله المهاجرين، ونصرت رسول الله ﷺ، واحتضنت الدعوة، وأضحت نقطة ارتكاز، انطلقت منها الدعوة بعد أن تكونت فيها أول حكومة إسلامية، برئاسة محمد ﷺ، وأسلمت له قيادها، فطبق أحكام الإسلام في الداخل، وقامت فيها حياة إسلامية كاملة، وحملت الدعوة إلى خارجها بالجهاد في سبيل الله.
وقد بُنِيَت الدولة الإسلامية على أساس العقيدة الإسلامية، وعلى أساس الآيات التي استمرت تتنزل منجمة عام الرسول الأمين ﷺ، إلى أن تم هذا الدين في السنة العاشرة من هجرة المصطفى ﷺ في قوله ﷾:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ ٥.
وتخطت دولة الإسلام منذ قيامها الحدود الأرضية، والحواجز الجنسية، والعرقية، واللونية، وترفعت على جميع الروابط الأرضية، وجعلت أساس التفاضل التقوى، استجابة لقوله ﷾:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٦.
وقد أكد رسول الله ﷺ هذا المبدأ الرائع في حجة الوداع حتى تهتديَ أمته بهديه
فقال:
" إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، وليسر لعربي فضل على عجمي، ولا لأبيض على أسود فضل إلا بالتقوى" ٧.
_________________
(١) ١ سورة الفرقان الآية: ١. ٢ سورة سبأ الآية: ٢٨. ٣ سورة الأعراف الآية: ١٥٨. ٤ انظر: ابن منظور_ لسان العرب ١٣/٤٠٢. ٥ سورة المائدة الآية: ٣. انظر: ابن كثير_ البداية والنهاية ٥/١٧٧. ٦ سورة الحجرات الآية: ١٣. ٧ انظر: جميل المصري_ تاريخ الدعوة ٢٢٩.
[ ٧٥ ]