فيها عزل الأمير عبد الله، وولى قرّة بن شريك العبسى، فى أيام الوليد بن عبد الملك؛ وقد عزل الوليد أخاه (^١) عبد الله، وولّى قرّة؛ وكان قرّة ظالما غشوما جهولا، قيل كان يصعد بالخمر والملاهى على سطح جامع عمرو بن العاص؛ وقد قال فيه القائل:
عجب ما عجبت كيف دهانا … وتولّى بمصر قرّة بن شريك
وعزلت الفتى المبارك عنا … ثم خيلت فيه رأى أبيك
فأقام قرّة على ولايته بمصر نحو ست سنين، ومات ودفن بمصر.
ثم تولّى بعده عبد الملك بن رفاعة الفهمى؛ فلما تولّى على مصر نظر فى مصالح قرى مصر، وخرج بنفسه وطاف البلاد، قبلى وبحرى، فأحصى من القرى نحو عشرة آلاف قرية، فى كل قرية خمسمائة من الرجال الأقباط، الذين تفرض عليهم الجزية؛
_________________
(١) أخاه: أخوه.
[ 1 أ / ١٢٥ ]
فكان مدّة غيبته فى هذه السرحة ستة أشهر، حتى رجع إلى الفسطاط.
وفى أيامه توفّى سليم بن النجيبى، من التابعين. - وتوفّى عبد الله بن زرير الغافقى المصرى؛ قال العجلى: «تابعى ثقة».
وتوفّى زياد بن ربيعة بن نعيم الحضرمى المصرى، قال العجلى: «تابعى ثقة»، مات سنة ست وتسعين. - وفيها توفّى كثير بن قليب الصدفى المصرى الأعرج، تابعى، شهد فتح مصر.
واستمرّ عبد الملك بن رفاعة فى ولايته على مصر، إلى سنة تسع وتسعين، ثم عزل، فكانت مدّة ولايته على مصر نحو أربع سنين؛ وعبد الملك بن رفاعة تولّى على مصر مرتين.
ثم تولّى بعده الأمير أيوب بن شرحبيل الأصبحى، أقام إلى سنة إحدى ومائة.
وفى هذه السنة توفّى تميم بن إياس البكير الليثى، شهد فتح مصر، وكان من مشاهير الصحابة، مات بالإسكندرية فى تلك السنة. - وفى سنة مائة توفّى إسحق ابن الفران أبو نعيم النجيبى، قاضى مصر.
ثم إنّ الأمير أيوب أقام على ولايته بمصر نحو سنة، وعزل عنها، وكانت ولايته فى خلافة عمر بن عبد العزيز، ﵁.
ثم تولّى بعده الأمير بشر بن صفوان الكلبى، فأقام على ولايته بمصر إلى سنة ثلاث ومائة؛ وقيل تولّى على مصر ثلاث مرّات، وآخر ولايته سنة ثمان وعشرين ومائة، فى خلافة مروان الحمار.
وفى أيام بشر بن صفوان، توفّى الأعرج، من حفّاظ الحديث، مات بالإسكندرية، سنة سبع عشرة ومائة.
وفى أيامه توفّى صالح بن حيوان المصرى، تابعى ثقة، مات سنة مائة. - وتوفّى العقبى (^١)، تابعى ثقة، مات بأفريقية سنة مائة أيضا.
وتوفّى عبد الرحمن بن خبير المصرى، تابعى ثقة. - وتوفّى عبيد بن ثمامة المرادى
_________________
(١) العقبى: العبقى.
[ 1 أ / ١٢٦ ]
المصرى، تابعى ثقة، شهد فتح مصر، ومات سنة خمس ومائة.
وتوفّى عمرو بن مالك الهمذانى المصرى، تابعى، شهد فتح مصر. - وتوفّى قيصر النجيبى المصرى، تابعى ثقة.
واستمرّ الأمير بشر بن صفوان على ولايته بمصر حتى عزل.
ثم تولّى بعده أخوه حنظلة بن صفوان. - وفى أيامه نقلت قبائل بنى قيس إلى مصر، ولم يكن قبل ذلك بمصر من بنى قيس أحد. - وأقام حنظلة على ولايته بمصر إلى سنة خمس ومائة.
ثم تولّى بعده الأمير محمد بن عبد الملك، أخو هشام، فأقام على ولايته بمصر نحو سبعة أشهر وخمسة أيام، ثم عزل عنها.
ثم تولّى بعده الحرّ بن يوسف، فلم تطل أيامه بها، وعزل عنها.
ثم تولّى بعده الأمير حفص بن الوليد العامرى، فأقام إلى آخر سنة ثمان ومائة، وعزل عنها.
ثم أعيد عبد الملك بن رفاعة ثانيا، ثم صرف فى سنته.
ثم تولّى بعده أخوه الوليد، فأقام بها إلى أن توفّى سنة تسع عشرة ومائة. - وفى أيامه توفّى ثمامة الهمذانى، تابعى ثقة، مات سنة عشرين ومائة.
وفيها توفّى أبو محجن، قاضى مصر، قد جمع بين القضاء والقصّ. - وتوفّى ربيعة ابن سيف المعافرى، تابعى، مات سنة عشرين ومائة. - وسليم بن جبير المصرى، تابعى، مات سنة ثلاث وعشرين ومائة. - والحارث بن يعقوب الأنصارى المصرى، تابعى، مات بأفريقية سنة اثنتين (^١) وعشرين ومائة.
ومات على بن رياح اللخمى المصرى، كان من علماء زمانه، مات سنة أربع عشرة ومائة. - ومات أبو عبد الله مكحول، أحد الأئمة، ولد بمصر، ثم رحل إلى الشام، مات سنة اثنتى عشرة ومائة.
وتوفّى الحكم بن عبد الله البلوى المصرى، تابعى ثقة، مات سنة ثمان عشرة
_________________
(١) اثنتين: اثنين.
[ 1 أ / ١٢٧ ]
ومائة. - وفيها توفّى حكيم بن عبد الله بن قيس المصرى، تابعى.
وتوفّى دراج بن سمعان أبو السمح المصرى، مولى عبد الله بن عمرو بن العاص، تابعى، مات سنة ست وعشرين ومائة. - وتوفّى حجاج بن سداد الصنعانى المصرى، تابعى، مات سنة تسع وعشرين ومائة.
وفيها توفّى صالح بن قليب بن حرمل الحضرمى، من الطبقة الثانية، مات سنة تسع وعشرين ومائة. - وعبد الله بن هبيرة السبئى الحضرمى، مات سنة ست وعشرين ومائة. - وفيها توفّى عثمان بن نعيم الرعينى المصرى، تابعى.
ثم تولّى بعده الأمير عبد الرحمن بن خالد الفهمى، فأقام بها نحو سبعة أشهر، وصرف عنها.
وأعيد حنظلة بن صفوان، ثم صرف.
وأعيد حفص بن الوليد، ثم صرف.
وتولّى الأمير حسان بن عتاهية النجيبى، ثم صرف عنها. - وفى أيامه توفّى عبد الكريم بن الحارث الحضرمى المصرى، كان من التابعين. - وتوفّى عمران بن أبى أنس العامرى المصرى، تابعى.
وتوفّى مشرح بن هامان المعافرى. - وتوفّى موسى بن وردان المصرى، تابعى.
وفى سنة ست وتسعين من الهجرة، توفّى القاضى قاسم بن أبى بكر، قاضى مصر، وكان على مذهب أبى حنيفة؛ وتولّى بعده القاضى لهيعة بن عيسى الحضرمى، واستمرّ حتى توفّى سنة أربع ومائة (^١)، ودفن بمصر؛ وتولّى القاضى أبو طاهر الأعرج، أقام مدّة يسيرة، واستعفى، فعفى من القضاء، سنة أربع وسبعين ومائة (^٢).
ثم تولّى بعده الأمير حوثرة بن سهل الباهلى، وكان رجلا حليما، قليل الغضب؛
_________________
(١) ومائة: ومائتين.
(٢) وفى سنة ست وتسعين … أربع وسبعين ومائة: كتبت هذه الفقرة فى الأصل على هامش ص (٦٣ ب).
[ 1 أ / ١٢٨ ]
قيل إنّ رجلا من العرب دخل إليه، وهو يريد الدخول إلى داره، فحدّثه فى حاجة له، فوضع الأعرابى نعل سيفه على رجل الأمير حوثرة، وطال معه الحديث، وجعل يغوص بالسيف فى رجله حتى أدماها، وهو صابر حتى فرغ الأعرابى من كلامه، وخرج.
فطلب حوثرة خرقة ومسح بها الدم عن رجله، فقيل له: «لم لا أمرته أن ينحّ سيفه عن رجلك أيها الأمير»؟ قال: «خشيت أن أقطع عليه كلامه، وهو فى حاجته».
وأين هذا الحلم من تكبّر أهل زماننا هذا، ولا سيما ملوك الجراكسة وأمرائها، فلو وقع لهم مثل ذلك، لشنقوا الأعرابى، أو ضربوه بالمقارع، وقال القائل:
فرضت على زكاة ما ملكت يدى … وزكاة جاهى أن أعين وأشفعا
فإذا ملكت فجد وإن لم تستطع … فاجهد بوسعك كله أن تنفعا
وفى أيامه توفّى الحرث بن يزيد الحضرمى المصرى، تابعى من الطبقة الثانية؛ قال الليث بن سعد: «كان يصلّى كل يوم وليلة ستمائة ركعة»؛ مات ببرقة سنة ثلاثين ومائة، وعاش نحو مائة سنة.
وتوفّى فى تلك السنة كعب بن علقمة بن كعب التنوخى المصرى، تابعى.
وفى سنة إحدى وثلاثين ومائة، توفّى عبد الرحيم بن ميمون المدنى نزيل مصر، تابعى. - وتوفّى عبيد الله بن المغيرة السبئى، تابعى، توفّى سنة اثنتين وثلاثين ومائة.
واستمرّ الأمير حوثرة على ولايته بمصر، حتى عزل.
ثم تولّى بعده الأمير عبد الحميد بن المغيرة بن عبيد الفزارى، تولّى على مصر سنة إحدى وثلاثين ومائة.
قال ابن وصيف شاه: وقع الغلاء بمصر فى زمن الأمير عبد الحميد، فرهن حلىّ نسائه عند التجّار، واشترى قمحا، وفرّقه على الفقراء بمصر، فلما عزل عقيب ذلك عن مصر، جاء إليه التجّار بسبب الرهن، الذى اشترى به قمحا وفرّقه، فباع تلك
[ 1 أ / ١٢٩ ]
الحلىّ بأبخس الأثمان، حتى دفع للتجّار ما كان اقترضه منهم، وكان القرض نحو عشرة آلاف دينار، ثم رحل عن مصر والناس داعية له، وخلف له الثناء الجميل، فكان كما قيل فى المعنى:
كل الأمور تزول عنك وتنقضى … إلا الثناء فإنّه لك باق
ولو أنّنى خيّرت كل فضيلة … ما اخترت غير مكارم الأخلاق
ثم تولّى بعده الأمير عبيد الله بن مروان الحمار، وهو آخر من تولّى بمصر من الأمراء الأموية، وبه زالت دولتهم؛ وكانت ولايته سنة اثنتين (^١) وثلاثين ومائة، فأقام بها نحو سنة.
فلما قويت شوكة العباسية على الأموية، وانكسر الأمير مروان الحمار، وهرب وتوجّه إلى مصر، وولى الخلافة عبد الله السفاح، وهو أول خلفاء بنى العبّاس.
فلما تولّى عبد الله السفاح، أرسل عبد الله بن على بن عبد الله بن عبّاس، ﵄، فى طلب مروان الحمار، فدخل مصر سنة ثلاث وثلاثين ومائة، فأقام بها لضبط أمورها، وأنشأ بها جامعا شمالى مدينة الفسطاط، وسمّاه جامع العسكر - وفى أيامه توفّى أبيض، وكان من مشاهير الصحابة، وقيل توفّى قبل ذلك.
ثم بلغه أنّ مروان الحمار توجّه إلى نحو الصعيد، فتبعه عبد الله بن على، بمن معه من العساكر، حتى ظفر به فى قرية من قرى الصعيد يقال لها: «بوصير»، فقطع رأسه هناك، وأخذ ما كان معه من الأموال والتحف، ودفن جثّته هناك فى بعض الشطوط من البحر، بغير غسل ولا تكفين.
وكانت قتلة مروان الحمار أواخر سنة اثنتين (^١) وثلاثين ومائة، وهو آخر خلفاء بنى أمية، وبه انقرضت دولتهم.
قال الصولى: لما قطعت رأس مروان الحمار، تركها عبد الله بن علىّ، على صفّة، وتغافل عنها ساعة، فجاءت الهرّة أكلت لسانه، وجعلت تمضغه بفيها، فقال عبد الله ابن على: «لو لم يرينا الدهر من عجائبه إلا لسان مروان الحمار، وهو فى فم الهرّة
_________________
(١) اثنتين: اثنين.
[ 1 أ / ١٣٠ ]
تمضنه، وكفى بذلك موعظة»، وقال القائل:
وما أبقت لك الأيام عذرا … وبالأيام يتعظ اللبيب
قال ابن وصيف شاه: لما بلغ الأمير عبيد الله بن مروان، أنّ أباه مروان قد انكسر وهرب، قام إلى خزائن المال وأخذ منها عشرة آلاف دينار، وأخذ شيئا من التحف والقماش والفرش، وحمل ذلك على اثنى عشر بغلا، وأخذ معه جماعة من عبيده، وشدّ على وسطه خريطة فيها جواهر فاخرة، وخرج من مصر هاربا على وجهه، فتوجّه إلى بلاد النوبة.
فلما وصل إلى هناك، وجد مدائن خرابا، وبها قصور محكمة البناء، فنزل فى بعض تلك القصور، وأمر عبيده بكنسها، فكنست وفرشت من تلك الفرش التى معه، ثم قال لبعض عبيده ممن كان يثق بعقله: «امض (^١) إلى ملك النوبة، وخذ لى منه أمانا على نفسى من القتل».
فخرج الغلام، وتوجّه إلى ملك النوبة، فغاب ساعة، ثم عاد ومعه قاصد من عند ملك النوبة، فلما دخل عليه، قال له: «إنّ الملك يقرأ عليك السّلام، ويقول لك، أجئت إليه محاربا أم مستجيرا»؟ فقال له الأمير عبيد الله: «ردّ عليه منى السّلام، وقل له قد جاء إليك ليستجير بك من عدوّ يريد قتله».
فمضى ذلك الرسول بالجواب، فغاب ساعة ورجع، وقال: «إنّ الملك قادم عليك فى هذه الساعة»، فقال الأمير عبيد الله لغلمانه وعبيده: «افرشوا ما معنا من الفرش»، وجعل فى صدر المكان مرتبة برسم ملك النوبة يجلس عليها، ثم صار يرتقب مجيئه.
فبينما هو على ذلك إذ دخل عليه غلامه، وقال له: «إنّ ملك النوبة قد أقبل»، فقام الأمير عبيد الله، وصعد إلى سطح القصر، فنظر إلى ملك النوبة، فإذا هو رجل أسود اللون، طويل القامة، نحيف الجسد، وعليه بردتان قد اتّزر بأحدهما وارتدى بالآخر، ومعه عشرة من السودان حوله، ومعهم حراب بأسنّة؛ فلما رآه الأمير
_________________
(١) امض: امضى.
[ 1 أ / ١٣١ ]
عبيد الله استصغر أمره، واستحقره فى عينه؛ فلما قرب من المكان الذى فيه عبيد الله، احتاط به من العساكر نحو عشرة آلاف رجل من السودان، وفى أيديهم الحراب.
فلما دخل ملك النوبة على الأمير عبيد الله، أحاط ذلك العسكر بالمكان، فلما وقعت عين ملك النوبة على الأمير عبيد الله، بادر إليه وقبّل يده، فأشار إليه عبيد الله بأن يجلس على تلك المرتبة التى صنعها له، فأبى ملك النوبة أن يجلس عليها، فقال عبيد الله للترجمان: «لم لا يقعد الملك على تلك المرتبة التى صنعتها له»؟ فقال له الترجمان ذلك، فقال ملك النوبة: «قل له، كل ملك لا يكون متواضعا لله، فهو جبّار عنيد».
ثم إنّه جلس بين يدى الأمير عبيد الله، وجعل ينكث بأصبعه فى الأرض طويلا، ثم إنّه رفع رأسه إلى الأمير عبيد الله، وقال للترجمان: «قل له كيف سلبتم من ملككم، وأخذ منكم، وأنتم أقرب الناس إلى نبيّكم»؟ فقال الأمير عبيد الله للترجمان: «قل له إنّ الذى سلب منا ملكنا أقرب إلى نبيّنا منا».
ثم سكت ملك النوبة ساعة، وقال للترجمان: «قل له فكيف أنتم تلوذون إلى نبيّكم بقرابة، وأنتم تشربون ما حرّم عليكم من الخمر، وتلبسون الديباج، وهو محرّم عليكم، وتركبون فى السروج الذهب والفضّة، وهى محرّمة عليكم، ولم يفعل نبيّكم شيئا من هذا؟ وبلغنا عنك لما ولّيت مصر، كنت تخرج إلى الصيد، وتكلّف أهل القرى ما لا يطيقون، وتفسدون الزروع على الناس، وتروم الهدايا والتقادم من أهل القرى، وكل هذا لأجل كركى تصيده، قيمته سبعة أنصاف، وهذه بدع اخترعتموها من أنفسكم».
وصار ملك النوبة يعدّد على الأمير عبيد الله جملة من الذنوب، وهو ساكت لا يتكلّم، ثم قال ملك النوبة: «ولما استحللتم ما حرّم الله عليكم، سلبتم ملككم، وأخذ منكم، وأوقع الله بكم نقمة لم تبلغ غايتها عنكم، وأنا أخاف على نفسى، إن أنزلتك عندى، فتحلّ بى تلك النقمة التى حلّت بكم، ولكن ارحل عن أرضى بعد
[ 1 أ / ١٣٢ ]
ثلاثة أيام، وإلا أخذت ما معك من الأموال وقتلتك»؛ ثم قام ملك النوبة، وانصرف من عند الأمير عبيد الله.
فلما سمع عبيد الله ما قاله ملك النوبة، خرج من أرض النوبة فى يومه، ورجع إلى الفسطاط، فقبض عليه عبد الله بن على العبّاسى، وأرسله إلى السفاح، فكانت مدّة ولايته على مصر نحو سنة وأشهر، وبه زالت دولة الأموية.
[ 1 أ / ١٣٣ ]