فيها شرع عمرو بن العاص فى بناء جامعة الكبير، الذى بالقرب من قصر الشمع، بمصر العتيقة؛ قال الليث بن سعد، ﵁: لما فرغ عمرو بن العاص من بناء مدينة الفسطاط، شرع فى بناء الجامع المعروف به، وهو أول جامع بنى فى الإسلام بمصر، وكان مكان أرضه أشجار وبساتين، فمحا ذلك، وبنى هذا الجامع؛ وكان طوله أولا نحو خمسين ذراعا، فى عرض ثلاثين ذراعا.
قال ابن فضل الله فى «المسالك»: لما وضع عمرو قبلة هذا الجامع، كان واقفا عليه نحو ثمانين رجلا من الصحابة، فلما اتّخذ المنبر جعله عاليا، فكتب إليه عمر ابن الخطاب، ﵁: «بلغنى أنّك قد اتّخذت منبرا عاليا، ترقى به على رقاب المسلمين، فعزمت عليك، ألا ما كسرته»؟
قال ابن عبد الحكم: لما بنى عمرو هذا الجامع، جعل إلى جانبه دارا، وسمّاها دار أمير المؤمنين؛ فلما بلغ أمير المؤمنين ذلك، كتب إلى عمرو، وهو يقول له: «بلغنى أنّك بنيت لى دارا، وإنى لرجل بالحجاز، أفيكون لى دار بمصر، فعزمت عليك بالله، ألا ما جعلتها سوقا للمسلمين»؟ فامتثل عمرو ذلك، وجعلها سوقا يباع فيه الرقيق، وهى تسمّى إلى اليوم دار البركة.
[ 1 أ / ١٠٩ ]
قال ابن عبد الحكم: لما ولى مسلمة بن مخلد الأنصارى على مصر، زاد فى بناء هذا الجامع، وبنى (^١) به المنار؛ فلما ولى عبد العزيز بن مروان، هدم هذا الجامع، ووسّعه؛ فلما ولى قرّة بن شريك العبسى، هدمه، وبناه، وزخرفه، وذهّب رءوس العمد التى (^٢) به، وجعل فيه محرابا مجوّفا (^٣)، وهو أول من أحدث المحراب المجوّف؛ فلما ولى عبد الله بن طاهر، زاد فى عرضه بإذن المأمون، وأدخل فيه الدور التى حوله.
فلما كان أيام خمارويه بن أحمد بن طولون، احترق هذا الجامع كله، وذلك سنة خمس وسبعين ومائتين، فاستمرّ على ذلك إلى أيام الفاطميين، فبناه الحاكم بأمر الله، وزخرفه وجعل فيه تنّور فضّة، زنته مائة ألف درهم (^٤)، وجعل لعمودى المحراب أطواق فضة. وكان به ألف ومائتين (^٥) مصحف، وجعل طوله اثنتين وأربعين ألف ذراع (^٦)، وعرضه ثمانية وعشرين ألف ذراع (^٦) بالعمل، وجعل له ثلاثة عشر بابا؛ وكان له راتب من الزيت فى كل شهر أحد عشر قنطارا، ويقد فيه فى كل ليلة عشرة آلاف فتيلة؛ وكان به أربعون حلقة لإقراء العلم والتدريس.
ولما قدم الإمام الشافعى إلى مصر، جلس فيه لتدريس العلم؛ وكان فى صحن هذا الجامع فوّارة، تقلب فى فسقية، يصل إليها الماء من بحر النيل، فأمر القاضى تاج الدين بن بنت الأعز، بإبطالها، لما فيها من الضرر على جيران الجامع، فبطلت من سنة ثمان وستين وخمسمائة؛ وفى الجملة، إنّه جامع مبارك، لا يخلو من ولى صالح قط، انتهى.
_________________
(١) وبنى: وبنا.
(٢) التى: الذى
(٣) محرابا مجوفا: محراب مجوف.
(٤) درهم: درهما.
(٥) ألف ومائتين: كذا فى الأصل. اا مصحف: مصحفا.
(٦) ذراع: ذراعا.
[ 1 أ / ١١٠ ]