قال إبراهيم بن وصيف شاه: إنّ طولون كان أصله تركى الجنس، أهداه نوح ابن أسد الشامانى، عامل بخارى، إلى الخليفة المأمون، سنة مائتين من الهجرة، فأعتقه المأمون، وسرّره بجارية اسمها هاشم، فولد له منها ابنه أحمد هذا، سنة أربع عشرة ومائتين، وقيل سنة عشرين ومائتين، واستمرّ طولون، حتى مات سنة أربعين ومائتين.
قال ابن عساكر: فانتشى أحمد فى بغداد، وكان عالى الهمّة، شجاعا بطلا، سعيد الحركات، أقبلت له الأيام.
قيل إنّ عسكر بغداد قالوا له: اقتل الخليفة المستعين بالله ونحن نوليك على واسط، فأبى من ذلك، وقال: مالى وقتل الخلفاء؟ فلما بلغ المستعين ذلك، عظم أحمد بن طولون فى عينه، وولاّه على مصر، وأضاف إليه الثغور الشامية، والعواصم، وأفريقية، وسائر الثغور من أعمال الديار المصرية.
قال ابن وصيف شاه: لما دخل الأمير أحمد بن طولون إلى مصر، كان ضيّق الحال، يحتقره من يراه، وكان بمصر شخص (^١) من أعيان مصر، يقال له على بن معبد البغدادى، وكان فى سعة من المال، فلما بلغه حضور الأمير أحمد، خرج إلى تلقّيه، فلما رآه فى ضيق حال، بعث إليه عشرة آلاف دينار، فقبلها منه، ورأى لها موقعا؛ فحظى ذلك الرجل عنده، وصار لا يتصرّف فى شئ من أحوال الديار المصرية إلا برأيه، وصار من أخصائه.
قال ابن وصيف شاه: لما ولى الأمير أحمد على مصر، تسلّمها من أحمد بن المدبر، وقد تلاشى أمرها، وانحطّ خراجها؛ فاهتمّ الأمير أحمد فى عمارة جسورها، وبناء قناطرها، وحفر خلجانها، وسدّ ترعها.
فاستقامت أحوال الديار المصرية فى أيامه، ووقع العدل والرخاء فى أيامه، حتى
_________________
(١) شخص: شخصا.
[ 1 أ / ١٦١ ]
قيل أبيع كل عشرة أرادب بدينار، وعلى هذا فقس فى جميع الغلال والبضائع؛ ووصل خراج مصر فى أيامه مع وجود الرخاء، أربعة آلاف ألف دينار وثلثماية ألف دينار، غير ما يتحصّل من المكوس.
قال ابن وصيف شاه: خرج الأمير أحمد بن طولون يوما على سبيل التنزّه، فتوجّه إلى نحو الأهرام، فبينما هو راكب إذ غاصت قوائم فرسه فى الأرض، فأمر بكشف ذلك المكان، فلما كشف، فإذا هو كنز فيه دنانير ذهبا، كل دينار قدر الرغيف؛ ووجد به إنسان ميّت، فكان طول كل عظمة من أضلاعه أربعة عشر شبرا، وعرضه نحو شبر؛ ثم إنّ الأمير أحمد نقل ذلك المال إلى خزائنه.
قال صاحب «مرآة الزمان»: إنّ أحمد بن طولون أرسل جثّة هذا الميّت إلى بغداد، حتى شهدها الخليفة.
فلما ظفر بهذا الكنز اتّسع حاله وعظم أمره، فاستكثر من مشترى المماليك الديالمة، حتى بلغت عدّتهم أربعة وعشرون ألفا؛ وبالغ فى مشترى العبيد الزنج، حتى بلغ عدتهم نحو أربعين ألفا؛ واستكثر من شناترة العرب الحوف، حتى بلغ عدّتهم سبعة آلاف شنتيرا، فعند ذلك سطا على الخلفاء، وادّعى الخلافة لنفسه بمصر، وانفرد بخراجها، فحاربه الخليفة المعتضد بالله، فلم يقدر عليه.
قال عبد الله بن عبد الظاهر: لما كثرت عساكر الأمير أحمد بن طولون، ضاقت بهم مدينة الفسطاط، فبنى مدينة شرقى مدينة الفسطاط، وسمّاها «القطائع»، وكانت مدينة جليلة، بنيت قبل القاهرة؛ وكانت ميلا فى ميل، أولها من كوم الجارح إلى الصليبة، وعرضها من قناطر السباع إلى الجبل المقطّم؛ وكان بها مناظر مطلّة على بحر النيل، وآثار سورها باق إلى الآن عند المدرسة الجاولية، وهو الذى يسمّونه «الكبش»، فلما فرغت، أسكن بها جنده.
ولم تزل هذه المدينة عامرة حتى هدمها محمد بن سليمان الكاتب، لما ولى على مصر أيام الخليفة المكتفى بالله، خليفة بغداد، وذلك سنة ثمان وخمسين وثلثماية.
[ 1 أ / ١٦٢ ]
قال عبد الله بن عبد الظاهر: لما فرغ الأمير أحمد بن طولون من بناء مدينة القطائع، ابتدأ ببناء جامعه، وقد ابتدأ فى عمارته سنة ثلاث وستين، وانتهى العمل منه سنة ست وستين ومائتين، وبلغت النفقة على بنائه مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار.
قال ابن عبد الظاهر: لم يكن بمصر بقعة أعظم من البقعة التى بنى فيها هذا الجامع، وكان هذا المكان يسمّى جبل يشكر، قيل إن موسى، ﵇ ناجى ربّه عليه، وهو مشهور بإجابة الدعاء فيه.
فلما فرغ من بنائه، لم يصلّ (^١) فيه أحمد من الناس، وقالوا: هذا بنى من مال حرام، لا يجوز فيه الصلاة؛ فلما بلغ الأمير أحمد ذلك، خطب فيه، وحلف بالله العظيم أنّه ما بنى هذا الجامع من مال حرام، وإنما بناه من كنز ظفر به عند الأهرام، فعند ذلك صلّوا فيه الناس.
ثم إنّ بعض الناس عاب قبلته، وقال إنّها ضيّقة، فخطب وقال فى خطبته: قد رأيت النبى، ﷺ، فى المنام، وهو يقول لى: «يا أحمد ابن قبلة هذا الجامع على هذا الوضع»، وخطّ لى فى الأرض صورة ما يعمل، فما أمكننى أن أزد بعد ذلك، ولا أنقص، فلما أصبحت وجدت النمل قد أطاف على ذلك الخطّ، فوضعت أساس المحراب عليه، وإلى الآن يسمّى محراب النمل.
قيل: لما كمل بناء المحراب، جعل عليه منطقة من العنبر معجون بمسك، لتفوح رائحتها على المصليّين به، وعلّق بهذا الجامع عشرة آلاف قنديل من الزجاج المذهّب.
وكان فى صحنه قبّة، على عشرة عمد (١٨٠) من رخام أبيض، وهى مفروشة بالرخام الملوّن، وفى وسطها فوّارة يفور منها الماء، يطلع من قصعة رخام أبيض، قطعة واحدة، دورها أربعة أذرع فى مثلها، تفور بالماء ليلا ونهارا برسم الوضوء؛ ثم فرشه بالحصر العبدانى؛ وكان على صحنه شبكة من جميع جوانبه لأجل العصافير.
_________________
(١) لم يصل: لم يصلى.
[ 1 أ / ١٦٣ ]
قيل إنّ بعض الناس كتب له على باب الجامع هذين البيتين:
بنى جامعا لله من غير حلّة … فجاء بحمد الله غير موفّق
كمطعمة الأيتام من كدّ فرجها … فديتك لا تزنى ولا تتصدّق
قال صاحب «مرآة الزمان»: كان أحمد بن طولون لا يعبث قط فى مجلسه، فعبث يوما فى درج من الورق، وجعل يعبث به، فتعجّب منه الحاضرون لذلك، فقال لما أنكروا عليه ذلك، قال: «احضروا لى المهندسين»، فلما حضروا قال لهم:
«ابنوا لى منارة هذا الجامع على صفة هذا الدرج»، ولم يظهر أنّه عبث به.
وقال للقريزى: إنما بنى منارة هذا الجامع على صفة منارة جامع سامرا (^١) الذى ببغداد.
فلما كمل هذا الجامع، صلّى به القاضى بكّار بن قتيبة، ﵁، وكان إماما؛ وخطب به أبو يعقوب البلخى؛ وأملى به الحديث الربيع بن سليمان، وكان تلميذ الإمام الشافعى، ﵁.
قال ابن عبد الظاهر: وبنى الأمير أحمد بن طولون بجوار هذا الجامع مارستانا، وصرف عليه ستين ألف دينار، ولم يكن قبل ذلك بمصر مارستان، وجعل به خزانة شراب وأدوية، وجعل عليها خادما أسود خصيّا؛ وكان يجلس على بابه فى كل يوم جمعة طبيبان (^٢) برسم الضعفاء، وكان له أوقاف كثيرة، حتى قيل كان له فى كل يوم من المصروف ألف دينار.
ولم يزل هذا الجامع على ما ذكرناه، حتى احترق كله فى ليلة الجمعة خامس عشرين جمادى الأولى سنة سبع وسبعين وثلثماية، فلما تولّى العزيز بن المعزّ الفاطمى على مصر، جدّد ما احترق منه، ولكن أبطل منه أشياء كثيرة، انتهى ذلك.
قال ابن عبد الظاهر: بلغ الأمير أحمد بن طولون أنّ المقياس قد تهدّم، فركب بنفسه، وكان صحبته القاضى بكار بن قتيبة، قاضى مصر، وأبو أيوب، صاحب
_________________
(١) سامرا: سامرى.
(٢) طبيبان: طبيبين.
[ 1 أ / ١٦٤ ]
خراجه؛ فلما نظر إلى المقياس أمر بإصلاحه، ورسم له بألف دينار، فصرفت عليه.
ومن الحوادث فى أيامه أنّ النجوم قطايرت فى السماء شرقا وغربا، فارتاع الأمير أحمد من ذلك، وأحضر أرباب الفلك وسألهم عن ذلك، فما أجابوا بشئ، فتطيّر من ذلك، فدخل عليه الشاعر المسمّى بالجمل وهو جالس فى موكبه، وأنشده هذه الأبيات:
قالوا تساقطت النجو … م لحادث أبدا عسير
فأجبت عند مقالهم … بجواب محتنك خبير
هذى النجوم الساقطا … ت رجوم أعداء الأمير
فتفاءل الأمير أحمد بذلك، وأخلع على الجمل خلعة سنية.
وفى أيامه تولّى قضاء مصر أبو زرعة عثمان بن إبراهيم الدمشقى، وتوفّى سنة ثلاثين وثلثماية، وكان شافعيا.
وفى أيامه سنة تسع وستين ومائتين، توفّى ابن المواز أبو عبد الله محمد بن إبراهيم ابن عبد الحكم، وكان من عظماء المالكية، وله اختيارات فى المذهب، ولد سنة ثمانين ومائة.
وتوفّى فى أيامه أيضا المزنى أبو إبراهيم إسمعيل بن يحيى بن إسمعيل بن عمر بن إسحق، كان من الأئمة المجتهدين، وكان الشافعى يقول: «لو ناظر المزنى الشيطان لغلبه»؛ وكان مولده سنة خمس وسبعين ومائة، وتوفّى لست بقين من رمضان سنة أربع وستين ومائتين، ودفن قريبا من تربة الإمام الشافعى، والدعاء عند قبره مجاب، انتهى.
قال الشيخ أبو الحسن بن حماد، وكان من أعيان العلماء: كنت راقدا فى منزلى بعض الليالى، وإذا بالباب يدقّ علىّ فى نصف الليل فنظرت من الطاق، وإذا برجال ومعهم مشاعل، فوقفوا ببابى، فقلت: «ما تريدون»؟ قالوا: «أبا الحسن ابن حماد»، فقلت: «ها هو أنا»، فقالوا: «امض (^١) فإنّ الأمير أحمد طلبك فى هذه الساعة».
_________________
(١) امض: امضى.
[ 1 أ / ١٦٥ ]
فارتعدت أعضائى، ثم قمت وركبت بغلتى، وأنا آيس من الحياة، فلما وصلت إلى دار الأمير أحمد، دخلت وسلّمت على حاجب الباب، فقال لى: «ادخل وخذ فى مشيك عن يمينك، واحترز أن لا تقع فى البحرة».
وكانت ليلة مظلمة من ليالى الشتاء، فمشيت حتى بلغت ضوء الشمع، فوقفت قليلا، وإذا بالأمير أحمد فى قبّة لطيفة، وهو نائم على ظهره، وبين يديه شمعتان، فوقفت طويلا، فلما علم بى، قال: «أبو الحسن»؟ قلت: «نعم»، قال: «ادخل»، فدخلت ووقفت بين يديه، فقال: «اجلس»، فجلست، فقال: «لأى شئ تصلح هذه القبّة»؟ وكانت قبّة لطيفة، يجلس فيها نحو أربعة أنفس، فقلت: «تصلح للفكر، وتلاوة القرآن، ومطالعة العلم، ومنادمة المحبّين».
فتبسّم، ثم قال: «ماذا تقول فى هذه المسألة (^١)»؟ قلت: «يقول الأمير أيّده الله بنصره»، فقال: «ما تقول فيمن سلّط على شئ ففعله، فهل يعذب عليه»؟ قال أبو الحسن: فعلمت أنّ المسألة (^١) هى ناشئة عنه، فقلت على الفور: «لو كان كل مسلّط معذّبا، لكان ملك الموت أشدّ الناس عذابا يوم القيامة».
فلما سمع ذلك منى، استوى جالسا، وقال: «كيف قلت»؟ فقلت: «لو كان كل مسلّط معذبا، لكان ملك الموت أشدّ الناس عذابا يوم القيامة».
ثم سكت طويلا، وقال: «انصرف إلى منزلك»، فخرجت من عنده، وأنا لا أصدّق بالنجاة؛ فلما خرجت تبعنى الحاجب بصرّة فيها مائتا دينار، فأخذت ذلك وانصرفت إلى منزلى وأنا لا أصدّق بالسلامة، انتهى.
وكان الأمير أحمد يقول: «إنى لأجد فى فهم الرجل عنى إذا خاطبته من اللذّة، ما لا يجده مجامع المراة الحسناء عند جماعها».
قال ابن وصيف شاه: لم يل (^٢) مصر قبل خلفاء بنى عبيد الله، أعظم من نظام الأمير أحمد بن طولون؛ كان راتب مطبخه فى كل يوم ألف دينار، تصرف فى أمر
_________________
(١) المسألة: المسئلة.
(٢) لم يل: لم يلى.
[ 1 أ / ١٦٦ ]
المطبخ فيما يحتاج إليه، وكان عسكره يحضر السماط مرّتين فى كل يوم؛ وكان منتهى حكمه من مصر إلى الفرات، وإلى برقة.
قال «جامع السيرة الطولونية»: كان بمدينة عين شمس، وهى المطرية، صنم (^١) من الكدان الأبيض، على قدر خلقة الرجل المعتدل القامة، وكان محكم الصناعة، يكاد أن ينطق؛ فقصد الأمير أحمد أن ينظر إليه، فنهاه بعض الكهّان عن رؤية (^٢) هذا الصنم، وقال: «أيها الأمير لا تنظر إلى هذا الصنم، فما نظر إليه أحد من ولاة مصر إلا عزل فى عامه»، فلم يعبأ بهذا الكلام، وركب وتوجّه إلى عند ذلك الصنم، ورآه، ثم إنّه أمر بقطعه فقطع، ولم يبق (^٣) له أثر.
فلما رجع حمّ من يومه ولزم الفراش، فسلسل فى المرض نحو عشرة أشهر، فخرج الناس قاطبة إلى الصحارى، وفعلوا كما يفعلون (^٤) فى الاستسقاء، فخرجوا حفاة، وعلى رءوسهم المصاحف، وخرج اليهود وعلى رءوسهم التوراة، وخرج النصارى وعلى رءوسهم الأناجيل، وخرج الأطفال من المكاتب وعلى رءوسهم التوراة، وخرج النصارى وعلى رءوسهم الأناجيل، وخرج الأطفال من المكاتب وعلى رءوسهم الألواح، وخرج العلماء والزهّاد، ودعوا إلى الله تعالى له بالعافية والشفاء، فلم يفد من ذلك شيئا، «إنّ أجل الله إذا جاء لا يؤخّر لو كنتم تعلمون».
فاستمرّ حتى مات، ﵀، وكانت وفاته فى ليلة الأحد لعشر خلون من ذى القعدة سنة سبعين ومائتين؛ وكانت مدّة ولايته على مصر نحو ست عشرة سنة وأشهر.
ولما مات خلف من الأولاد ثلاثة وثلاثين ولدا، منهم سبعة عشر ذكرا، وباقى ذلك إناثا؛ وكان ملكا عادلا فى الرعية، كفوا لملك مصر، وأبطل فى أيامه ما كان أحدثه ابن المدبر من المكوس بمصر، التى تقدّم ذكرها.
_________________
(١) صنم: صنما.
(٢) رؤية: رأيت.
(٣) ولم يبق: ولم يبقى.
(٤) يفعلون: يفعلوا.
[ 1 أ / ١٦٧ ]
وكان كريم اليد، سخىّ النفس، منقادا إلى الشريعة، يحبّ العلماء والصلحاء؛ وكان عنده التواضع، يصلّى على من يموت من أهل مصر، من فقير أو غنىّ؛ وكان له اشتغال بالعلم، وطلب الحديث؛ وكان يتصدّق فى كل أسبوع على فقراء البلد، بثلاثة آلاف دينار، غير الرواتب الجارية على أهل المساجد والزوايا، فى كل شهر ألف دينار؛ وكان يرسل إلى مجاورين (^١) الحرمين فى كل سنة كسوة الشتاء والصيف.
وكان نافذ الكلمة، وافر الحرمة، استقلّ فى أيامه بملك مصر، ولم يدخل تحت طاعة خلفاء بغداد؛ وكان حكمه من بلاد الغرب إلى الفرات، وفتح فى أيامه مدينة أنطاكية، وغيرها من البلاد؛ وكان الناس يخيّرونه على خلفاء بغداد فى عدله بين الرعيّة.
غير أنّه كان شديد الغضب، سيّئ الخلق، سفّا كاللدماء، إذا قدر لم يعف (^٢)، حتى قيل مات فى حبسه ثمانية عشر ألف إنسان؛ ولما مات دفن خارج باب القرافة.
قال بعض الثقات: كنت أرى شيخا من أهل العلم، يقرأ على قبر الأمير أحمد ابن طولون فى كل يوم، ثم رأيته بعد ذلك ترك القراءة على قبره، فسألته عن ذلك، فقال لى: «كان للأمير أحمد علىّ من البرّ والإحسان ما لا أطيق وصفه، فأحببت أن أواسيه بشئ من القرآن بعد موته، فرأيته فى بعض الليالى فى المنام، فقال لى:
يا فلان، بالله لا ترجع تقرأ على قبرى شيئا، فلا تمرّ بى آية من القرآن إلا قيل لى: أما سمعت هذه الآية فى دار الدنيا، فهل لا كنت تعمل بها؟ وما رأيت أشدّ على ملوك الدنيا من الحجّاب، فى كتمهم لحوايج المظلومين عن الملوك».
وقد قيل فى المعنى:
ولو أنّا إذا متنا تركنا … لكان الموت راحة كل حىّ
ولا كنّا إذا متنا بعثنا … ونسأل بعد ذا عن كل شىّ
_________________
(١) مجاورين: كذا فى الأصل
(٢) لم يعف: لم يعفوا.
[ 1 أ / ١٦٨ ]
قال ابن وصيف شاه: خلف الأمير أحمد بن طولون من الذهب العين عشرة آلاف ألف ألف دينار، ومن المماليك المشتراوات سبعة آلاف مملوك، ومن العبيد الزنج أربعة وعشرين ألف عبد، ومن الخيول سبعة آلاف فرس (^١)، ومن البغال ستة آلاف بغل (^٢)، ومن الجمال عشرة آلاف جمل (^٣)؛ ومن الفصوص والجواهر مائة صندوق؛ ومن المراكب الحربية ألف مركب (^٤)؛ هذا خارجا عن الضياع والأملاك والبساتين وغير ذلك.
وبلغ خراج مصر فى أيامه أربعة آلاف ألف دينار وثلثماية ألف دينار، ولم يفده المال عند انقضاء الأجل، كما قيل:
خذ القناعة من دنياك وارض بها (^٥) … واقصد لنفسك منها راحة البدن
وانظر لمن قد حوى مما سمعت (^٦) به … هل خصّه غير بعض القطن والكفن
ولما مات الأمير أحمد بن طولون، تولّى بعده ابنه الأمير خمارويه، انتهى ذلك.