وهذا من العوامل الهامة في إقبال الناس على اعتناق الإسلام، فاشتغل من بقي على دينه من أهل الذمة مطمئنًا بالمهن، في ظل الحكم الإسلامي، فكادوا يحتكرون المهِن لانشغال المسلمين بالجهاد، وشئون الحكم، ورعاية شئون الناس. فاحترف اليهود مثلًا: الصياغة، ونسج الحرير، وصناعة الزجاج، وأدوات السفن. ونفذ النصارى إلى الوظائف الكتابية الإدارية في الدولة الإسلامية في الدواوين٥. وتركت لهم حرية تنظيم جماعاتهم.
وأقرّ المسلمون الناس في بلادهم، كما فعل خالد بن الوليد في العراق، إذ أقرّ الفلاحين، وأصبحت أرضهم لهم، بعد أن كانوا أقنانًا عند الدهاقين (ملاك الأراضي من
_________________
(١) ٥ القلقشندي - صبح الأعشى ٢/١٤٦، ترتون_ أهل الذمة ٢٤.
[ ٩٢ ]
الفرس) ١، وكما فعل سعد بن أبي وقاص ﵁ بفلاحي "بهرسير" بعد أن دعاهم إلى الإسلام فأبوا، فأقرهم على الجزية٢.
وألغى الإسلام الامتيازات الطبقية، تلك التي كانت تتمتعِ بها طوائف خاصة في البلاد المفتوحة، أيام الفرس والرومان، وأصبحت الأرض ملكًا عاما للأمة، ونظمت ضريبة الأرض الخراجية على أسس عادلة، مقدرة على كل وحدة مساحة.
وأصبحت جزية الرؤوس عينية على كل فرد.
وهذه الضرائب الخراج والجزية كانت بسيطة وتُجبى من أجل تحقيق المصالح العامة للأمة٣. مراعية مبدأ طاقة الناس ومقدار تحملهم.
وقد أعفى الناس من ضرائب المنازل، وأراضي المدن، والضرائب على المهن، والتجارة، وعلى الماشية. وأعفوا مما كان يؤخذ على الغلال لأغراض الكنائس، ومما كان يفرض على الأرض لمختلف الأغراض، كتطهير القنوات، والرسوم على النقل داخل البلاد، وغير ذلك. وأعفوا في بلاد فارس مما كان يطلبه رجال الدين المجوس من ضرائب أو تبرعات وما كان يُفرض عليهم في أوقات الحرب.
وبفضل الحكم الإسلامي ساد في الأقطار المفتوحة السلام، والأمن، فعمل الناس في النواحي التي كفلت لهم الرخاء، وحققوا تقدمًا في مختلف النواحي العمرانية. واهتم ولاة المسلمين بالزراعة فحفروا الآبار، والأنهار بناحية البصرة، وكسكر، وأحيوا موات الأرض، وأكثروا سن تربية الماشية، واهتموا بإعمار البلاد٤.
وبالحكم الإسلامي تخلص أهل البلاد المفتوحة من أعظم بلاء كانوا يعانونه- وهو الاضطهاد الديني٥، الذي ساد في عهد دولتي فارس والروم، وتركت لهم حرية الاعتقاد٦. وأعفوا من الاشتراك في الحروب الداخلية والخارجية.
_________________
(١) ١ الطبري ٣/٣٥٠، ٣٥٢. ٢ الطبري ٤/١٦٨، ابن كثير_ البداية والنهاية ٧/٧٠. ٣ انظر: عن مصارف بيت مال المسلمين في كتابه: تاريخ الدعوة_ لكاتب هذا البحث ٣٣٠ وانظر "ارنولد": الدعوة إلى الإسلام ٥٧. ٤ انظر: أمثلة: البلاذري_ فتوح البلدان ٣٤٦_ ٣٦٥، خليفة بن خياط_ تاريخ ١٦٦. ٥ انظر: أمثلة لهذا الاضطهاد: "بتلر"_ فتح العرب لمصر_ الفصل الثالث عشر ١٤٩، ١٦٢، ١٦٣، ١٦٦، و"أرنولد"_ الدعوة إلى الإسلام ٥٣. ٦ انظر: عهد عمر بن الخطاب ﵁ إلى إيلبار (بيت المقدس) النصارى الطبري_ تاريخ ٣/٦٩، مجير الدين_ الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل ١/٢٥٣.
[ ٩٣ ]
هذه المعاملة الحسنة كانت تنفيذًا لأمر الدين، واتباعًا لسنة النبي ﷺ- ففي الوقت الذي كان رسول الله ﷺ يهاجم عقائد اليهود والنصارى بسبب اتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا ًمن دون الله، يحرمون ويحلّون١ - كان النبي ﷺ يوصي بهما خيرًا، ويزورهم، ويكرمهم، ويحسن إليهم، ويعود مرضاهم، ويأخذ منهم ويعطيهم، فاستقبل وفد نجران في مسجده وبحضرة المسلمين٢. وأجرى الصدقة على أهل بيت من اليهود٣، ورهن درعه عند أبي الشحن اليهودي٤، وكان بوسعه أن يقترض من أصحابه، ولكَنه أراد أن يعلم أمته، ووقف لجنازة يهودي مرت به٥. وكل هذه من وسائل الدعوة التي تستهوي القلوب.
وقد سار خلفاؤه (ﷺ) على نهجه، وعلى هديه، فهذا عمر بن الخطاب ﵁ يوصي سعد بن أبي وقاص ﵁ ويأمره بالترفق في جيش المسلمين، ولا ينس أثناء ذلك أن يوصي بأهل الذمة قائلا:
"ترفق بالمسلمين في سيرهم، ولا تجشّمهم عسيرًا يتعبهم، ولا تقصر بهم عن منزل يرفق بهم، حتى يبلغوا عدوهم، والسفر لم ينقص من قوتهم، فإنهم سائرون إلى عدو مقيم، حامي الأنفس والكراع. وأقم بمن معك في كل جمعة يوما ًوليلة، حتى تكون لهم راحة، يحيون بها أنفسهم، ويربون أسلحتهم، وأمتعتهم، ونحّ منازلهم عن قرى أهل الصلح والذمة، فلا يدخلها من أصحابك إلا من تثق به، ولا يرزأ أحدًا من أهلها شيء، فإن لهم حرمة وذمة، ابتليتم بالوفاء بها، كما ابتلوا بالصبر عليها، فما صبروا لكم، فتولوهم خيرًا، ولا تنتصر على أهل الحرب بظلم أهل الصلح "٦.
ولما طعن أحد أهل الذمة (وهو فيروز الديلمي- أبو لؤلؤة المجوسي النصراني) عمر بن الخطاب ﵁ بالتآمر مع اليهود والنصارى٧، قال وهو في النزع الأخير:
"أوصي الخليفة من بعدي بأهل الذمة خيرًا، أن يوفي بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وألا يكلفهم فوق طاقتهم"٨.
_________________
(١) ١ قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ التوبة ٣١. ٢ ابن هشام - السيرة ٢/٢٠٦. ٣ أبو عبيد - الأموال ٦١٣. ٤ الشافعي - الأم ٣/١٥٣. ٥ كشف الغمة ٢/٢١٥. ٦ ابن عبد ربه_ العقد الفريد ١/١١٧_ ١١٨. ٧ انظر: تفصيل المؤامرة في أثر أهل الكتاب_ لكاتب هذا البحث ٢٢٤_ ٢٥٠. ٨ أبو يوسف - الخراج ١٣٦، يحي بن آدم_ الخراج ٧١، سنن البيهقي ٩/٢٠٦.
[ ٩٤ ]
وهذا كله طاعة لأمر الله سبحانه، فالذمي جار المسلم يواليه، ولا ينقص من حقه شيئًا، ولا يتدخل في شئونه التي له بها عهد، وله العدل، ظلمه حرام، واضطهاده حرام، وحرمانه من حقه حرام، له دينه، وللمسلم دينه، وعلى المسلم أن ينصره، ويمنعه، ويمنعه اضطهاده، بل وصل الإسلام إلى حدّ أنه أمر المسلم بأن يعمل على توفير الأمن للمشرك الخائف وحمايته، وإيصاله إلى مأمنه. قال تعالى:
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ ١.
وأوجب نصرة المعاهدين، ولم يوجب نصرة المسلم الذي ليس بينه وبين المسلمين ميثاق، قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاق﴾ ٢.
وقد طبق المسلمون أحكام دينهم، فعاملوا أهل الذمة بما يوجبه الإسلام في معظم عهودهم، ولم يضيقوا عليهم حتى فيما يعتقده المسلمون حرامًا، فسمحوا للنصارى بالخمر، والخنزير. قال الشافعي ﵀:
"وعلينا أن نمنع أهل الذمة، إذا كانوا معنا في الدار، وأموالهم، التي يحل لهم أن يتمولوها مما نمنع منه أنفسنا، وأموالنا، من عدوهم إن أرادوهم، أو ظلم ظالم لهم، وأن نستنقذهم من عدوهم لو أصابهم، وأموِالهم التي يحل لهم، فإذا قدرنا استنقذناهم، وما حل لهم ملكه، ولم نأخذ لهم خمرًا ولا خنزيرا"٣.
وقد ألَزم الإسلام أهل الذمة بواجبات مقابل هذه الحقوق، وتتلخص في: ترك ما فيه ضرر على المسلمين في مال أو نفس، وهي ثمانية أشياء.
عدم الاجتماع على قتال المسلمين، وأن لا يزني أحدهم بمسلمة، ولا يصيبها باسم النكاح، ولا يفتن مسلم عن دينه، ولا يقطع عليه الطريق، ولا يؤوي للمشركين عينًا (أي جاسوسًا)، ولا يعاون على المسلمين بدلالة (أي يدل على عورة المسلمين بإخبارهم عدوهم بها)، ولا يقتل مسلمًا، ولا مسلمة.
_________________
(١) ١ سورة التوبة الآية: ٦. ٢ سورة الأنفال الآية:٧٢. ٣ الأم ٤/٢٢٠.
[ ٩٥ ]
ويلزم الذمي بترك ما فيه غضاضة، ونقض على الإسلام، وهي ثلاثة أشياء:
ذكر الله تعالى وكتابه، ودينه بما لا ينبغي. فهذه الأَشياء يُلزم الذمي بتركها١.
ويلزم الذمي بأداء الجزية: وهي في أبسط مفاهيمها في الإِسلام ضريبة على الذمي من رعايا الدولة الإسلامية، مقابل حمايته، ومقابل فريضة الجهاد المفروضة على المسلم.
قال خالد بن الوليد عَندما صالح أهل الحيرة:
"إني عاهدت على الجزية والمنعة فإن منعناكم فلنا الجزية، وإلا فلا"٢
وتسقط الجزية إذا عجز المسلمون عن حماية أهل ذمتهم، كما حصل عندما أعاد المسلمون جزية أهل حمص بعد أن أخذوها، عند انسحابهم (كل سبق) ٣.
وتسقط عن الذمي إذا قام بواجب الدفاع عن دار الإِسلام٤ كالذي صنعه عتبة بن فرقد مع أهل أذربيجان فكان:
(عليهم أن يؤدوا الجزية قدر طاقتهم، إلا من حشر منهم في سنة، فيوضع عنه جزاء تلك السنة) ٥.
ويُعفى منها من لا يستطيع القتال كالمرأة، والصبي، والشيخ الكبير، والرهبان، ومن يؤدي خدمة المسلمين٦.
وكانت أموال الجزية والخراج تُنفق محليًا في كل ولاية لأغراض المشروعات العامة، ولم تكن تسدّد للدولة أحيانًا، بعلم المسئولين.
كل ذلك مكّن لدعوة الإسلام من أن تدخل قلوب أهل البلاد المفتوحة.
_________________
(١) ١ الشافعي - الأم ٤/١١٨، الماوردي_ الأحكام السلطانية ١٤٠. ٢ الطبري - تاريخ ٤/١٦. ٣ البلاذري - فتوح البلدان ١٤٣، ابن عساكر_ تاريخ دمشق ١/٢٥١. ٤ انظر: محمد ضياء الدين الريس_ الخراج ١٧٤. ٥ الطبري_ تاريخ ٥/٢٥٠. ٦ انظر: ابن القيم الجوزية_ أحكام أهل الذمة ١/٩٩.
[ ٩٦ ]