فيها وقع الطاعون بمدينة الفسطاط، وهو أول طاعون وقع فى الإسلام بمصر، فى زمن الصحابة؛ فلما تزايد أمر الطاعون، خرج عبد العزيز بن مروان من الفسطاط، وتوجّه إلى حلوان، وهى من قرى مصر، فأقام بها مدّة، وقيل ولد بها ابنه عمر العبد الصالح، الذى ولى الخلافة فى زمن الأموية.
فلما أقام بحلوان، فكانت الأخبار تأتى إليه فى كل يوم من الفسطاط إلى حلوان، بما يحدث فى البلد من أمر الموت، وعدّة من يموت بها، وغير ذلك.
قال ابن عفير: لما كان الأمير عبد العزيز بحلوان، كان له فى كل ليلة ألف جفنة، تصفّ حول داره، وهى ملآنة بالطعام، تفرّق على الفقراء والمساكين، ومعها الخبز، وكان له فى كل ليلة مائة حلّة كبيرة، تحمل على عجل، وفيها الطعام، تفرّق على قبائل العرب التى حوله.
واستمرّ على ذلك حتى طعن تحت إبطه، فلما كان ليلة الاثنين ثانى عشر جمادى الأولى، سنة ست وثمانين، توفّى الأمير عبد العزيز بن مروان، أمير مصر، توفّى بحلوان.
فلما أصبح الصباح، حمل فى نعش من حلوان إلى مدينة الفسطاط، وقد تغيّرت رائحته، فكان حول نعشه مجامر النار، وهى مطلوقة بالبخور، حتى دخل إلى الفسطاط، فدفن بها، رحمة الله عليه؛ وفيه يقول نصير الشاعر:
أين ربّ القصر النظير الذى شيّد … وأين العبيد والأجناد
أين تلك الجموع والأمر والنهى … وأعوانهم وأين السواد
_________________
(١) اثنتين: اثنين.
[ 1 أ / ١٢٢ ]
فكانت مدّة ولاية الأمير عبد العزيز بن مروان على مصر عشرين سنة، حتى مات، انتهى.
وفى أيامه توفّى عبد الرحمن بن حجيرة الخولانى، قاضى مصر، مات سنة ثمانين. - وتوفّى مالك بن شراحيل الخوانى، قاضى مصر، سنة خمس وثمانين من الهجرة.
قال ابن كثير: وفى أيام الأمير عبد العزيز بن مروان، توفّيت عزّة بنت جميل ابن عمرو الضمرى، ماتت فى هذا الطاعون سنة ست وثمانين، ودفنت بمصر، وكان أصلها من الجيزة، كما قيل؛ وكانت من أحسن النساء وجها، [وأفصحهم لسانا، وأحفظهم] (^١) لكلام العرب؛ وهى معشوقة كثير بن عبد الرحمن بن الأسود بن عامر، شاعر الإسلام، وقد افتتن بحبّ عزّة حتى ضرب به المثل، وله فيها القصائد السنيّة، فمن ذلك قوله فيها:
وسعى إلىّ بهجر عزّة نسوة … جعل الإله وجوههن نعالها
الله يعلم لو جمعن وعزّة … لاخترت قبل تأمّلى تمثالها
ولو أنّ عزّة حاكمت شمس الضحى … فى الحسن عند مؤمّر لقضى لها
قيل كان لكثير غلام، خرج فى تجارة له، فلما دخل مصر، أتت إليه امرأة تطلب منه ثيابا، فوقفت عليه وهى لا تعرف أنّه غلام (^٢) كثير، فابتاعت منه لعزّة ثيابا، ولم تدفع له الثمن، فكان الغلام يتردّد إلى بيت عزّة بسبب المطالبة، وقد مطلته، فأنشد ذات يوم قول مولاه كثير:
قضى كل ذى دين ووفّى غريمه … وعزّة ممطول معنى غريمها
فقالت له المرأة التى ابتاعت منه الثياب: «أتعرف عزّة التى قيل فيها ذلك»؟ قال: «لا»، قالت: «هى صاحبة هذه الدار التى ابتاعت منك الثياب»، فقال الغلام: «وأنا غلام كثير، وأنا أشهد الله أنّ الثياب التى [ابتاعتهم منى، لا آخذ لهم] (^٣) ثمنا».
_________________
(١) وأفصحهم … وأحفظهم: كذا فى الأصل.
(٢) غلام: غلاما.
(٣) ابتاعتهم … لهم: كذا فى الأصل.
[ 1 أ / ١٢٣ ]
فلما مضى الغلام إلى كثير، وأخبره بما جرى له مع عزّة، فقال له كثير: «وأنا أشهد أنّك حرّ لوجه الله تعالى، وما بقى معك من المال فهو لك، جزاء لما صنعت من ذلك».
قال ابن كثير: إنّ أخت عمر بن عبد العزيز، ﵁، قالت لعزّة:
ما معنى قول كثير فيك:
قضى كل ذى دين ووفّى غريمه … وعزّة ممطول معنى غريمها
«فما كان هذا الدين»؟ قالت عزّة: «لقد وعدته بقبلة ولم أنجزها (^١) له»، فقالت أخت عمر بن عبد العزيز، وكانت من النساء العابدات الصالحات: «انجزيها له، وعلىّ إثمها»، ثم إنّها أعتقت أربعين جارية لأجل قولها «وعلىّ إثمها»، انتهى.
فلما بلغ كثير موت عزّة، أتى إلى مصر، وزار قبر عزّة، وبكى عنده ورثاها بقصائد سنية.
قيل لما ماتت عزّة، تغيّر شعر كثير بعدها، فقال له قائل: «ما بال شعرك قد قصّرت فيه»؟ فقال: «ماتت عزّة، فلا أطرب، وذهب الشباب، فلا أعجب، ومات عبد العزيز بن مروان، فلا أرغب».
واستمرّ كثير بعد عزّة فى ذهول، حتى مات سنة سبع ومائة، ودفن بمصر، وقيل مات سنة خمس ومائة (^٢)، انتهى ذلك.
[وتوفّى فى أيامه عقبة بن مسلم النجيبى المصرى التابعى، كان إمام جامع عمرو ابن العاص، مات عن إحدى وتسعين سنة.
وفى سنة ثمان وستين من الهجرة، توفّى القاضى غوث، قاضى مصر، وهو أول قاض ركب مع الشهود لرؤية (^٣) هلال شهر رمضان، وسمع البيّنة، وثبت عليه] (^٤).
_________________
(١) أنجزها: أنجزتها.
(٢) خمس ومائة: خمس مائة.
(٣) لرؤية: لريت.
(٤) وتوفى … وثبت عليه: كتبت فى الأصل على هامش ص (٦١ ب).
[ 1 أ / ١٢٤ ]
وفى أيامه توفّى يرفس بن عطية الحضرمى، قاضى مصر، وكان على الشرط أيضا، مات سنة ست وثمانين.
وفى سنة سبعين تولّى قضاء مصر الفضل بن فضالة، أقام مدّة يسيرة وعزل نفسه عن القضاء.
ثم تولّى بعد الأمير عبد العزيز، الأمير عبد الله بن عبد الملك بن مروان؛ قال الليث بن سعد، ﵁: كان الأمير عبد الله حديث السنّ، فكان أهل مصر يسمّونه: «مكنس»؛ وهو أول من نقل الدواوين إلى العربية، وكانت بالعجمية؛ وهو أول من نهى الناس عن لباس البرانس السود. - ثم إنّ عبد الله أقام على ولاية مصر، نحو خمس سنين وأشهر.
وفى أيامه توفّى سهل بن سعد بن مالك بن خالد الأنصارى الساعدى، ﵁، قدم مصر فى أيام مسلمة بن مخلد، وكان من مشاهير الصحابة؛ مات سنة إحدى وتسعين، وعاش من العمر نحو مائة سنة.