فيها توفّى أبو الشمقمق، الشاعر، وكان أبو الشمقمق هذا شاعرا ماهرا، صاحب نكت ونوادر، دخل مصر وامتدح المعزّ الفاطمى، وأولاده؛ وكان أبو الشمقمق صعلوكا فقيرا، وكان يلزم بيته دائما، فإذا دقّ عليه أحد بابه، نظر من شقّ الباب، فإن أعجبه القارع، خرج له، وإن لم يعجبه، لم يخرج إليه أبدا؛ قيل إنّ بعض أصدقائه دخل عليه، فلما رأى سوء حاله، فقال له: «أبشر يا أبا الشمقمق، فإن جاء فى الحديث، أنّ العارين فى الدنيا، هم الكاسون فى الآخرة»، فقال: «إن كان ذلك حقّا، لأكونن أنا يوم القيامة تاجرا فى القماش والفرش»، وأنشأ يقول:
أنا فى حال تعالى … الله ما أعجب حالى
ليس لى شئ إذا ما … قيل ذا لى قلت ذالى
فأراضى الله فرشى … والسموات ظلالى
ولقد أهزلت حتى … محت الشمس خيالى
ولقد أفلست حتى … حلّ أكلى لعيالى
من رأى شيئا محالا … فأنا كلّ المحالى
[وفى سنة إحدى وأربعمائة، توفّى فارس الحمصى الضرير، شيخ القرّاء، مؤلف كتاب «المنتشا فى القراءات» وهو مذكور فى الشاطبية] (^١).
[وفى سنة إحدى وأربعمائة، توفّى الحافظ ميسر، قال المسبحى (^٢): كان مع ميسر درج، طوله سبعة وثمانون ذراعا، وهو مملوء الوجهين، فيه أوائل ما كان يحفظه من أحاديث وأخبار وأشعار، وغير ذلك] (^٣).
قال الشيخ شمس الدين الذهبى فى «تاريخ الإسلام»: إنّ فى سنة أربعمائة، تزايد طغيان الحاكم بأمر الله، حتى إنّه ادّعى الربوبيّة من دون الله تعالى، كما فعل
_________________
(١) وفى سنة … الشاطبية: كتب فى الأصل على هامش ص ١٠٢ ب.
(٢) المسبحى: المسيحى.
(٣) وفى سنة … وغير ذلك: كتب فى الأصل على هامش ص ١٠٣ آ.
[ 1 أ / ٢٠٧ ]
فرعون، فكان يحسّن لجماعة من عوام (^١) مصر الجهلة، فكان إذا مرّ فى الطرقات يسجدون له، ويقولون: «يا محيى، يا مميت»، ومن لم يفعل ذلك ضرب عنقه.
وكان يدّعى أنّه يعلم علم الغيب، فكان يقول لأمرائه ووزرائه: «يا فلان، أنت فعلت فى بيتك الليلة، ما هو كيت وكيت»، وكان ذلك باتّفاق يعتمده مع العجائز، اللاتى (^٢) يدخلن إلى بيوت الأمراء والوزراء، وغير ذلك من أعيان الناس؛ فلما تزايد هذا الأمر منه، كتب له بعض الناس رقعة، ولصقها بالمنبر فى مكان يقعد فيه، وكتب فيها هذين البيتين، وهما:
بالجور والظلم قد رضينا … وليس بالكفر والحماقة
إن كنت أوتيت علم غيب … بيّن لنا كاتب البطاقة
فلما قرأ تلك الرقعة، سكت عن الكلام فى أمر ما كان يدّعيه فى علم المغيبات.
قيل: إنّ بعض العلماء أثبت لهؤلاء (^٣) الفاطميين نسبا فاسدا، بأنهم من ولد فاطمة بنت رسول الله، ﷺ، وهذا النسب ليس بصحيح، وإنما هم من ولد ديصان بن سعيد، وكان أصله مجوسيّا، وقد وافق على ذلك جماعة من العلماء، منهم الشيخ أبى حامد الإسفرايينى، والشيخ أبى الحسن القدورى، وغير ذلك من العلماء.
فكان الحاكم يذكر نسبه فى كل جمعة على المنبر، ويقول: «نحن أفضل من خلفاء بنى العبّاس، لأنّنا من ولد فاطمة بنت رسول الله، ﷺ».
فكانت الناس ترفع إليه الرقاع فى أشغالهم، وهو على المنبر يخطب، فرفعت إليه رقعة فيها هذه الأبيات:
إنّا سمعنا نسبا منكرا … يتلى على المنبر فى الجامع
إن كنت فيما قتله صادقا … فانسب لنا نفسك كالطائع
_________________
(١) عوام: أعوام.
(٢) اللاتى: التى.
(٣) لهؤلاء: لهذه.
[ 1 أ / ٢٠٨ ]
وإن ترم تحقيق ما قلته … فاذكر لنا بعد الأب السابع
دع الأنساب مستورة … وادخل بنا فى النسب الواسع
فإن أنساب بنى هاشم … يقصر عنها طمع الطامع
فلما قرأ تلك الرقعة، غضب على أهل مصر، وأمر العبيد بأن يحرقوا المدينة جميعها، فأطلقوا فيها النار، ونهبوا بيوت الناس، وأخذوا أموالهم، وسبوا النساء.
واستمرّ هذا الأمر الشنيع بمصر والقاهرة ثلاثة أيام متوالية، فضجّ الناس إليه، واستغاثوا به، وطلع إليه العلماء والصلحاء، يشفعون فى الناس، فعفى عنهم، بعد ما احترق من المدينة نحو ثلثها، ونهبت أموال الناس، وسبيت النساء، وقتل من الناس ما لا يحصى، وكانت هذه الواقعة من أعظم المصائب بمصر.
واستمرّ الحاكم على ما ذكرناه من هذه الأفعال الشنيعة، ومخالفته للشريعة، حتى قتل؛ وكان سبب قتله، أنّ أخته ست النصر، لما زاد أخوها من هذه الأفعال الشنيعة، أراد قتلها لأمر بلغه عنها، وكانت من النساء المدبّرات، فخرجت تحت الليل فى الخفية، وأتت إلى دار الأمير سيف الدين بن دواس، وكان أكبر أمراء الحاكم، فلما دخلت عليه، اختلت به، وعرّفته أنّها أخت الحاكم، فبالغ فى تعظيمها.
فقالت له: «أنت تعلم ما قد فعله أخى بالرعيّة من هذه الأفعال الشنيعة، وقد عوّل على قتلى وقتلك، وإذا عوّل على شئ فعله»، فقال لها: «وما الرأى فى ذلك»؟ قالت: «تقتله»، قال: «وكيف أقتله»؟ قالت: «اندب إليه جماعة من العبيد يقتلونه إذا خرج إلى حلوان، فإنه ينفرد فى ذلك المكان بنفسه، فيخرجوا (^١) عليه ويقتلوه هناك، وتكون أنت المدبّر للمملكة بعده، وتولّى ابنه الأمير على»، فاتّفقا على ذلك، ثم مضت إلى قصرها.
فلما أصبح الصباح، خرج الحاكم على عادته إلى حلوان، وكان مشغوفا بحبّ
_________________
(١) فيخرجوا … ويقتلوه: كذا فى الأصل.
[ 1 أ / ٢٠٩ ]
المطالب، مثل جدّه المعزّ؛ فلما خرج، أرسل الأمير سيف الدين بن دواس خلفه، عشرة من العبيد السود الغلاظ الشداد، وأعطى لكل عبد منهم خمسمائة دينار، وعرّفهم كيف يقتلونه، فسبقوه إلى حلوان؛ فلما نزل بالمقصبة التى هناك، خرجت عليه العبيد، فقتلوه هناك.
فلما أبطأ خبره [على] (^١) غير العادة، خرجت جماعة من الحجاب، ومعهم الجنائب بسبب الكوكب، فصاروا يخرجون فى كل يوم، ينتظرون رجوعه، منذ سبعة أيام.
فلما أبطأ عليهم، فوق السبعة أيام، خرج الأمير مظفر، الحاجب، ومعه العسكر، وكان عسكر الحاكم ما بين ديلم، ومصامدة، وصقالبة، وروم، وعبيد زنج، فلما وصلوا إلى آخر المقصبة التى بحلوان، وجدوا حماره الأشهب، المدعو بالقمر، وقد قطعت يداه ورجلاه، وعليه السرج واللجام.
فتبعوا أثر الحمار، فوجدوا ثياب الحاكم، وكان يلبس عليه سبع جبّات صوف أبيض، فرأوا فيها آثار ضرب السكاكين، فلم يشكوا بعد ذلك فى قتله، فلما رجعوا إلى القاهرة، أشيع بين الناس قتله، فماجت القاهرة فى ذلك اليوم، فما سكنت حتى ولّوا ابنه الأمير على، وكان دون البلوغ - أورد ما ذكرناه هنا ابن أبى حجلة فى «السكردان».
وكانت قتلة الحاكم فى نصف شوّال سنة إحدى عشرة وأربعمائة؛ وكانت مدّة خلافته بالديار المصرية والبلاد الشامية، خمسة وعشرين سنة، فكانت على الناس أشدّ الأيام؛ وقتل فى هذه المدّة جماعة من العلماء، والفقهاء، وأعيان الناس، ما لا يحصى عددهم، وقد صبروا على أذاه هذه المدّة، حتى فرّج الله عنهم، كما قيل فى المعنى:
ودهر قطعناه بضيق وشدّة … ونحن على نار قيام على الجمر
صبرنا له حتى أزيل وإنّما … تفرج أيام الكريهة بالصبر
قال الذهبى: لما قتل الحاكم، صاروا جماعة من الجهّال المغفّلين، من وادى التيم،
_________________
(١) [على]: تنقص فى الأصل.
[ 1 أ / ٢١٠ ]
من نواحى الشام، يعتقدون حياة الحاكم إلى إلآن، ويقولون إنّه سيعود فى آخر الزمان، وهو المهدى، ويحلفون: «وغيبة الحاكم»، وهذا من جهلهم، انتهى ذلك.