قال الشيخ شمس الدين الذهبى: إنّ كافور كان خصيّا حبشيّا، اشتراه الإخشيد من بعض أهل مصر بثمانية عشر دينارا؛ ولم يل (^١) مصر خصىّ غير كافور؛ ويونس المظفرى، الذى ولى سلطنة العراق، وكان خصيّا أيضا.
فلما ولى كافور خطب له على منابر الديار المصرية، وأعمالها، وكذلك الشام والحجاز، ودعى باسمه على المنابر، وكان يكتب علامته على المراسيم «القلم بمدّه، والسيف بحدّه، والعبد بسعده، لا بأبيه ولا بجدّه».
ومن النكت اللطيفة، قيل: دخل على كافور، فى يوم عيد، طائفة من الحبش، وهم يرقصون، ومعهم طبول وطنبور، فلما رقصوا بين يديه، طرب لذلك وحرّك كتفه، ثم إنّه استدرك فارطه، فصار يحرّك كتفه فى كل ساعة من الليل والنهار، حتى مات، وقال: «هذا مرض يعترينى»، ولم يخرج عن ناموسه.
ومن النكت اللطيفة، قيل: كان بمصر واعظ (^٢) يعظ الناس، فقال يوما فى مجلس وعظه، وكافور حاضر ذلك المجلس: «أيها الناس انظروا إلى هوان الدنيا على الله تعالى، فإنّه أعطاها لمقصومين ضعيفين، وهما: الحسن بن بويه استولى على بغداد وهو أشل بيده، وأعطى كافورا ملك مصر وهو خصىّ»، فرفع كافور طرفه إليه، فظنّوا الناس أنه يوقع به فعلا، فلما فرغ من وعظه، دفع إليه مائة دينار، وأخلع عليه خلعة سنيّة.
فلما كان المجلس الثانى، حضر كافور على عادته، فقال الواعظ: «ومن العجائب أن ما أنجب من بنى حام غير ثلاثة: لقمان الحكيم، وبلال مؤذّن رسول الله، ﷺ، وكافور الخصىّ»، فطربوا الناس لذلك، فكان كافور كما قيل فى المعنى من هذين البيتين:
أصون عرضى بمالى لا أدنسه … لا بارك الله دون العرض فى المال
_________________
(١) ولم يل: ولم يلى.
(٢) واعظ: واعظا.
[ 1 أ / ١٨٠ ]
أحتال للمال أن أوذى فأكسبه … ولست للعرض إن أوذى بمحتال
قال محمد بن عبد الملك الهمذانى: كان كافور وافر العقل، سخىّ النفس، كثير الحلم.
ومما حكاه أبو جعفر بن عبد الله بن طاهر العلوى، قال: كنت أساير الأمير كافور يوما، وهو راكب فى موكب خفيف من العسكر، فسقطت مقرعته من يده، فبادرت بالنزول، وأخذتها من الأرض، ودفعتها له؛ فقال: «أيها الشريف، أعوذ بالله من بلوغ هذه الغاية، وما ظننت أنّ الزمان يبلّغنى حتى يفعل بى مثل هذه الفعلة»، ثم بكى؛ فلما وصل إلى باب داره ودّعته، ومضيت إلى منزلى، فلم ألبث إلا ساعة يسيرة، وإذا أنا بالبغال وعليها شكائر محمّلة، فدخلوا بها دارى، ففتحتها واستعبرتها، فإذا فيها دنانير من الذهب، عدّتها خمسة عشر ألف دينار.
وهذه الأخبار تحار فيها العقول، كما قيل:
إذا قرأت كتابا … فاضت دموعى الهوامى
فليست الكتب عندى … إلا قبور الكرام
ومن الوقائع المستحسنة أنّ فى زمن كافور، وقعت زلزلة عظيمة بمصر، فخاف الناس من ذلك وهربوا إلى الصحارى، وظنّوا أنّها القيامة، فدخل محمد بن عاصم الشاعر على كافور، وأنشده قصيدة عظيمة، فمن جملتها هذا البيت:
ما زلزلت مصر من خوف يراد بها … لكنها رقصت من عدله طربا
فتفاءل كافور بذلك، وأجاز محمد بن عاصم بألف دينار؛ فلما بلغ أبو الطيب المتنبّى أفعال كافور، وجوائزه السنية، أتى من بغداد، ودخل مصر، وامتدح كافور بقصائد سنيّة، فمن جملة ذلك هذه الأبيات:
قواصد كافور توارك غيره … ومن ورد البحر استقلّ السواقيا
فجاءت بنا إنسان عين زمانه … وخلت بياضا خلفها ومآقيا
وللنفس أخلاق تدلّ على الفتى … أكان سخاء ما أتى أم تساخيا
قيل لما دخل المتنبّى مصر، كان فى كبكبة عظيمة من حاشيته ومماليكه وغلمانه،
[ 1 أ / ١٨١ ]
وكان يلبس عمامة خضراء، ويشدّ فى وسطه منطقة وسيفا، وكان يلبس فى رجله أخفافا حمراء من جلد، وكان ينسب إلى بخل عظيم، مع ما كان بيده من سعة المال؛ قيل لما دخل مصر، كان يحضر سماط كافور، ومعه عبد أسود، بقدر خزف، يأخذ فيها فضلات الطعام لغلمانه، وقد هجاه ابن لنكك بقوله:
ما أوقح المتنبّى … فيما حكى وادّعاه
ابتج مالا عظيما … لما أباح قفاه
يا سائلى عن غناه … من ذاك كان غناه
إن كان ذاك نبيّا … فالجاثليق إلاه
قيل لما دخل المتنّبى إلى مصر فى هذه الكبكبة، تخيّل منه كافور، وقصد القبض عليه، فلما بلغ المتنبّى ذلك، هجا كافور، ورحل عن مصر تحت الليل، ومما هجاه به:
العبد ليس بحرّ صالح بأخ … لو أنّه فى ثياب الحرّ مولود
لا تشترى العبد إلا والعصا معه … إنّ العبيد لأنجاس مناكيد
من علّم الأسود المخصىّ مكرمة … أقومه البيض أم آباؤه الصيد
أم أذنه فى يد النخاس دامية … أم قدره وهو بالفلسين مردود
وذاك أنّ الفحول البيض عاجزة … عن الجميل فكيف الخصية السود
فلما تطلّبه كافور، لم يقدر عليه، فقيل لكافور: «وما قدر هذا حتى توهّمت منه»؟ فقال: «هذا رجل أراد أن يكون نبيّا بعد محمد، ﷺ، فهلاّ يروم أن يكون ملكا بمصر»؟ وكان مولد المتنبّى بالكوفة سنة ست وثلثماية، وكان اسمه محمد بن حسن أبو الطيب، أقام بمصر أربع سنين، وقتل فى رمضان سنة أربع وخمسين (^١) [وثلثماية]؛ قيل لما أحاطوا به ليقتلوه، فهمّ بالهروب، فقال له عبده: أين قولك يا سيدى:
الخيل والليل والبيداء تعرفنى … والسيف والرمح والقرطاس والقلم
_________________
(١) وخمسين: وخمسماية. [وثلثماية]: تنقص فى الأصل.
[ 1 أ / ١٨٢ ]
فلما سمع ذلك، قال: «قتلتنى يا فلان»، وثبت مكانه حتى قتل صبرا، انتهى ذلك.
[وفى سنة اثنتين وثمانين وثلثماية، فى ذى الحجّة، كانت وفاة الصاحب يعقوب ابن يوسف بن إبراهيم بن هرون بن داود بن كلس، وكان أصله يهوديا (^١) وأسلم، وحسن إسلامه؛ وكان مولده ببغداد، ثم قدم إلى مصر سنة إحدى وثلاثين وثلثماية، وكان يدّعى أنّه من ولد السموءل بن عاديا] (^٢).
ومن الحوادث فى أيام كافور، أنّ النيل بلغ فى الزيادة إلى اثنى عشر ذراعا وتسعة عشر أصبعا، ثم انهبط فشرقت البلاد، ووقع الغلاء بمصر، وذلك سنة ست وخمسين وثلثماية.
وفى سنة ثمان وخمسين وثلثماية، توفّى أبو بكر بن محمد بن موسى بن عبد العزيز الكندى، المعروف بسيبويه النحوى.
قال الكندى: كان من آثار عجائب مصر حوض من رخام أخضر، وهو مدوّر، وعليه كتابة بالقلم القديم، وهذا الحوض كان فى بحر النيل عند طرا، وكان إذا جلس فيه واحد من الناس، أو أربعة، وحرّكوه، فيعدّى بهم من جانب إلى جانب، فأخذه كافور من البحر، وألقاه فى البرّ، فبطل فعله من يومئذ.
وفى أيامه وقع حريق عظيم فى سوق البزّازين، بمدينة الفسطاط، وعملت النار إلى قيسارية العسل، ودخل الليل والنار على حالها، فبات الناس على وجل من ذلك، فركب كافور وأمر المنادى ينادى، بأنّ من جاء بقربة فيها ماء فله مائة درهم، فجاء الناس بالقرب وأطفأوا النار؛ فكان عدّة ما احترق من الدور ألف وسبعمائة دار، غير البضائع والأقمشة وغير ذلك.
وتوفّى فى أيامه محمد بن عبد الله المعافرى، شيخ القراء، مات سنة سبع وخمسين وثلثماية.
_________________
(١) يهوديا: نصرانيا.
(٢) وفى سنة … عاديا: كتبت فى الأصل على هامش ص ٨٩ ب.
[ 1 أ / ١٨٣ ]
قال الشيخ شمس الدين الذهبى: «كان راتب كافور فى مطبخه فى كل يوم، ألفى رطل من اللحم البقرى، وسبعمائة رطل من اللحم الضأن، ومائة طير أوز، وثلثماية طير دجاج، وثلثماية فرخ حمام، وعشرين فرخ سمك كبار، وعشرين رميسا رضّعا، وثلثماية صحن حلوى، وسبعة أفراد فاكهة، وألف كوز فقاع، ومائة قرابة سكّر، وعشرة قناطير سكّر، وألف كماجة من الخبز، وخمسة أفراد بقولات؛ وكان يحضر على سماطه الخاص والعام.
واستمرّ كافور على ذلك حتى مات فى جمادى الأولى سنة سبع وخمسين وثلثماية، وكانت مدّة ولايته على مصر سنتين وأربعة أشهر؛ ودفن فى القرافة الصغرى رحمة الله عليه.
ولما مات تولّى بعده الأمير أحمد بن على بن أبى بكر بن محمد بن طقج الإخشيدى، وكان يعرف بأبى الفوارس، تولّى وله من العمر إحدى وعشرين سنة؛ فلما تولّى لم تستقم أحواله، واضطرب أمر الديار المصرية، ووقع بها الغلاء الشديد، فأقام مدّة يسيرة والأحوال غير صالحة.
ثم إنّ أعيان الديار المصرية، كاتبوا المعزّ الفاطمى، وكان ببلاد الغرب: «بأنّك تجئ تملك (^١) مصر، قبل [أن] (^٢) يملكها بنو العبّاس»؛ فأرسل جوهر الصقلّى، القائد، إلى مصر، ومعه مائة ألف فارس من عساكر الغرب، فكان دخول جوهر إلى مصر، فى يوم الجمعة تاسع عشر شعبان سنة ثمان وخمسين وثلثماية، فملك مصر من غير قتال، ولا مانع.
فلما دخل جوهر إلى مصر، هرب أبو الفوارس، وجماعة الإخشيدية، وهو آحر من ملك مصر من الإخشيدية، وبه زالت دولتهم عن آخرها.
قال بعض المؤرّخين: تولّى على مصر اثنان وسبعون أميرا، أوّلهم عمرو بن العاص، ﵁، وآخرهم أبو الفوارس أحمد الإخشيدى، ولم ينفرد بخراجها غير الأمير أحمد بن طولون.
_________________
(١) تجئ تملك: يجى يملك.
(٢) [أن]: تنقص فى الأصل.
[ 1 أ / ١٨٤ ]
فلما دخل جوهر، القائد، إلى مصر، فى يوم الجمعة، وقيل دخلها يوم الثلاثاء (^١)، أمر خطباء جامع عمرو بن العاص، وجامع العسكر، وجامع ابن طولون، أنّ يخطبوا فى ذلك اليوم باسم المعزّ، فخطبوا؛ ثم أمر المؤذّنين أن يجهروا فى الأذان: «بحىّ على خير العمل»، فشقّ ذلك على الناس.
ثم أنشد محمد بن هانئ الأندلسى، شاعر الغرب، قصيدة مطوّلة، مدح فى المعزّ، وحطّ فيها على خلفاء بنى العبّاس، فكان مطلعها هذا البيت:
تقول بنى العبّاس هل أخذت مصر … فقل لبنى العبّاس قد قضى الأمر
ثم إنّ جوهر لما دخل مصر، لم تعجبه مدينة الفسطاط، فشرع فى بناء القاهرة، قال الشيخ شمس الدين الذهبى: لما أراد الأمير جوهر، القائد، أن يبنى سور القاهرة، جمع الفلكية وأمرهم بأن يختاروا له طالعا سعيدا، حتى يضع فيه أساس المدينة، فجعل على كل جهة من أساس المدينة، قوائم من الخشب، وبين كل قائمتين (^٢) منها حبلا، وفيه أجراس من نحاس، ثم وقف الفلكية ينتظرون دخول الساعة الجيّدة، والطالع السعيد، حتى يضعوا فيه الأساس؛ وكان لهم إشارة مع البنّائين، أنّهم إذا حرّكوا (^٣) لهم تلك الحبال، التى فيها الأجراس، فيلقوا ما بأيديهم من الحجارة، إذا سمعوا حسّ الأجراس.
فبينما هم واقفون لانتظار الساعة السعيدة، فاتّفق أنّ غرابا وقع على تلك الحبال، فتحرّكت الأجراس التى بها، فظنّ البنّاءون أنّ الفلكية حرّكوا لهم الحبال التى فيها الأجراس، فألقوا ما بأيديهم من الحجارة فى الأساسات التى حفروها للسور، فصاح عليهم الفلكية: «لا، لا، القاهر فى الطالع»، يعنون المريخ، وهو اسمه عندهم القاهر، فقضى الأمر، وخانهم ما قصدوا له من الطالع السعيد، كما قيل:
يريد المرء أن يعطى مناه … ويأبى الله إلا ما أراد
قال الفلكية: «اعلموا أنّ هذه المدينة أكثر من يملكها الأتراك»، وكان
_________________
(١) قيل دخلها يوم الثلاثاء: كتبت فى الأصل على هامش ص ٩٠ ب.
(٢) قائمتين: قائمة.
(٣) حركوا: حركون.
[ 1 أ / ١٨٥ ]
الأمر كذلك، وكان بناء سور القاهرة سنة تسع وخمسين وثلثماية من الهجرة.
وكان الذى بناه جوهر، القائد، من سور القاهرة، بالطوب اللبن، وآثاره باقية عند الباب الجديد بالقرب من البرقية.
وأما السور الموجود الآن، بناه الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وبناه بالحجر الفصّ المنحوت، وكان القائم على بنائه الأمير بهاء الدين قراقوش، الخصّى الحبشى، ذكر ذلك ابن الأثير.
فلما فرغ الأمير جوهر من بناء السور، بنى (^١) قصر الزمّرد، وجعله دار المملكة؛ وكان قصر الزمّرد مكان دار الضرب.
فلما فرغ الأمير جوهر من بناء السور، أرسل يعرّف المعزّ بذلك، ويستحثّه فى الدخول إلى مصر.
ثم جاءت الأخبار بأنّ المعزّ قد وصل إلى ثغر الإسكندرية، فخرج الناس قاطبة إلى ملتقاه، وكان دخوله إلى الإسكندرية فى شعبان سنة اثنتين وستين وثلثماية.
فخرج إليه قاضى مصر، أبو الطاهر الدبلى، فلما دخل عليه جلس إلى جانبه، ثم إنّه سأله: «هل رأيت خليفة أفضل منى»؟ فقال القاضى أبو الطاهر: «لم أر أحدا من الخلائق سوى أمير المؤمنين»، ثم قال له: «هل حججت»؟ قال: «نعم»، قال:
«وزرت قبر رسول الله، ﷺ»؟ قال: «نعم»، قال: «وزرت قبر أبى بكر، وعمر»؟
فتحيّر القاضى، ماذا يقول، وكان المعزّ يميل إلى مذهب الرفض، ثم نظر إلى الأمير نزار بن المعزّ، وهو قائم على رأس أبيه مع الأمرا، فقال القاضى: «شغلنى عنهما زيارة رسول الله، ﷺ، كما شغلنى أمير المؤمنين عن السّلام على ولىّ العهد له الأمير نزار»، ثم قام وسلّم عليه، ثم رجع إلى جانب المعزّ.
فلما كان يوم الجمعة خطب المعزّ بجامع الإسكندرية خطبة بليغة، وفضّل نفسه على خلفاء بنى العبّاس، ثم توجّه من الإسكندرية إلى مصر، فدخلها فى خامس شهر رمضان سنة اثنتين وستين وثلثماية، فنزل بقصر الزمرّد، الذى أنشأه جوهر، القائد.
_________________
(١) بنى: بنا.
[ 1 أ / ١٨٦ ]