قال ابن وصيف شاه: لما تولّى الأمير خمارويه على مصر، مشى على نظام والده أحمد، وأبقى الجند على حالهم؛ وكان يحبّ الجياد من الخيل، وكان لها أنساب مثبوتة فى الدواوين، كأنساب الناس.
وكان مولعا بالعمائر وغرس الأشجار؛ قيل إنّه أنشأ له، بالقرب من جامع أبيه، ميدانا، ونقل إليه الأشجار من سائر البلاد، حتى من خراسان ومكّة واليمن، فكان به سائر الفواكه والرياحين، حتى الكادى والقرنفل والسنبل والزعفران، وغير ذلك من الرياحين والزهور، والأشياء الغريبة، التى لم تزرع قط بمصر.
_________________
(١) فرس: فرسا.
(٢) بغل: بغلا.
(٣) جمل: جملا.
(٤) مركب: مركبا.
(٥) وارض بها: وارضبها.
(٦) سمعت: سمعة.
[ 1 أ / ١٦٩ ]
وجعلها كالسطور، تقرأ بألفاظ، مثل: «نصر من الله، وفتح قريب»، وما أشبه ذلك؛ ووكّل بها جماعة بأيديهم مقاريض من الذهب والفضّة، يصلحون ما يفسد من الأوراق، ويخرج عن قالب الاعتدال من الخروف؛ وكان يسحق المسك والكافور، وينثره على تلك الرياحين والأزهار، وقد قيل فى المعنى:
بستان مجلسك الجنىّ ثماره … لم يبد إلا وهو فى أكمام
والزهر مختلف به ألوانه … ولقد يجلّ ثراه عن نمام
ثم إنّه ألبس قوائم الأشجار الكبار بالنحاس الأصفر، وطلى (^١) فوقه بالذهب، فكانت الشمس إذا طلعت على تلك الأشجار، لا يقدر أحد أن ينظر إليها، من شدّة اتّقادها تكاد تخطف بالأبصار.
ثم صنع فى ذلك البستان بحرة كبيرة، وملأها من الزئبق، وكان يضع له على ذلك (^٢) الزئبق فراشا من جلد الحيّات (^٣)، أنعم من الحرير، وله حركات، يمتلئ بالريح، ثم يسدّ فاه بحبل، ويطرح له فراش على ذلك الجلد، وينام عليه.
قال بعض المؤرّخين: إنّ خمارويه كان يعتريه ضربان المفاصل، فكان لا ينام الليل، فصنع له ذلك لعلّ يجد له راحة، وينام ساعة.
[وفى سنة ثمان وسبعين ومائتين، ظهر فيه نجم الذنب، وكان له ذؤابتان، ثم طارت منه ذؤابة، وبقيت الأخرى أياما، ثم اضمحلّ جميعه، فتطيّر الناس من ذلك.
وفى أيامه سنة ثمان وسبعين ومائتين، احترق بحر النيل جميعه، حتى لم يبق (^٤) منه شئ، فكان الناس يشربون من الحفائر، وهذا شئ لم يعهد بمثله فيما تقدّم] (^٥).
قال ابن وصيف شاه: خرج خمارويه يوما إلى الفضاء فلقيه أعرابى، فأخذ بعنان فرسه، وأنشد يقول:
_________________
(١) وطلى: وطلا.
(٢) ذلك: تلك.
(٣) الحيات: الحياة.
(٤) لم يبق: لم يبقى.
(٥) وفى سنة … بمثله فيما تقدم: كتبت فى الأصل على هامش ص ٨٣ آ.
[ 1 أ / ١٧٠ ]
إنّ السنان وحدّ السيف لو نطقا … لحدّثا عنك فى الهيجاء بالعجب
أفنيت مالك تعطيه وتبذله … يا آفة الفضّة البيضاء والذهب
فلما سمع خمارويه ذلك، قال لغلامه: «ادفع إليه ما معك فى الخريطة»، فوجد فيها خمسمائة درهم (^١)، فقال الأعرابى: «زدنى أيها الأمير، فمثلك من يزد»، فقال خمارويه للمماليك: «اطرحوا عليه مناطقكم وسيوفكم»، وكانت مسقّطة بالذهب، فقال الأعرابى: «ومن يحمل لى ذلك»؟ فأمر له يبغل، فحمّل ذلك عليه ومضى.
[وفى أيامه توفّى الحارث بن مسكين بن يوسف الأموى، قاضى مصر، ولد سنة أربع وخمسين ومائة، ومات سنة خمسين ومائتين، فى دولة أحمد بن طولون.
وفى سنة ست وسبعين ومائتين، توفّى قاسم بن محمد ابن قاسم الأموى القرطبى، صاحب «التذكرة»، ﵀] (^٢).
وفى سنة ثمانين ومائتين، توفّى القاضى بكار بن قتيبة بن راشد الثقفى الحنفى، ﵁، وكان من ولد أبى بكر الصحابى، تولّى القضاء بمصر فى أيام الخليفة المتوكّل على الله، سنة ست وأربعين ومائتين؛ وكان مولده سنة اثنتين وثمانين ومائة، وكان حنفى المذهب، وهو شيخ الطحاوى؛ مات فى المحرّم من تلك السنة، ودفن مقابل تربة الإمام الشافعى، ﵀.
وفى هذه السنة أرسل للعتضد بالله، خليفة بغداد، يخطب قطر الندى، بنت الأمير خمارويه، فأمهرها الخليفة المعتضد مائة ألف دينار، ومائة ألف شقّة حرير ملوّن؛ فخرجت من مصر إلى بغداد، وكان معها من القماش والأوانى ما لا يحصر، حتى قيل نقل جهازها من مصر إلى بغداد فى ستة أشهر، فكان من جملة ما ذكر من جهازها، مائة هاون ذهب، وألف سروال حرير، وفى تكّة كل سروال جوهرة قدر بيضة الحمامة؛ فلما وصلت إلى بغداد، ودخل عليها المعتضد، فأحبّها حبّا شديدا.
قيل إنّه وضع يوما رأسه فى حجرها ونام، فلما غرق فى النوم تلطّفت
_________________
(١) درهم: درهما.
(٢) وفى أيامه … ﵀: كتبت فى الأصل على هامش ص (٨٣ ب).
[ 1 أ / ١٧١ ]
به حتى أزالت رأسه عن حجرها، ووضعتها على وسادة، فلما انتبه من منامه، ناداها، فأجابته من مكان قريب، فقال لها: «قد أسلمت نفسى إليك ونمت على حجرك، فتركتينى ومضيت (^١) عنى، أكلّيت (^٢) منى»؟ فقالت: «والله لم أكن كلّيت من أمير المؤمنين، إنّ مما أدّبنى به والدى أن لا أجلس مع النيام، ولا أنام مع الجلوس»، فاستحسن منها ذلك، وأقامت معه حتى مات، وقيل فى المعنى:
كن ابن من شئت واكتسب أدبا … يغنيك مضمونه عن النسب
إنّ الفتى من يقول ها أنا ذا … ليس الفتى من يقول كان أبى
واستمرّ خمارويه على ولايته بمصر، حتى هجم عليه بعض خدّامه فى الليل، وذبحه وهو نائم فى فراشه، وكانت قتلته فى ذى الحجة سنة اثنتين وثمانين ومائتين، وكانت مدّة ولايته بمصر نحو اثنتى عشرة سنة وشهر.
ثم تولّى من بعده ابنه أمير جيوش (^٣)، ويعرف أيضا بالأفضل، وهو صاحب السوق المعروف به.
قال القضاعى: إنّ الأفضل هذا هو الذى بنى (^٤) المسجد المطلّ على بركة الحبش، المعروف الآن بالرصد، وإنما سمّى بالرصد، قيل: كان فوقه كرة من نحاس أصفر، قدرها قنطار، وهى قائمة على عمد من رخام، بسبب تحرير الساعات، لأجل دخول أوفات الصلوات؛ ولم ينسب إلى الحاكم بأمر الله من بنائه شئ، وإنما هى إشاعة بين الناس فى نسبته إلى الحاكم بأمر الله. - وهو حفر خليج أبى المرجا، وكان المتولّى أمر حفره أبو المرجا شعيا اليهودى، فعرف به.
ومن الحوادث فى أيامه، قد هاجت ريح سوداء، واشتدّ هبوبها وأظلم الجوّ حتى ظهرت النجوم بالنهار، فارتاع الناس من ذلك، ثم توجّهوا إلى المساجد يبتهلون إلى الله بالدعاء، فلم تزل الرياح عاصفة (^٥) إلى بعد المغرب، حتى سكن الحال.
_________________
(١) ومضيت: ومضيتى.
(٢) أكليت: أكليتى.
(٣) أمير جيوش: كذا فى الأصل.
(٤) بنى: بنا.
(٥) عاصفة: عاصف.
[ 1 أ / ١٧٢ ]
[قال ابن الجوزى: إنّ فى سنة ثمان وسبعين ومائتين، جاءت الأخبار من مصر إلى بغداد، بأنّ النيل قد غار عن آخره، ولم يبق منه شئ؛ وهذا من العجائب التى لم يسمع بمثلها من قديم الزمان إلى الإسلام، وفى هذه الواقعة يقول القائل:
تقاصر النيل عنا … تقاصرا متتابع
حتى قنعنا اضطرارا … منه بمصّ الأصابع
وهذه الواقعة من النوادر] (^١).
واستمرّ أمير الجيوش على ولايته بمصر حتى قتل أيضا، فكانت مدّة ولايته على مصر نحو سنة؛ ولما مات دفن فى مسجد بحارة برجوان.
ثم تولّى بعده الأمير هرون بن خمارويه. - ومن الحوادث فى أيامه أنّ شخصا يسمّى أبو الحسن الخراسانى، توجّه إلى نحو أطفيح، هو وجماعة من أصحابه، فوجدوا فى بعض الدفائن شربة زجاج أزرق، بعروة خضراء، فأخذها أبو الحسن المذكور، وجاء إلى شاطئ النيل وملأ منه تلك الشربة، وناولها لبعض أصحابه ليشرب منها، فوجده خمرا مسكرا، طيب الرائحة، أحمر اللون، ولم يكونوا يعلمون ما فى هذه الشربة من السرّ؛ فلما علموا شأنها، فرام كل أخذ منهم أخذها، فتخاصموا عليها، فوقعت من بين أيديهم وانكسرت، فوجدوا فيها شخصا لطيفا من نحاس أصفر، وتحت رجله عنبة، وهو يعصرها.
فلما شاع أمرهم بين الناس، أحضرهم الأمير هرون بين يديه، فوجد الشربة قد كسرت، فأسف عليها واغتمّ لذلك، ثم قال: «لو كانت صحيحة لشريتها ببعض ملكى»، وكانت هذه الشربة من صنعة الحكماء اليونانية.
وفى أيامه وقعت زلزلة بمصر، حتى وصلت إلى الإسكندرية، وسقط منها رأس المنار، وكانت زلزلة عظيمة جدّا.
واستمرّ الأمير هرون على ولايته بمصر، حتى دخل عليه عمّاه: شيبان وعدى، وهما ابنا الأمير أحمد بن طولون، فقتلاه وكان ثملا، فقتل فى فراشه؛ وكانت مدّة
_________________
(١) قال ابن الجوزى … من النوادر: كتبت فى الأصل على هامش ص ٨٤ ب.
[ 1 أ / ١٧٣ ]
ولايته على مصر نحو تسع سنين إلا أشهر.
وفى أيامه توفّى المسبحى (^١) المؤرخ، سنة أربع وثمانين ومائتين.
ثم تولّى بعد الأمير هرون، عمّه شيبان، الذى قتله، وكان يعرف بأبى المقانب؛ فكانت مدّة ولايته على مصر اثنى عشر يوما، كما قيل:
فغضّ الطرف إنك من نمير … فلا كعبا بلغت ولا كلابا
والأمير شيبان هذا هو آخر من تولّى على مصر من بنى طولون، وبه زالت دولتهم كأنها لم تكن.