فيها توجّه الملك الناصر صلاح الدين يوسف إلى دمشق، فلما دخلها، نزل بالميدان الكبير، وجلس فى القصر الذى به، فجاءت إليه أرباب الملاعب، من المصارعين، والمثاقفين، وغير ذلك.
ثم جاء إليه رجل أعجمى، فتكلّم مع الملك الناصر بأن يريه أعجوبة فى صنعة الشعبذة، فأذن له فى ذلك، فنصب خيمة لطيفة فى الميدان، وأخرج من كمّه كبّة خيط، وربط ذلك الخيط فى يده، ثم حذف تلك الكبّة الخيط فى الهواء، ثم تعلّق بها، وصعد حتى غاب عن الأبصار.
ثم بعد ساعة سقطت بين الناس إحدى رجليه، وصارت تزحف على الأرض حتى دخلت الخيمة، ثم سقطت رجله الأخرى، وصارت تزحف حتى دخلت الخيمة، ثم سقطت إحدى يديه ودخلت الخيمة، ثم سقطت اليد الأخرى ودخلت الخيمة، ولم تزل أعضاؤه تتساقط عضوا عضوا حتى سقطت الرأس، وصارت تزحف على الأرض حتى دخلت الخيمة، ثم بعد ساعة خرج الرجل، وهو سوى كما كان، يمشى على أقدامه، فقبّل الأرض بين يدى الملك الناصر.
ثم إنّ الرجل دخل إلى الخيمة قدّام الناس، فقال رفيقه للحاضرين: «ادخلوا إلى الخيمة وفتّشوها»، فدخلوا الخيمة وفتّشوها، فلم يجدوا فيها أحدا، ثم فكوها ونصبوها فى مكان آخر، فخرج منها الرجل، وهو يمشى على أقدامه، فتعجّب منه الناس.
_________________
(١) وفى سنة … ويسمع: كتبت فى الأصل على هامش ص ١٢١ آ.
(٢) وفى سنة … إلى أن مات: كتبت فى الأصل على هامش ص ١٢٢ آ.
[ 1 أ / ٢٤٥ ]
وكان حاضرا عند الملك الناصر شخص (^١) من الامراء، يقال له سنقر الأخلاطى، فلما رأى ذلك، حنق وجرّد سيفه، وضرب عنق ذلك الرجل المشعبذ، وقال: «مثل هذا لا يؤمن (^٢) أن يكون جاسوسا من عند أحد من الفرنج».
ثم إنّ الأمير سنقر أراد أن يضرب عنق رفيقه، فاستجار بالملك الناصر، وزعم أنّه لا يعرف شيئا مما كان يعمله رفيقه، فمنع الملك الناصر الأمير سنقر من قتله، وقال للرجل: «اخرج من الشام، ولا تقم بها، يقتلوك»، فخرج من وقته، انتهى ذلك.
[ومن الحوادث، ما نقله المقريزى فى «الخطط»، أنّ فى سنة خمس وثمانين وخمسمائة، احترق بحر النيل احتراقا عظيما، لم يعهد بمثله، فظهر قدّام المقياس، الذى (^٣) تجاه برّ الجيزة، حائط (^٤) فى وسط البحر، فقيل إنّه مكان قبر نبى الله يوسف، ﵇، وكان به التابوت الذى (^٥) به عظام يوسف، ولم ينكشف هذا المكان قط، من حين نقل جسده موسى، ﵇، إلى بيت المقدس، فتعجّب الناس من ذلك] (^٦).
ومن النكت اللطيفة، قيل: كان بدمشق خان يعرف بخان ابن الزنجارى، وكان يعمل فيه من أنواع الفسوق ما لا يوصف شرحه، فلما بلغ الملك الناصر خبره وهو بالشام، فاشتراه وهدمه وبناه جامعا، وسمّاه جامع التوبة، وولّى خطابته لشخص يسمّى العماد الواسطى، وكان يتّهم بشرب الراح، وحبّ الملاح، فكتب بعض اللطفاء قصّة عن لسان هذا الجامع، ورفعها إلى الملك الناصر، وهو فى موكبه بالشام، وكان شرح القصّة هذه الأبيات، وهى:
_________________
(١) شخص: شخصا.
(٢) يؤمن: يأمن.
(٣) الذى: التى.
(٤) حائط: حائطا.
(٥) الذى به: التى بها.
(٦) ومن الحوادث … من ذلك: كتبت فى الأصل على هامش ص ١٢٢ ب.
[ 1 أ / ٢٤٦ ]
يا مليكا أوضح الح … ق لدينا وأبانه
جامع التوبة قد قلّ … دنى منه أمانه
قال قل للملك النا … صر أبقى الله شانه
يا صلاح الدين يا من … حمد الناس زمانه
لى خطيب واسطى … يعشق السكر ديانه
ويحب المرد طبعا … ويغنّى بالجعانة
فأنا فى كل حال … لم أزل بالفسق حانه
فاستمع قصّة حال … زادك الله صيانه
فلما وقف الملك الناصر على هذه القصّة، أمر بعزل العماد الواسطى عن خطابة الجامع، وولى عليه شخصا من أهل العلم والصلاح؛ انتهى ذلك.
[قال ابن سناء الملك:
بدولة الترك عزّت ملّة العرب … وبابن أيوب ذلّت شيعة الصلب
وفى زمان ابن أيوب غدت حلب … من أرض مصر وعادت مصر من حلب
ولابن أيوب دانت كل مملكة … بالصفح والصلح أو بالحرب والحرب] (^١)
واستمرّ الملك الناصر بالشام حتى مرض، وسلسل فى المرض، حتى مات، رحمة الله عليه؛ وكانت وفاته فى صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة.
وكانت مدّة سلطنته بالديار المصرية، والبلاد الشامية، نحوا من أربع وعشرين سنة، بما فيها من أيام الملك العادل نور الدين الشهيد؛ ومات الناصر صلاح الدين، وله من العمر نحو إحدى وسبعين سنة، ودفن بدمشق، فى مدرسة مجاهد الدين، وخلف من الأولاد سبعة عشر ولدا ذكرا.
ولم يخلف فى بيت المال لا ذهبا ولا فضّة، ولا قماشا، ولا سلاحا، وأنفذ جميع ما فى الخزائن فى الغزوات والجهاد، حتى فتح البلاد التى كانت بيد الفرنج.
_________________
(١) قال … والحرب: كتبت فى الأصل على هامش ص ١٢٣ آ.
[ 1 أ / ٢٤٧ ]
وكان له اشتغال بالعلم والحديث؛ وهو أول من اتّخذ قيام المؤذّنين فى أواخر الليل، وطلوعهم إلى المآذن (^١) للتسبيح حتى يطلع الفجر، واستمرّ ذلك إلى الآن.
وكان لا يلبس إلا الثياب القطن، والجبب الصوف، وقد عدّه اليافعى فى كتاب «روض الرياحين» أنّه من جملة الأولياء الثلاثمائة، ولما مات رثاه العماد الكاتب بقصيدة، منها:
شمل الهدى والملك عمّ شتاته … والدهر ساء وأقلعت حسناته
بالله أين الناصر الملك الذى … لله خالصة صفت نيّاته
أين الذى مازال سلطانا لنا … يرجى نداه وتتّقى سطواته
أين الذى شرف الزمان بفضله … وسمت على الفضلاء تشريفاته
أين الذى عيت الفرنج سيوفه … دولا ومنها أدركت ثاراته
أغلال أعناق العدى أسيافه … أطواق أجياد الورى مناته
وأما ما افتتح من البلاد فى أيامه، قال ابن السبكى فى «الطبقات»: ومن فتوحاته، قلعة أيلا، وطبرية، وعكّا، والقدس، وكان بيد الفرنج اثنتين وسبعين سنة.
وفتح مدينة الخليل أيضا، والكرك، والشوبك، ونابلس، وعسقلان، وبيروت، وصيدا، وبيسان، وغزّة، وصفورية، والعولة، وهمليا، والطور، والإسكندرية، وقبرس، ويافا، وأرسوف، وقيسارية، واللجون، ومسجد ناقول، وريحا، وحمص، والديدمر، وأنطرطوس، واللاذقية، ومهران، وجبلة، وقلعة الجماهرية، ودر مسايل، وبغراس، وصفد؛ وافتتح أكثر بلاد النوبة، وكانت بيد النصارى.
(١٢٤ أ) (^٢) ومن فتوحاته مصر من يدى بنى عبيد الفاطمية الرافضة، وفتح غالب
_________________
(١) المآذن: الموادن.
(٢) ص ١٢٤ آ، وص ١٢٤ ب، عبارة عن ورقة صغيرة ألصقت فى الأصل فى هذا الموضع، ويلاحظ ما فيها من تكرار.
[ 1 أ / ٢٤٨ ]
بلاد اليمن؛ وفتح دمشق، وحمص، وحماة، والمعرة، وكفر طاب، وبارين، ومنبج، وعزاز، وحلب، والموصل، وسنجار، والرّقة، وجعبر، والرحبة، والخابور، وآمد، ونصيبين، والرها، وميافارقين، وسروج، والكرك، والشوبك، وبيت المقدس، وكان بيدى الفرنج نحو اثنتين وسبعين سنة.
وفتح غزّة، وعسقلان، والرملة، وطبرية، وكوكب، وصفد، والطور، وبيت جبريل، وعكّا، وصيدا، وبيروت، والبطيرون، ونابلس، والداروم، وحيفا، والسارية، وشقيق، وصفورية، والناصرة، وتبنين، وهونين، وجبيل، وحصن الأكراد، وأنطرسوس، واللاذقية، وصهيون، وكداس، وبلاطنس، وسعربكاس، وصابورية، وبغراس، ورودس، ودرب ساك، وأنطاكية، وحارم، وخلاط، والداروم، والبرنس، وحفرى، وفتح مدينة الخليل، ﵇، وغير ذلك من البلاد والقلاع والحصون، انتهى ذلك من فتوحاته المشهورة عنه، تمت.
[وأما ما افتتح من بلاد المسلمين: حران، وسروج] (^١)، وشهرزور، والرها، والرّقة، والبيرة، وسنجار، ونصيبين، وآمد، وحلب، وأخذ الموصل بالأمان، قيل إنّه أقام يحاصر (^٢) عكّا سبعة وثلاثين شهرا حتى فتحها عنوة؛ وفتح مدينة طرابلس الغرب، ويرقة من بلاد المغرب؛ وأبطل فى أيامه ما كان يؤخذ من حجّاج المغاربة من المكوس، لأمير مكّة، وعوّضه عن ذلك أشياء كثيرة، وأبطل ذلك عنهم.
فكان حكم الملك الناصر صلاح الدين من مصر إلى الفرات، ومن مصر إلى بلاد المغرب، والحجاز، واليمن.
فلما عظم أمره، تلاشى أمر خليفة بغداد الناصر لدين الله أحمد، فأرسل يقول لصلاح الدين: «أنت تلقّبت بالناصر، وأنا ملقّب بالناصر، فما يعرف لقبى من لقبك، فتلقّب أنت بغير هذا اللقب»، فأرسل الناصر صلاح الدين يقول له: «أنا ما تلقّبت بهذا اللقب، وإنما لقّبنى به الخليفة العاضد بالله، لما ولاّنى الوزارة».
_________________
(١) وأما … وسروج: آخر سطر فى صفحة ١٢٣ ب.
(٢) يحاصر: يحصار.
[ 1 أ / ٢٤٩ ]
واستمرّ صلاح الدين على لقبه حتى مات؛ ثم تولّى من بعده ابنه العزيز بالله عثمان؛ انتهى ما أوردناه من أخبار الملك الناصر صلاح الدين يوسف، وذلك على سبيل الاختصار.