قال الكندى: إنّ من تولّى بمدينة فرغانة يسمّى الإخشيدى، فكان أول من تولّى منهم بمصر، محمد بن طقج الإخشيدى، فتغلّب على مصر، وأخذها باليد، فأقام بها مدّة يسيرة.
وتغلّب عليه أحمد بن كيغلغ، وصرفه عنها، وتولّى عليها، فأقام بها مدّة يسيرة.
وتغلّب عليه محمد بن طقج، فصرفه عنها، وأعيد إليها محمد بن طقج ثانيا.
وفى هذه الأيام وقع الاضطراب فى سائر البلاد، لضعف شوكة الخلفاء العباسية، فكانت مصر والشام بأيدى الإخشيدية؛ والموصل، وديار بكر، وديار ربيعة، ومضر، بأيدى بنى حمدان؛ وفارس بيد الأمير أحمد بن بويه؛ وخراسان بأيدى نصر بن أحمد؛ وواسط والبصرة والأهواز بأيدى البريدى؛ وكرمان بأيدى محمد ابن إياس؛ والرى، وأصفهان، والجبل، بأيدى الحسن بن بويه؛ والغرب وافريقية، بأيدى أبى عمرو الغسانى، وطبرستان، وجرجان، بأيدى الديلم؛ والبحرين، واليمامة، وهجر، بأيدى أبى طاهر القرمطى؛ ولم يبق (^١) بأيدى خلفاء بغداد سوى مدينة بغداد وأعمالها.
ثم إنّ محمد طقج أقام على ولايته بمصر، إلى أن مات سنة أربع وثلاثين وثلثماية.
وفى أيامه توفّى النسانى سنة ثلاث وثلاثين وثلثماية، مات بمكّة، وكان مولده سنة خمس عشرة ومائتين. - وتوفّى فى أيامه أيضا أبو بكر بن محمد بن عبد الله الصيرفى، كان من العلماء، توفّى فى رجب سنة ثلاثين وثلثماية.
وتوفّى فى أيامه الحافظ أبو بكر الطحان، مات سنة ثلاث وثلاثين وثلثماية. - وفى أيامه توفّى الشيخ العارف بالله أبو الحسن على بن محمد بن سهل الدينورى المعروف بالصايغ، توفّى فى رجب سنة إحدى وثلاثين وثلثماية، ﵁.
ولما مات الأمير محمد بن طقج، قولّى بعده ابنه الأمير أبو بكر بن محمد بن طقج،
_________________
(١) ولم يبق: ولم يبقى.
[ 1 أ / ١٧٦ ]
وكان صغير السن، وكان القائم بتدبير أمور للملكة خادمهم: كافور، فساس الناس فى أيامه أحسن سياسة، ومشى على نظام والده.
وفى أيامه توفّى النيسابورى الحافظ أبو زكريا محمد، توفّى سنة سبع وثلاثين وثلثماية، وقيل بل مات سنة سبع وثلثماية، فى أيام تكين الخاصة، والله أعلم. - وتوفّى عبد المنعم بن عبد الله بن عليون، مؤلف كتاب «الإرشاد فى القراءات»، مات سنة تسع وثلاثين وثلثماية.
وفى سنة تسع وثلاثين وثلثماية، توفّى الطحاوى، تلميذ القاضى بكار، واسمه الحسن بن داود، قدم من بغداد إلى مصر، ثم عاد إلى بغداد، فمات بها، ولم يبلغ من العمر سوى أربعين سنة.
وتوفّى أبو إسحق المروزى إبراهيم بن أحمد، أحد الأئمّة المجتهدين، توفّى بمصر سابع رجب سنة أربعين وثلثماية، ودفن عند الإمام الشافعى.
وفى سنة اثنتين وأربعين وثلثماية، توفّى العلامة محمد بن سكرة الهاشمى، صاحب النظم الرقيق. - وتوفّى أبو بكر بن الحداد الكنانى، مات فى صفر سنة خمس وأربعين وثلثماية، وكان من أعيان العلماء والحفّاظ.
ومن الحوادث، أنّ فى سنة ست وثلاثين وثلثماية، لم يوجد بفسقية المقياس (^١) ماء أصلا، فلما أرادوا [أن] (^٢) يأخذوا قاع النيل، أخذوه من برّ الجيزة، فكان النيل فى تلك السنة خسيسا جدّا، وبلغت الزيادة أربعة عشر ذراعا وستة عشر أصبعا، فوقع الغلاء بمصر؛ واستمرّ فى كل سنة يزيد زيادة خسيسة، ولم يبلغ إلى ستة عشر ذراعا، وأقام على ذلك نحو تسع سنين، والغلاء مستمرّ بمصر، وقد قال القائل:
تقاصر النيل عنا … تقاصرا متتابع
حتى قنعنا اضطرارا … منه بمصّ الأصابع
_________________
(١) المقياس: المقاس.
(٢) [أن]: تنقص فى الأصل.
[ 1 أ / ١٧٧ ]
وقال آخر:
ربّ وفّ النيل إنّا … منه فى شرّ وباوه
ما بقى للناس صبر … يحملون اليوم غلوه
ومن الحوادث أنّ فى سنة تسع وأربعين وثلثماية، جاءت الأخبار بأنّ السيل نزل على الحجّاج، وأخذهم عن آخرهم، وألقاهم فى البحر المالح.
وفى أيامه توفّى السيد العلوى الشريف أحمد بن محمد بن إسمعيل بن إبراهيم طباطبا المصرى، وكان شاعرا ماهرا، وله شعر جيّد، مات فى شعبان سنة خمس وأربعين وثلثماية، ومن نظمه الرقيق، وهو قوله:
رأيت الهلال ووجه الحبيب … فلم أدر أيهما أنور
على أنّ ذاك بعيد المنال … وهذا قريب لمن ينظر
وذاك يغيب وذا حاضر … وما من يغيب كمن يحضر
ونفع الهلال لنا ساعة … ونفع الحبيب لنا أكثر
واستمرّ الأمير أبو بكر بن محمد بن طقج على ولايته بمصر، حتى مات سنة تسع وأربعين وثلثماية، فكانت مدّة ولايته بمصر نحو خمس عشرة سنة؛ وكان وافر الحرمة، نافذ الكلمة، بلغ خراج مصر فى أيامه ألفى ألف ألف دينار، وانصلح الحال على أيامه، وبلغت عدّة عساكره بمصر والشام، نحو أربعمائة ألف فارس، وهو أول من رتّب الجوامك للجند بقدر معلوم فى كل شهر؛ ولما مات دفن بمصر، عند مدينة الفسطاط، وقد رثاه أبو الطيب المتنبى بهذه الأبيات:
هو الزمان مشت بالذى جمعا … فى كل يوم نرى من صرفه بدعا
لو كان ممتنع تغنيه منعته … لم يصنع الدهر بالإخشيد ما صنعا
ذاق الحمام فلم تدفع عساكره … عنه القضاء ولا أغناه ما جمعا
لو يعلم اللحد ما قد ضمّ من كرم … ومن فخار ومن نعماء لاتّسعا
يا لحد طل إنّ فيك البحر محتبسا … والليث مهتصرا والجود مجتمعا
يا يومه لم تخصّ الفج فيه لقد … كلّ الورى برزء الإخشيد قد فجعا
[ 1 أ / ١٧٨ ]
وفى أيامه سنة ثلاث وأربعين وثلثماية، توفّى الشيخ أبو الخير الأقطع، وكان أصله من الغرب، وقدم مصر ومات بها، وكان له كرامات خارقة.
ولما مات تولّى بعده ابنه أبو القاسم محمود المعروف بأجور، فأقام مدّة يسيرة ومات، وكانت مدّته نحو سنة وأشهر.
وفى أيامه توفّى أبو الفتح كشاجم، الشاعر الناظم الناثر، وكان له شعر جيّد، فمن ذلك قوله فى شقائق النعمان:
حمراء من صنعة البارى وقدرته … مصقولة لم ينلها قط صقال
كأنها وجنات أربع جمعت … وكل واحدة فى صحنها خال
وكان كشاجم عالما فاضلا، وهو صاحب كتاب «أدب النديم»، مات بمصر سنة إحدى وخمسين وثلثماية، وكان رحل عن مصر إلى بغداد، ثم عاد إلى مصر، وأنشأ يقول:
قد كان شوقى إلى مصر يؤرقنى … فالآن عدت وعادت مصر لى دارا
ولما مات الأجور، تولّى بعده أخوه علىّ، فأقام على ولايته بمصر إلى أن مات سنة خمس وخمسين وثلثماية. - وفى سنة ست وخمسين وثلثماية، توفّى الإمام الرافعى أبو الفضل أحمد بن محمد بن نصر السرى الشافعى.
وفى أيامه قطعت بنو (^١) سالم الطريق على الحجّاج، وأخذوا منهم عشرين ألف بعير، محمّلة قماش وبضائع ومال، وأسروا الرجال والنساء.
وفى أيامه توفّى أبو إسحق محمد بن القاسم بن شعبان، من أعيان العلماء المالكية، مات سنة خمس وخمسين وثلثماية. - وتوفّى ابن السكن أبو على سعيد بن عثمان البغدادى، نزيل مصر، مات سنة ثلاث وخمسين وثلثماية.
ولما مات الأمير على، اجتمع رأى أهل مصر على تولية (^٢) كافور، الخادم، وكان حسن السياسة، عادلا فى الرعية، فولّوه عليهم.
_________________
(١) بنو: بنوا.
(٢) تولية: توليت.
[ 1 أ / ١٧٩ ]