فيها مرض الأمير عمرو بن العاص، وسلسل فى المرض، فلما أشرف على الموت، أحضر ما كان جمعه من أموال القبط، لما فتح مصر، وقال لولده عبد الله، وكان يقاربه فى السنّ، حتى قيل كان بين مولد عمرو بن العاص، وبين مولد ولده عبد الله، نحو ثلاث عشرة سنة، فقال له: «إذا أنا متّ فاردد هذه الأموال، التى جمعتها، إلى أصحابها».
فلما مات الأمير عمرو، سمع بها معاوية (^١)، فأرسل أخذها، وقال: «نحن أحقّ بهذه الأموال لدفع العدو»، فأخذها وأدخلها فى بيت المال؛ قيل لعبد الله بن عمرو:
«ما كان قدر ذلك المال»؟ قال: «كان سبعين جرابا من جلد ثور كاملة».
وفى أيامه توفّى تميم بن أوس بن حارثة الرازى، شهد فتح مصر، وكان من مشاهير الصحابة، مات سنة أربعين من الهجرة، وكان قبل موته وقع به جذام (^٢) واستمرّ به حتى مات بالجذام.
وكانت وفاة الأمير عمرو بن العاص، فى ليلة عيد الفطر سنة ثلاث وأربعين، فلما كان يوم العيد، أخرج نعشه إلى الجامع، ووضع فى المحراب حتى تكامل الناس، فصلّوا صلاة العيد، ثم صلّوا عليه، وحمل إلى مقابر الفسطاط، ودفن على طريق
_________________
(١) معاوية: معوية.
(٢) جذام، جذاما.
[ 1 أ / ١١٧ ]
الحاج، وقيل بل دفن فى سفح الجبل المقطّم، رحمة الله عليه.
وكانت مدّة حياته خمس وتسعين سنة، وكانت مدّة ولايته على مصر، أولا وثانيا، إحدى عشرة سنة وأشهر، انتهى.
قيل لما بلغ عبد الله بن الزبير، وفاة الأمير عمرو بن العاص، أنشأ يقول:
ألم تر أنّ الدهر أحنت ريوبه … على عمرو السهمى تجبى له مصر
فأضحى نبيذا بالعراء وضلّلت … مكائده عنه وأمواله الدثر
ثم إنّ معاوية أرسل تقليدا إلى عبد الله بن عمرو، بولايته على مصر، عوضا عن أبيه؛ قال الواقدى: أقام عبد الله على ولاية مصر، بعد أبيه، دون السنة، وعزل عنها.
ثم تولّى بعده الأمير عقبة بن أبى سفيان، أخو أمير المؤمنين معاوية، فلما ولى على مصر، أقام بها دون السنة، ومات بها.
ثم تولّى بعده الأمير عقبة بن عامر الجهنى، صاحب رسول الله، ﷺ، ورديفه، وهو الذى تسند إليه الأحاديث عن رسول الله، ﷺ؛ تولّى على مصر سنة أربع وأربعين من الهجرة، وأقام بها إلى أن استشهد يوم النهروان، رحمة الله عليه، ودفن بالقرافة الكبرى، فكانت مدّة ولايته على مصر سنتين وثلاثة أشهر، انتهى ذلك.
ثم تولّى بعده الأمير معاوية (^١) بن خديج السكونى النجيبى، ﵁، فأقام بها إلى سنة خمسين من الهجرة، وعزل عنها.
وفى أيام معاوية (^١) بن خديج، توفّى عبد الله بن قيس العبقى، شهد فتح مصر، وكان من مشاهير الصحابة، مات سنة تسع وأربعين من الهجرة.
وفى أيامه توفّى المنيرة بن شعبة (^٢) بن أبى عامر، دخل مصر فى الجاهلية، واجتمع بالمقوقس، صاحب مصر، ثم رجع، فأسلم عام الخندق، وعاش نحو سبعين سنة،
_________________
(١) معاوية: معوية.
(٢) شعبة: شبعة.
[ 1 أ / ١١٨ ]
ثم توفّى فى أيام معاوية (^١) هذا، فى رمضان سنة خمسين من الهجرة.
ومعاوية (^١) هذا ممن شهد فتح مصر، وعاش إلى سنة اثنتين وخمسين، ومات بمصر.
ثم تولّى بعده الأمير مسلمة بن مخلد الأنصارى، ﵁، وهو الذى جدّد بناء جامع عمرو بن العاص، وأوسع فيه، وبنى (^٢) به المنار.
وفى أيامه توفّى أبو موسى مالك بن عبادة الغافقى، خادم رسول الله، ﷺ، شهد فتح مصر، ومات سنة ثمان وخمسين، فى أيام مسلمة هذا، رحمة الله عليه.
وفى سنة ثمان وخمسين، توفّى أيضا عبد الله بن حوالة الأزدى، شهد فتح مصر، وكان من مشاهير الصحابة، وعاش اثنتين وسبعين سنة، رحمة الله عليه.
وفى أيامه قدم أبو هريرة إلى مصر، وأقام بها، وكان اسمه عبد الرحمن بن صخر، وقيل مات بمصر، ودفن بالجيزة، وفيه اختلاف، توفّى سنة تسع وخمسين من الهجرة.
وفى أيامه توفّى عائد بن ثعلبة بن دبرة الكلبى، شهد فتح مصر، وكان من مشاهير الصحابة، استشهد بالبرلس سنة ثلاث وخمسين.
وفى أيامه توفّى ثوبان بن جحدم، شهد فتح مصر، وكان من مشاهير الصحابة؛ قال ابن كثير: توفّى بمصر، سنة أربع وخمسين.
وفى هذه السنة، أعنى سنة أربع وخمسين، توفّى خالد بن ثابت بن طاعن، شهد فتح مصر، وكان من مشاهير الصحابة، ومات بأفريقية سنة أربع وخمسين.
ومن النكت اللطيفة، قال ابن لهيعة: خرج وردان بن عبد الأمير مسلمة بن مخلد فمرّ على عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال له: «إلى أين تقصد يا وردان»؟ قال: «أرسلنى الأمير مسلمة إلى منف، لأفحص له عن كنوز فرعون»،
_________________
(١) معاوية: معوية.
(٢) بنى: بنا.
[ 1 أ / ١١٩ ]
فقال له عبد الله بن عمرو: «ارجع إليه، وقل له: إنّ كنوز فرعون ليست لك، ولا لأصحابك، وإنما هى تظهر فى آخر الزمان للحبشة، يأتون فى السفن يريدون مدينة الفسطاط، فيسيرون إلى منف، وينزلون بها، فتظهر لهم كنوز فرعون، فيأخذون منها ما يقدرون على حمله، ويسيرون إلى بلادهم، ثم يرجعون لأخذ ما بقى من الكنوز، فتخرج عليهم المسلمون ويقتتلون معهم، فتظهر عليهم المسلمون، ويأسرونهم عن آخرهم، حتى إنّ الحبشى منهم ليباع بالكساء الذى عليه، ولا يجد من يشتريه من الناس لكثرتهم»، انتهى.
واستمرّ مسلمة بن مخلد فى ولايته على مصر، إلى أن مات فى خلافة يزيد ابن معاوية (^١)، فى ذى القعدة سنة اثنتين وستين؛ فكانت مدّة ولايته على مصر ثمان سنين وأشهر.
وفى سنة ستين توفّى بلال بن الحارث بن عقبة بن سعد بن قرّة، شهد فتح مصر، وكان من مشاهير الصحابة، وعاش نحو ثمانين سنة، رحمة الله عليه.
وفى أيامه توفّى جرهل بن خويلد، شهد فتح مصر، ومات بها سنة إحدى وستين، وكان من مشاهير الصحابة؛ روى الطبرانى أنّه أكل بيده الشمال، بحضرة رسول الله، ﷺ، فقال له: «كلّ باليمين»، فقال: «إنّها مصابة يا رسول الله»؛ فتفل عليها رسول الله، ﷺ، فما شكابها بعد ذلك.
وفى سنة إحدى وستين توفّى جرمة بن خويلد، شهد فتح مصر، وكان من مشاهير الصحابة، انتهى.