فيها بلغ الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، أنّ جماعة من أعيان القاهرة، ومن جملتهم عمارة اليمنى، الشاعر، اتّفقوا على إعادة (^١) دولة الفاطميين؛ فلما تحقّق صلاح الدين ذلك، أمر بشنقهم، ومن جملتهم عمارة اليمنى، فشنقوا فى عاشر رمضان، سنة تسع وستين وخمسمائة.
وكان عمارة فقيها فرضيّا، شاعرا ماهرا، ولد سنة خمس عشرة وخمسمائة، أتى من اليمن، ودخل مصر سنة خمسين وخمسمائة، وامتدح الخلفاء الفاطميّة بقصائد سنيّة، لكنه كان يميل إلى مذهب الرافضة، ومن شعره الرقيق، قوله:
ولا تحتقر كيد الصغير فربما … تموت الأفاعى من سموم العقارب
إذا كان رأس المال عمرك فاحترس … عليه من التضييع فى غير واجب
[وفيها قبض الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، على مؤتمن الحبشى، زمام الخليفة العاضد بالله، فلما قبض عليه قتله، فلما قتل، ثارت عليه العبيد الذين (^٢) كانوا بمصر، وكان جملة العبيد يومئذ بمصر خمسين ألف عبد، من أجناس شتى، فاستمرّ الحرب ثائرا بينه وبين العبيد يومين، وكانت قوّة هذه الواقعة بين القصرين، فقتل من العبيد ما لا يحصى، ثم انهزموا وكانت الكسرة على العبيد] (^٣).
وفى هذه السنة، أعنى سنة تسع وستين وخمسمائة، فيها جاءت الأخبار من دمشق بوفاة الملك السعيد نور الدين الشهيد، صاحب دمشق، المجاهد المرابط الولى، وقد عدّه اليافعى فى كتاب «روض الرياحين» أنّه من الأولياء الأربعين، ودفن بالشام بجامع الكلاسة، وقبره يزار إلى الآن.
وهو أول من حمل على رأسه الصنجق من الملوك؛ وكان اسمه محمود بن زنكى، وقد أطلق عليه السلطان، مثل ملك شاه السلجوقى، وهو أول من تلقّب بالسلطان مع وجود الخلفاء.
_________________
(١) إعادة: إعادت.
(٢) الذين: الذى.
(٣) وفيها قبض … على العبيد: كتبت فى الأصل على هامش ص (١١٩ ب).
[ 1 أ / ٢٤٠ ]
قيل إنّه رأى النبى، ﷺ، فى المنام، وهو يقول له: «أدركنى يا نور الدين، فإنّ شخصا من الرافضة جاء ليسرق جثتى»، وأراه شكله فى المنام.
فلما أصبح نور الدين توجّه إلى المدينة الشريفة، فى غير أوان الحاجّ، فلما دخل المدينة استعرض أهلها، وأوهمهم أنّه يفرّق عليهم مالا؛ فلما حضروا بين يديه، قال:
«هل بقى منكم أحد»؟ قالوا: «بقى شخص من الصالحين، منقطع إلى الله تعالى، لا يجتمع بأحد من الناس»، قال: «آتونى به».
فلما حضر بين يديه، فإذا هو الشخص الذى أراه له النبى، ﷺ، فى المنام بعينه، فلما رآه، أمر بصلبه، فصلب؛ ثم كبس داره، وكانت داره بالقرب من الحجرة الشريفة، فوجده قد حفر سربا تحت الأرض، وقد قرب من لحد النبى، ﷺ، فحفر نور الدين الشهيد حول الحجرة الشريفة خندقا، وردمه بالحجارة الكبار، ثم سبك عليهم بالرصاص؛ وهذه الحكاية مشهورة عن نور الدين الشهيد، رحمة الله عليه.
وهو أول من اتّخذ حمائم الرسائل إلى الآفاق؛ وهو أول من أطلق عليه «السلطان» بعد ملك شاه السلجوقى، وكان يلقّب بالملك العادل.
قال ابن فضل الله فى «المسالك»: إنّ الاصطلاح أنّ لا يطلق التسمية بالسلطان، إلا على من يكون يملك عدّة بلاد، مثل مصر والشام وأفريقية والأندلس، وفى ولايته عدّة ملوك، ويكون عسكره عشرة آلاف فارس، أو نحو ذلك، وأن يخطب باسمه فى عدّة أماكن شتى، فجاز له أن يطلق عليه بالسلطان الأعظم، فكان نور الدين الشهيد يطلق عليه «السلطان الأعظم»، فإنّه قد اجتمع فيه هذه الشروط كلها.
فلما توفّى السلطان نور الدين الشهيد، انفرد صلاح الدين يوسف بن أيوب، بما كان فيه نور الدين الشهيد، وأطلق عليه التسمية بالسلطان، فصفا له الوقت، وساعدته المقادير، بما يختار من الأمور، كما قيل فى المعنى:
لو نطقت مصرنا لقالت … يا ملك العصر والأقالم
[ 1 أ / ٢٤١ ]
قد أصبح السعد عبد رقّ … والنصر أمسى لديك خادم
له بقلب الملوك رعب … أغنى عن السمر والصوارم
فلما انفرد صلاح الدين يوسف يملك مصر والشام، أزال ما كان بمصر من العساكر الملّفقة، وكانوا ما بين صقالبة ومصامدة وأرمن وشناترة العرب، وطائفة من العبيد الزنج، فمحا هذه الطوائف كلها، واستجدّ بمصر عساكرا من الأكراد خاصّة، فكان عدّتهم اثنى عشر ألفا من شجعان الكرد.
قال ابن الأثير: لما دخلت سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، شرع الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب فى بناء سور القاهرة بالحجر القصّ النحيت، وأبطل السور الذى كان بناه جوهر القائد، سنة إحدى وستين وثلثماية، وكان بناه بالطوب اللبن فى دولة الفاطميين.
ثم جعل دوره ثلاث وثلاثين ألف ذراع (^١) بالعمل، وجعل فى هذا السور أحد عشر بابا، غير الأبواب الصغار، وكان القائم على بناء السور الأمير بهاء الدين قراقوش، الخصىّ الحبشى.
قال ابن الأثير: وإنّ بابى زويلة القديم، كان فى الغرابليّين عند مسجد سام بن نوح، وآثاره باق إلى الآن، وأما باب زويلة الموجود الآن يسمّى باب الفاضل؛ ثم إنّ صلاح الدين شرع فى بناء قلعة الجبل، واتّخذها دار المملكة.
قال ابن الأثير: مات صلاح الدين ولم يتمّ بنى قلعة الجبل، وإنما أكمل بناءها الملك الكامل محمد بن أخى صلاح الدين يوسف، وهو أول من سكن بها من بنى أيوب، وبطل أمر قصر الزمرّد، الذى أنشأه المعزّ الفاطمى، وكان مكان دار الضرب.
قال القاضى شمس الدين بن خلكان: إنّ فى سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، شرع الملك الناصر صلاح الدين يوسف فى بناء خانقاة سعيد السعداء، وهى أول خانقاة عمرت بالقاهرة، وكانت دارا لشخص من خدّام الخليفة المستنصر بالله الفاطمى، يقال له
_________________
(١) ذراع: ذراعا.
[ 1 أ / ٢٤٢ ]
قنبر سعيد السعداء، فاشتراها السلطان صلاح الدين وبناها خانقاة، فسمّيت «خانقاة سعيد السعداء» مضافا لاسم قنبر سعيد السعداء.
ثم بنى المدرسة المعروفة بالسويفية، وجعلها للحنفية؛ ثم بنى المدرسة المعروفة بالقمحية، وجعلها للمالكية؛ ثم بنى المدرسة العظيمة التى بجوار الإمام الشافعى، ﵁، وجعلها للشافعية؛ ثم بنى مدرسة عند دار الضرب، وجعلها للحنابلة، وأنشأ بجوارها مارستان، ولم يكن بالقاهرة مارستان قبله، غير الذى أنشأه أحمد بن طولون فى القطائع، وبطل أمره؛ وأنشأ مدرسة بالقدس الشريف، وسمّاها الصلاحية.
ومن محاسن الناصر صلاح الدين يوسف، أنّه أقام بمجد السادة الشافعية، وقدّمهم على غيرهم من المذاهب الثلاثة.
قال ابن الأثير: إنّ أول من قرّر الخدّام الخصيان بالمدينة الشريفة، الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وكان سبب ذلك، أنّ بنى حسن، لما تغلّبوا على الخلفاء الفاطميين، واستولوا على المدينة الشريفة، فلما آل الأمر إلى الناصر صلاح الدين، استمال بنى حسن، وأغدق عليهم بالمال الجزيل والهدايا، حتى مكّنوه من المدينة الشريفة.
فلما ملك أمرها، جعل فيها أربعة وعشرين خادما خصيّا، وجعل عليهم شيخا من الخدّام، يقال له بدر الدين الأسدى، وأوقف على مجاورى المدينة بلدين من أعمال الصعيد، وهما نقادة، وقبالة، وهما إلى الآن جارية فى أوقاف الحرمين.
واستمرّ من يومئذ شيخ الحرم النبوى من الخدّام الخصىّ، وكان إذا قدم على الملوك يقومون له، ويجلسونه إلى جانبهم، ويتبرّكون به، لقرب عهده من تلك الأماكن الشريفة، واستمرّ ذلك إلى أيام الأشرف برسباى.
ومن الحوادث فى أيامه، أنّ الفرنج أتوا إلى ثغر دمياط، وحاصروا أهلها، فتوجّه إليهم الناصر صلاح الدين، وتقاتل معهم، وكسرهم، وكانوا نحو مائتين (^١) مركب،
_________________
(١) مائتين: كذا فى الأصل.
[ 1 أ / ٢٤٣ ]
فأقام يحاصرهم نحو شهرين حتى كسرهم، وانهزموا إلى بلادهم.
[وفى سنة ست وسبعين وخمسمائة، توفّى الشيخ أبو المفاخر المأمونى، راوى صحيح الإمام مسلم] (^١).
وفى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، فيها جاءت الأخبار من مدينة الخليل، ﵇، بأنّ المغازة التى فيها الخليل مدفونا، قد انخسفت من أعلاها، فنزل بها جماعة، فوجدوا بها ثلاث جثث، وهم: إبراهيم، وإسحق، ويعقوب، ﵈، وقد بليت أكفانهم، وهم مستندون إلى حائط المغارة، وأجسادهم طريّة لم تبل (^٢)، وهيئتهم على حالها كأنهم ينطقون (^٣)، وعلى رءوسهم قناديل من ذهب وفضّة.
فلما بلغ الملك الناصر صلاح الدين ذلك، توجّه إلى مدينة الخليل، ﵇، ونزل المغارة، وأمر بأن تجدّد لهم أكفان بيض، وسدّ ما كان قد انخسف من المغارة بالحجارة الكبار، ثم رجع إلى القاهرة؛ وهذه الواقعة نقلها على الهروى السوّاح، فى كتاب «الإشارات فى معرفة الزيارات»، انتهى ذلك.
[وفى هذه السنة، وهى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، فيها جاءت الأخبار من بغداد بوفاة سيدى أحمد بن الرفاعى، رحمة الله عليه، توفّى فى رابع عشر جمادى الأولى من هذه السنة] (^٤).
وفى هذه السنة، توفّى القاضى موفّق الدين بن محمد المصرى، صاحب ديوان الإنشاء بالديار المصرية، قال العماد الكاتب: «لم يكن فى عصره أشعر منه»، توفّى فى جمادى الآخرة من تلك السنة، ومن شعره قوله:
إنّ شهر الصيام ضيف (^٥) أتانا … وقرى الضيف لازم للكرام
وهو راض بصومه هل سمعتم … قبله الضيف راضيا بالصيام
_________________
(١) وفى سنة … مسلم: كتبت فى الأصل على هامش ص ١٢١ ب.
(٢) لم تبل: لم تبلى.
(٣) ينطقون: ينطقوا.
(٤) وفى هذه السنة … من هذه السنة: كتبت فى الأصل على هامش ص ١٢١ ب.
(٥) ضيف: ضيفا.
[ 1 أ / ٢٤٤ ]
[وفى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، توفّى الإمام أبو القاسم السهيلى، وكان أحد أهل زمانه، وهو صاحب الأبيات المشهورة «يا من يرى ما فى الضمير ويسمع»] (^١).
[وفى سنة سبع وثمانين وخمسمائة، فيها، فى ثانى عشر ذى القعدة، توفّى الشيخ نجم الدين الخبوشانى، ودفن بجوار الإمام الشافعى، ﵁، وكان تلميذ الإمام أبى حامد الغزالى، قدم مصر وأقام بها إلى أن مات] (^٢).