اعلم أنّ طبائع أهل مصر، وأمزجتهم، وأخلاقهم، بعضها شبهها ببعض، فإن أبدانهم سخيفة، سريعة التغيير، قليلة الصبر والجلد؛ وكذلك أخلاقهم تغلب عليها الاستحالة، والانتقال من شئ إلى شئ؛ وعندهم الجبن والقنوط والشحّ، وقلّة الصبر على الشدائد، وسرعة الخوف من السلطان؛ وعندهم قلّة الغيرة على عيالهم؛ وعندهم التحاسد فى بعضهم، وكثرة (^١) الكذب، وذمّ الناس، ومنهم من خصّه الله
_________________
(١) وكثرة: وكثرت.
[ 1 أ / ٤٧ ]
بالعقل، وحسن الخلق؛ حتى قيل إن كلاب مصر، أقلّ جرأة من كلاب غيرها من البلدان، وقيل إنّ الأسد إذا دخلت مصر ذلّت، وقلّ أذاها (^١) عما كانت فى القفار.
قال بعض الحكماء: أجساد أهل مصر سخيفة، لا تقبل الأدوية المفرطة، التى (^٢) فى كتب أطباء اليونانيين (^٣) والفرس، فإنّها كانت على قدر أبدانهم القويّة، فيجب على الطبيب أن لا يعطى المريض أدوية قويّة، ويبذل كثيرا منها بما يقوم مقامها.
قال أبو الصلت: أهل مصر الغالب عليها اتباع الشهوات، والانهماك فى اللذّات، والاشتغال بالترهات، والتصديق بالمحالات، وفى أخلاقهم رقّة، وعندهم بشاشة وملق، وعندهم مكر وخداع، ولهم كيد وحيل، وخصّوا بالأفراح دون غيرهم من الأمم.
قال بعض الحكماء: أهل مصر يتحدّثون بالأشياء قبل وقوعها، ويخبرون بالأمور المستقبلة قبل كونها، وسبب ذلك أنّ منطقة الجوزاء تسامت رءوسهم، فلذلك يتحدّثون بالأشياء قبل كونها بمدّة.
قال المسعودى: لما فتح عمر بن الخطاب، ﵁، العراق والشام ومصر، كتب إلى بعض الحكماء: إنّا أناس عرب، وقد فتح الله علينا البلاد، ونريد أن نتبوّأ من الأرض مسكنا فصف لنا الأقاليم.
فكتب إليه عدّة أقاليم، فلما وصل إلى وصف مصر، قال: وأما مصر فهى أرض غبراء، كالمرأة العارك، أى الحائض، تطهر بالنيل كل عام، وهى مسكن الجبابرة، وديار الفراعنه، هواها راكد، وحرّها زائد، وشرّها بائد، وهى معدن الذهب، ومغارس الغلال، تسمن الأبدان، وتسود الأبشار، وتنمو فيها الأعمار، نساؤها شرّ نساء الأرض، وعندهم خث ودهاء ومكر ورياء، وهى بلد مكسب لا مسكن، أهلها أهل شرّ، فكن منهم على حذر.
وقال معاوية بن أبى سفيان، ﵁: وحدت أهل مصر ثلاثة أصناف:
_________________
(١) أذاها: اذى ها.
(٢) التى: الذى.
(٣) اليونانيين: اليونانين.
[ 1 أ / ٤٨ ]
فثلث أناس، وثلث أشبه بالناس، وثلث لا أناس ولا شبه بالناس، وقد قال القائل فى المعنى:
وقد دفعنا إلى زمان لئيم … لم ننل منه غير غلّ الصدور
وبلينا من الورى بأناس … تركتهم أعجازهم فى الصدور
انتهى ما أوردناه من فضائل مصر ومحاسنها، وقد أطلقت عنان القلم فى ميدان استطراد هذا المعنى، حسبما التزمته من ذلك.