قال ابن عبد الحكم: لما كانت سنة ثمان عشرة من الهجرة، وفتح أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، مدينة دمشق، قام إليه عمرو بن العاص وقال له:
«يا أمير المؤمنين، أتأذن لى أن أسير إلى مصر»؟ قال عمر: «إن فتحتها كانت قوّة للمسلمين».
فلم يزل عمرو يهوّن فتحها عند أمير المؤمنين عمر، حتى عقد له على أربعة آلاف رجل، أو دون ذلك، ثم قال عمر لعمرو بن العاص: «سر وأنا مستخير الله فى أمرك»، فسار عمرو فى جوف الليل، ولم يشعر به أحد من الناس.
فسار حتى نزل فيما بين رفح والعريش، فلما نزل بها أخرج كتاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وقرأه على المسلمين، وقال لهم: «ألستم تعلمون أنّ هذه القرية من قرى مصر»؟ قالوا: «بلى»، قال: «فإنّ أمير المؤمنين عهد إلىّ، وأمرنى إن لحقنى كتابه، ولم أدخل مصر، بأن أرجع، وقد خلف على المسلمين، وإن لحقنى كتابه، حتى أدخل أرض مصر، فإنّنى أدخلها، فامضوا على بركة الله تعالى»، فسار عمرو حتى دخل مصر.
فلما بلغ المقوقس دخول العرب إلى مصر، فأرسل جيشا إلى عمرو بن العاص فتلاقى مع جيشه على الفرما، وهى من قرى مصر، فوقع هناك قتال شديد (^١)، وهو أول قتال وقع فى قرى مصر. ثم إنّ عمرو أقام يحاصر أهل الفرما نحو شهر، ففتح الله على يده الفرما، وهى أول قرية فتحت على يد عمرو بن العاص.
فقال المقوقس: «ألا تعجبون من هؤلاء (^٢) العرب، يقدمون على جيوش
_________________
(١) قتال شديد: قتالا شديدا.
(٢) هؤلاء: هولاى.
[ 1 أ / ٩٤ ]
الروم، مع كثرتهم، وهم فى قلّة من الناس»؟ فأجابه بعض القبط، وقال: «إنّ هؤلاء (^١) القوم لا يتوجّهون إلى جيش إلا استظهروا عليه، وغلبوه»؛ ثم إنّ عمرو وصل إلى بلبيس، فتقاتل مع أهلها نحو شهر، فغلبهم وملكها.
ثم إن عمرو أرسل إلى أمير المؤمنين عمر بأن يستمدّه بالعساكر، فأمدّه بأربعة آلاف أخرى، فبقى معه ثمانية آلاف؛ فسار عمرو بمن معه من العساكر، حتى نزل على الحصن، وهو مكان قصر الشمع، فصار من بالمدينة قائما يحاصرهم مدّة طويلة.
فلما أبطأ خبر الفتح على أمير المؤمنين عمر، فأمدّ عمرو بأربعة آلاف أخرى، وفيهم الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد، ﵃ أجمعين، فنصب عمرو بن العاص منجنيقا، ورمى به على أهل الحصن.
وكان فى الحصن علج من علوج الروم، يقال له الأعرج، فقال لمن حوله: «إذا مرّ عليكم عمرو، أمير القوم، فألقوا عليه صخرة فتقتله»؛ فمرّ عليهم عمرو، فحالوا بينه وبين أصحابه، فقال لهم عمرو: «أنا أصغر من فى (^٢) القوم، ولا يضرّ هم قتلى، إن قتلتمونى»، فقال الأعرج فى نفسه: «وإيش يفيد من قتل واحد من جماعة كثيرة»؟ فأمر بإطلاقه، فخرج إلى أصحابه سالما، ولم يعلم الأعرج أنّه أمير القوم، وكانت هذه الحيلة التى دبّرها عمرو أول المكائد منه.
ثم إنّ الزبير بن العوام، ﵁، وضع سلّما إلى جانب السور، من ناحية سوق الحمام، وصعد عليه، وأمر أصحابه إذا سمعوه يكبّر، فيزحف العسكر جميعا؛ فلما صعد الزبير على السلّم، وكبّر، والسيف فى يده، فزحف الجيش جميعا، وكبّروا، فما شك من بالحصن أنّ العرب قد اقتحموا الحصن، فهربوا من وجه العرب، فعمد الزبير وأصحابه إلى باب الحصن وفتحوه.
فلما بلغ المقوقس ذلك، خاف على نفسه من القتل، فتوجّه إلى الجزيرة، يعنى الروضة، وأرسل إلى عمرو يسأله فى الصلح، وأن يفرض للعرب، على القبط،
_________________
(١) هؤلاء: هولاى.
(٢) من فى: ما فى.
[ 1 أ / ٩٥ ]
دينارين على كل رأس، فأرسل عمرو يقول للمقوقس: «ليس بينى وبينك إلا ثلاث خصال: إما تدخل فى الإسلام، وإما تعطى الجزية، وتكون آمنا على نفسك من القتل، وإما تقاتلنا ونقاتلك».
قال الليث بن سعد: أقام عمرو بن العاص يحاصر الحصن ستة أشهر، فلما جاءت رسل عمرو إلى المقوقس بهذا الجواب، قال لمن حوله من القبط: «كيف رأيتم (^١) فى هذا الأمر»؟ قالوا: «إنّ هؤلاء (^٢) القوم لا طاقة (^٣) لنا بهم، فإنّ الموت أحبّ إلى أحدهم من الحياة، والتواضع أحبّ إليهم من الرفعة، وليس لأحدهم فى الدنيا رغبة، يجلسون على التراب، وأكلهم على ركبهم، وأميرهم كواحد منهم، لا يعرف رفيعهم من وضيعهم، ولا يعرف السيّد من العبد، فإن لم تغتنموا صلحهم، وهم محصورون، فلم يجيبونا بعد ذلك إلى الصلح».
ثم إنّ المقوقس أرسل إلى عمرو يقول له: «أرسل إلينا أحدا من عقلائكم، حتى نتكلّم معه، ما يكون فيه أمر الصلح بيننا وبينكم»؛ وكان المقوقس فى الجزيرة، وهى الروضة، وكان بها قصر مطلّ على البحر، يسمّى الهودج، تتنزه فيه ملوك مصر من القبط، فبعث إليه عمرو بن العاص عشرة من الصحابة، وكبيرهم عبادة بن الصامت، ﵁، وكان أسود اللون، وقيل المقداد بن الأسود.
فلما دخلوا على المقوقس استصغر قدر عبادة بن الصامت لسواده، فقال المقوقس: «نحّوا عنى هذا الأسود، وقدّموا غيره يكلّمنى»، فقالوا: «هذا الأسود أفضلنا، وهو سيّدنا»، فقال المقوقس لعبادة: «تقدّم يا أسود، وكلّمنى برفق، فإنّى أهاب سوادك»؛ فتقدّم عبادة إليه، وقال: «قد بعثنا الأمير عمرو على إحدى الثلاث خصال المقدّم ذكرها، ولا تمّ لها وجه رابع».
فقال المقوقس: «إنّ عساكر الروم ما لا يحصى عددهم، وأنا أخشى أن يقع بينكم القتال، فيقتلونكم (^٤) عن آخركم، وقد طابت أنفسنا أن نصالحكم، صونا لنا ولكم
_________________
(١) رأيتم: رأيتموا.
(٢) هؤلاء: هذا.
(٣) طاقة: طاقت.
(٤) فيقتلونكم: فيقتلوكم.
[ 1 أ / ٩٦ ]
من القتل، على أن نفترض أن يكون لكم على كل رأس من القبط ديناران، ولأميركم مائة دينار، ولخليفتكم ألف دينار، فتقبضونها وترحلوا عنا إلى بلادكم، قبل أن تحاط بكم عساكر الروم».
فقال له عبادة بن الصامت: «يا هذا أما تخويفك لنا بعساكر الروم من القتال، فنحن أرغب ما يكون فى قتالهم، فإن ظفرنا بكم، فلله الحمد، وإن ظفرتم بنا، فنحن أشوق إلى لقاء الله تعالى، والمسير إلى الجنّة، وأما ما ذكرته من المال، فنحن قوم لا نبالى بالمال، إن كثر، ولا إن قلّ».
فقال المقوقس: «أفلا تجيبونا إلى خصلة غير هذه الثلاث خصال»؟ فقال عبادة:
«لا وربّ السماء والأرض، فاختاروا لأنفسكم منهم خصلة».
فالتفت المقوقس لمن حوله من الأقباط، وقال لهم: «قد فرغ القول منهم، فماذا ترون فى ذلك»؟ فقالوا: «أما الدخول فى دينهم، فهذا لا يكون أبدا، وأما أنّهم يسبوننا، ويجعلوننا لهم عبيدا، فالموت أهون علينا من ذلك».
فقال المقوقس لعبادة: «قد أبى القوم من ذلك، فما ترى»؟ فقام عبادة وهمّ بالانصراف.
فقال المقوقس لمن حوله: «أطيعونى وأجيبوا القوم إلى خصلة من هذه الثلاث (^١)، وإن لم تجيبوا إليها وأنتم طائعين، فيجيبون إليها وأنتم كارهين»، فقالوا: «وأى خصلة نجيبهم إليها»؟ قال المقوقس: «أما دخولكم فى دينهم، فلا آمركم به، وأما قتالهم، فأنا أعلم أنكم لن تقووا عليهم، ولا تصبروا صبرهم، ولكن افعلوا الثالثة»، قالوا: «أفنكون لهم عبيدا»؟ قال: «نعم تكونوا (^٢) عبيدا أنتم وأولادكم، إلى أن تموتوا عن آخركم».
فلما رجع عبادة إلى عمرو بن العاص، وأخبره بما قالوه القبط، فأمر جيوشه
_________________
(١) الثلاث: الثلاثة.
(٢) تكونوا: كذا فى الأصل.
[ 1 أ / ٩٧ ]
بالقتال لهم، والمحاصرة؛ فلما حاصروهم لم يطيقوا القبط ذلك، وتسحّبوا فى السفن إلى الروضة، وحصّنوا برّها بالسفن من كل ناحية، وأحدقوا بهم المسلمون من كل جهة؛ فلما رأى المقوقس ذلك، قال للقبط: «ألم أعلمكم بهذه الأحوال قبل وقوعها، فما تروا (^١) الآن»؟ قالوا: «نذعن للجزية، ونعقد الصلح بيننا وبينهم».
فأرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص، يقول له: «إنّى لم أزل حريصا على إجابتك إلى خصلة من تلك الخصال، التى أرسلت إلىّ بها، فأبى ذلك علىّ من حضرنى من القبط، والآن عرفوا نصحى لهم، ورجعوا إلى قولى لهم بالنصح، فأعطنى منك أمانا، أجتمع أنا وأنت، فإن استقام الأمر بيننا، تمّ لنا ذلك، وإن وقع بيننا خلف، رجعنا إلى ما كنا عليه».
فلما سمع عمرو ذلك، استشار أصحابه فى ذلك، فقالوا: «لا تجبه إلى الصلح، ولا الجزية، ونحاربه حتى يفتح الله علينا بالنصر عليهم»؛ فقال لهم عمرو: «قد علمتم ما عهد إلىّ به أمير المؤمنين، بأن أجيب إلى خصلة من هذه الخصال الثلاث (^٢)، وقد طال الأمر بيننا وبينهم».
فعند ذلك اجتمع رأى الصحابة، ﵃، على أن يفرضوا على كل رأس من القبط دينارين، وليس على الشيخ الفانى، ولا على الصغير الذى لم يبلغ الحلم، ولا على النساء شئ من الجزية، وعلى أنّ للمسلمين عليهم النزول والضيافة حيثما كانوا من القرى، مقدار ثلاثة أيام، فإن أجابوا إلى ذلك عقدنا بيننا وبينهم الصلح.
فأرسل عمرو يقول للمقوقس: «قد وقع الرأى بيننا على أن تزنوا الجزية، كما تقرّر الحال عليه».
قال ابن عبد الحكم: «كان عدد القبط يومئذ ثمانية آلاف ألف إنسان، غير الروم؛ ثم إنّ المقوقس قال للروم: «من أحبّ منكم أن يقيم بأرض مصر، فليزن الجزية، ومن أراد الخروج إلى أرض الروم، فليخرج، ولا جزية عليه».
_________________
(١) فما تروا: كذا فى الأصل.
(٢) الثلاث: الثلاثة.
[ 1 أ / ٩٨ ]
ثم إنّ المقوقس كتب كتابا إلى ملك الروم، يعلمه بذلك، فكتب إليه ملك الروم:
«قد أتاك من العرب اثنا عشر ألف إنسان، فعجزت عن قتالهم، وبمصر ما لا يحصى عددهم من الروم، فلا سبيل إلى هذا أبدا»؛ فأرسل المقوقس يقول لعمرو بن العاص:
«إنّ ملك الروم لم يوافق على أمر الصلح، ولا الجزية، ولم يكن نقض الصلح منى».
ثم جاءت الأخبار بأنّ ملك الروم، أرسل عسكرا عظيما فى البرّ والبحر، فلما سمع ذلك عمرو، خرج إليهم بمن معه من العربان، فتلاقوا بالكربون.
وكان عبد الله بن عمرو بن العاص على مقدّمة الجيش، وحامل اللواء يومئذ وردان، مولى عمرو، فعند ذلك صلّى عمرو صلاة الخوف، وبرز للقتال، وتلاقى (^١) مع عساكر الروم هناك.
فلم تكن إلا ساعة وقد فتح الله تعالى على المسلمين بالنصر على عساكر الروم، فقتل فى ذلك اليوم من عساكر الروم ما لا يحصى عددهم، وقتل من الصحابة، فى ذلك اليوم، اثنان وعشرون رجلا.
فلما وقعت الكسرة على عسكر الروم، توجّهوا إلى ثغر الإسكندرية وحصّنوها، وكان عليها يومئذ سبعة أسوار؛ فلما تحصّنوا الروم بالإسكندرية، أرسل هرقل إلى سائر أعماله من البلاد، يستحثّهم فى جمع العساكر، وسرعة الحضور، وقصد قتال عمرو وأصحابه، فلما سمعوا الصحابة بذلك، تقلّقوا وضاق صدرهم.
ثم بعد أيام قلائل جاءت الأخبار بأنّ هرقل قد هلك، وكفى الله المؤمنين القتال، فكان كما قيل فى المعنى:
تذكّر صنع ربّك كيف يأتى … بما تهواه من فرج قريب
فلا تيأس إذا ما ناب خطب … فكم فى الغيب من عجب عجيب
قال الليث بن سعد، ﵁: مات هرقل سنة عشرين من الهجرة، وكسر الله تعالى بموته شوكة الروم.
قال ابن لهيعة: إنّ مصر فتحت قبل فتح الإسكندرية بتسعة أشهر، وقد اختلف
_________________
(١) وتلاقى: وتلاقا.
[ 1 أ / ٩٩ ]
العلماء فى فتحها، عنوة أو صلحا.
قال ابن شهاب: فتحت مصر، بعضها عنوة، وبعضها صلحا.
وقال يزيد بن أبى حبيب: مصر كلها فتحت بالصلح، إلا الإسكندرية، فإنّها فتحت عنوة.
قال ابن عبد الحكم: لما أبطأ خبر الفتح على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، كتب إلى عمرو بن العاص كتابا يقول فيه: «أما بعد، فقد عجبت لإبطائكم عن خبر الفتح، منذ سنتين، وقد أخبرنا رسول الله ﷺ، أنّ مصر ستفتح على أيديكم، وما ذاك إلا لما أحدثتم، وأحببتم من الدنيا فى قلوبكم، وأنّ الله تعالى لا ينصر قوما إلا بصدق نيّاتهم؛ فإذا أتاك كتابى، فاخطب بالناس وحضّهم على القتال، ورغّبهم فى الصبر، وأن تكون لهم صدمة، كصدمة رجل واحد، وليكن ذلك عند الزوال من يوم الجمعة، فإنّها ساعة تنزل فيها الرحمة، ووقت الإجابة».
فلما أتى كتاب عمر إلى عمرو، قرأه على المسلمين، ثم صلّى ركعتين، وسأل الله تعالى النصر على الأعداء.
وكان عمرو، لما أتاه كتاب أمير المؤمنين عمر، كان على الإسكندرية يحاصرها، فلما قرأ كتاب أمير المؤمنين، توجّه إلى القتال، وكان ذلك فى يوم الجمعة مستهلّ المحرّم سنة عشرين من الهجرة، فبرزوا للقتال كصدمة رجل واحد، فانتصروا على الروم الذين (^١) هناك من عساكر هرقل.
قال ابن لهيعة: استشهد فى فتح الإسكندرية برقا بن الأسود، وكان من مشاهير الصحابة.
فلما فتحت الإسكندرية، وكانت يومئذ دار المملكة، هرب الروم الذين (^١) كانوا بها، وتسحّبوا فى المراكب الكبار، وحملوا ما قدروا عليه من الأموال، ومن الأمتعة، وتوجّهوا إلى نحو بلاد الروم، وتأخّر منهم جماعة بالإسكندرية.
قال ابن عبد الحكم: أحصى من بقى بالإسكندرية من عساكر الروم، غير
_________________
(١) الذين: الذى.
[ 1 أ / ١٠٠ ]
من تسحّب منهم، فكانوا نحو ستمائة ألف إنسان، غير الصبيان، وغير النساء، فأفرضت عليهم الجزية، على كل رأس دينارين؛ وكان بها أربعون ألف يهودى، فرضت عليهم الجزية.
قال ابن لهيعة: لما توجّه عمرو بن العاص إلى فتح الإسكندرية، بعد فتح مصر، فحاصر المدينة مدّة طويلة؛ فلما أعيى [١] من ذلك، جاء إليه رجل يقال له ابن بسامة، وكان بوّابا بالإسكندرية، فقال له: «أيها الأمير، أعطنى الأمان لى، وأولادى، وأهل بيتى، وأنا أفتح للعسكر بابا مخفيا [٢] عن الناس، من أبواب المدينة، فيملكونها من غير قتال»؛ فأجابه عمرو بن العاص إلى ذلك، ففتح له الباب، فما شعر أهل المدينة إلا وقد هجم عليهم العسكر، وملك المدينة، فتسحّب من كان بها كما تقدّم، وقد أخذل الله تعالى عساكر الروم، حتى فتحت هذه المدينة العظيمة، وكانت فى غاية التحصين، قيل كان عليها ثلاثة أسوار.
قال ابن عبد الحكم: لما فتحت مصر، والإسكندرية، فأرسل عمرو بن العاص يبشّر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، فتوجّه بهذه البشارة معاوية [٣] ابن خديج، فسار حتى دخل المدينة الشريفة، وقت الظهر، فلما أخبر أمير المؤمنين بذلك، فنادى بالصلاة جامعة، فتسامعت الصحابة [٤] بذلك، وأتوا أفواجا، فلما تكاملوا خرج أمير المؤمنين عمر، وصلّى بهم ركعتين، شكر الله تعالى على تلك، ثم صلّى بهم صلاة الغيبة، على من استشهد فى هذا الفتح من الصحابة، ﵃، وكان فتح [٥] مدينة الإسكندرية عنوة، بغير عهد ولا صلح.
وكان معنى كتاب عمرو بن العاص، إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁: أما بعد، فإنّى فتحت مدينة الإسكندرية، وهى مدينة لا أقدر أن أصف لك
_________________
(١) أعيى: أعيا.
(٢) مخفيا: مخفى.
(٣) معاوية: معوية: وقد صححت فيما يلى من المتن لتوحيد الصيغة.
(٤) الصحابة: الصاحبة.
(٥) وكان فتح … ولا صلح: كتبت فى الأصل على الهامش فى ص ٥١ ب.
[ 1 أ / ١٠١ ]
ما فيها؛ وهى ثلاث مدائن، بعضها فوق بعض، تختطف بالأبصار من شدّة بياض حيطانها؛ وفيها من الأعمدة الرخام ما لا يحصى عددهم.
وبها منار فى وسط البحر، طوله نحو أربعمائة ذراع (^١)، وفئ أعلاه مرآة مسلّطة على بلاد الفرنج، ينظر الرائى فيها ما يحدث فى بلاد الفرنج، ومن يقصد المدينة من العدو فى المراكب، فيخبر بذلك أهل المدينة، قبل وصول المراكب إليها بأيام، فيستعدوا (^٢) لذلك، وهذا المنار من جملة عجائب الدنيا، ليس فى سائر الدنيا أعجوبة تشاكله.
وبها عمود، يقال له عمود السوارى، ارتفاعه سبعون ذراعا، وقطره خمسة أذرع، وله قاعدتان، طول كل واحدة اثنا عشر ذراعا؛ ووجدت بالمدينة أربعة آلاف دار محكمة البناء، مفروشة بالرخام الملوّن، وفى كل دار منها حمّام تختصّ بها؛ ووجدت بها أربعمائة ملهى برسم الملوك؛ ووجدت بها اثنى عشر ألف بقّال، يبيعون البقل الأخضر من بعد العصر إلى العشاء.
ووجدت بها مائة ألف مركب، من مراكب الروم، الكبار؛ ووجدت بها أربعين ألف يهودى وجبت عليهم الجزية؛ ومن الروم، والقبط، ستمائة ألف إنسان، سوى النساء والصبيان؛ ووجدت على هذه المدينة ثلاثة أسوار مانعة، فأعان الله تعالى، وفتحت هذه المدينة على أيدى المسلمين.
فلما جرى ذلك، أرسل أمير المؤمنين عمر، إلى عمرو بن العاص، تقليدا بولاية مصر، على يدى معاوية بن خديج، فكان عمرو بن العاص أول من تولّى على مصر فى مبتدأ الإسلام، وهو أول أمرائها. ثم إنّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، كتب إلى عمرو بن العاص كتابا يقول له فيه: «من كان من القبط، والروم، فى أيديكم، فخيّروه بين الإسلام ودينه، فإن أسلم، فهو من المسلمين، له ما لهم، وعليه ما عليهم، وإن اختار دينه، فأبقوه على دينه، وقرّروا عليه فى كل سنة دينارين».
_________________
(١) ذراع: ذراعا.
(٢) فتستعدوا: كذا فى الأصل.
[ 1 أ / ١٠٢ ]
ثم إنّ معاوية بن خديج أتى إلى عمرو بن العاص بكتاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، وتقليد له بولاية مصر.
قال ابن عبد الحكم: لما فتح عمرو بن العاص الحصن، وهو المسمّى الآن قصر الشمع، فكان فسطاطه قبالة الحصن، فلما أراد التوجه إلى الإسكندرية، أمر بنزع الفسطاط من ذلك المكان، فلما أرادوا ذلك، وجدوا عليه عشّ يمامة قد باضت به وأفرخت، فقال عمرو: «اتركوا الفسطاط على حاله احتراما لليمامة التى عشّشت عليه»؛ فلما فتح الإسكندرية وأراد التوجّه إلى الحصن، فقالوا له: «أين ينزل العسكر»؟ قال: «مكان الفسطاط»، يعنى الخيمة التى تركها هناك، فلما بنى (^١) هناك المدينة، فسمّيت بمدينة الفسطاط بسبب ذلك.
قال ابن عبد الحكم: لما رجع عمرو بن العاص من الإسكندرية، شرع فى بناء مدينة تجاه قصر الشمع، وكان هذا الموضع يعرف بدار الحصا، فأنشأ هناك دارا يحكم فيها بين الناس، وسمّاها مدينة الفسطاط، فصارت دار المملكة، وهى أول مدينة بنيت فى الإسلام، وكان أولها من كوم الجارح، وآخرها عند الرصد، وصارت تتزايد فى العمارة من مبتدأ الإسلام، إلى أن أنشأ المعزّ القاهرة، فتلاشى أمر مدينة الفسطاط.
قال الشيخ أثير الدين أبو حيّان: أول مدينة عرف اسمها بأرض مصر مدينة أمسوس، وكانت غربى الأهرام، يسكنها ملوك الجبابرة، فلما جاء الطوفان محارسمها، ونسى اسمها؛ ثم بعد الطوفان بنيت مدينة منف، وصارت دار المملكة، يسكنها الفراعنة، وآخر من سكنها من الفراعنة فرعون موسى، ﵇، إلى أن خربها بخت نصر؛ ثم صارت دار المملكة الإسكندرية، وسكن بها القبط، وآخر من سكنها من القبط جريج، المعروف بالمقوقس، وكان يصيّف بمصر، ويشتّى بالإسكندرية.
فلما جاءت دولة الإسلام، وفتحت مصر، فأنشأ عمرو بن العاص، رضى الله
_________________
(١) بنى: بنا.
[ 1 أ / ١٠٣ ]
عنه، مدينة الفسطاط، وصارت دار المملكة؛ إلى أن جاء الأمير أحمد بن طولون، فأنشأ مدينة من عند حدرة ابن قميحة إلى الجبل المقطّم، إلى قناطر السباع، وسمّاها القطائع، وصارت دار المملكة.
إلى أن جاء جوهر القائد من الغرب، وأنشأ للمعزّ، القاهرة، فصارت دار المملكة، وبنى (^١) بها قصر الزمرد، وكان مكان دار الضرب.
فلما زالت دولة الفاطميين، وجاءت دولة الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، فبنى قلعة الجبل، وبنى (^١) سور القاهرة بالحجر الفصّ، فصارت قلعة الجبل دار المملكة بمصر إلى يومنا هذا؛ قال العقيلى فى مدينة الفسطاط:
أحنّ إلى الفسطاط شوقا وإنّنى … لأدعو لها أن لا يخلّ بها القطر
وهل فى الحيا من حاجة لجنابها … وفى كل قطر من جوانبها نهر
تبدّت عروسا والمقطّم تاجها … ومن نيلها عقد بها انتظم الدرّ
قال ابن عبد الحكم: لما استقرّ عمرو بن العاص بمدينة الفسطاط، استقضى (^٢) قاضيا يحكم بين الناس، فكان أول قاض قضى (^٣) بمصر فى الإسلام، عثمان بن قيس بن أبى العاصى السهمى، تولّى بإذن عمر بن الخطاب، ﵁.
قال ابن عبد الحكم: لما استقرّ عمرو بن العاص بمدينة الفسطاط، جمع الأقباط، وقال لهم: «من كان عنده كنز وكتمه عنى، ضربت عنقه»، فقيل له: «إنّ شخصا من الأقباط، يقال له بطرس، عنده كنز عظيم»، فأرسل خلفه، فلما حضر بين يديه، قال له: «بلغنى أنّ عندك كنزا فأحضره»، فأنكر بطرس ذلك، فأمر عمرو بسجنه، فسجن أياما.
ثم إنّ عمرو قال للموكّلين به: «هل تسمعون منه يذكر أحدا من أصحابه فى هذه المدّة»؟ قالوا: «نعم، سمعناه يسأل عن راهب فى الطور».
_________________
(١) وبنى: وبنا.
(٢) استقضى: استقضا.
(٣) قاض قضى: قاضيا قضا.
[ 1 أ / ١٠٤ ]
فأرسل عمرو إلى بطرس، وهو فى السجن، وأمره بأن ينزع خاتمه من أصبعه ويرسله إليه، فأرسل إليه بالخاتم الذى كان فى أصبعه، فأخذ عمرو الخاتم وأرسله إلى ذلك الراهب، الذى فى الطور، عن لسان بطرس، وهو يقول له: «أرسل لى الوديعة التى عندك صحبة حامل هذا الخاتم سرعة»، فلما رأى الراهب خاتم بطرس، عرفه، فلم يشكّ فى تلك (^١) الأمارة بأنّها صحيحة، فأرسل على يد حامل الخاتم حقّة مختومة بالرصاص.
فلما أحضرت (^٢) بين يدى عمرو فتحها، فوجد فيها صحيفة مكتوبا فيها: إنّ الأموال التى وجدت فى كنوز فرعون، تحت الفسقية الكبيرة، التى فى قصر الشمع.
فتوجّه عمرو إلى قصر الشمع، فوجد الفسقية المذكورة ملأى بالماء، فصرف عنها الماء، فوجد أرضها مرخمة بالرخام الأبيض، ففكّ ذلك الرخام، فوجد مخباة فيها ذهب دنانير مسبوكة (^٣) كالعرمة القمح، فنقله بالقفاف إلى داره، ثم إنّه اكتاله بالربع، فإذا هو اثنان وخمسون أردبا؛ هكذا نقله إبراهيم بن وصيف شاه فى «أخبار مصر».
ثم إنّ عمرو أحضر بطرس بين يديه، وضرب عنقه بحضرة جماعة من الأقباط، فلما رأوا ذلك صار كل من كان عنده كنز، أحضره بين يدى عمرو، وإلا صار مثل بطرس، انتهى ذلك.
قال ابن نصر المصرى: كان على باب قصر الشمع صنم من نحاس أصفر، على خلقة الجمل، وعليه شخص راكب، وهو فى زىّ العرب، وعلى رأسه عمامة، وفى رجليه نعلان من جلد، فكانت القبط، والروم، إذا تظالوا، واعتدى بعضهم على بعض، يقفوا (^٤) بين يدى ذلك الصنم، ويقول المظلوم للظالم: «إن لم تنصفنى قبل أن يجئ هذا الرجل الأعرابى، فيأخذ الحقّ لى منك إن رضيت، أو لم ترض (^٥)»،
_________________
(١) تلك: ذلك.
(٢) أحضرت: حضرت.
(٣) مسبوكة: مسكوبة.
(٤) يقفوا: كذا فى الأصل.
(٥) لم ترض: لم ترضى.
[ 1 أ / ١٠٥ ]
يعنون بالراكب على الجمل عن النبى، ﷺ؛ فلما فتح عمرو بن العاص مصر، أخفت القبط ذلك الصنم، لئلا يكون حجّة عليهم.
قال ابن عبد الحكم: كان بالإسكندرية باب (^١) لا يزال مغلقا دائما، وعليه أربعة وعشرون قفلا، فعزم المقوقس على فتحه، فنهوه عن ذلك القساوسة (^٢) والرهبان، وقالوا له:
«لا تفتح هذا الباب، واجعل عليه قفلا، كما فعل من تقدّمك من ملوك القبظ»، فلم ينته (^٣) عن فتحه، فقالوا له الرهبان: «نحن نعطيك من المال ما خطر ببالك أنّ فى هذا المكان منه (^٤)، ولا تفتحه»، فلم يسمع لهم شيئا وفتحه.
فلما دخل فيه، فلم يجد به شيئا من المال، ورأى على صدر الحائط منقوشا، هيئة تصاوير العرب، وهم على خيولهم، بعمائمهم، وسيوفهم فى أوساطهم، وهم على الخيل، والإبل؛ ورأى تحت هذه الصور كتابة بالقلم القديم، فأحضر من قرأ ذلك الخطّ، فإذا معناه: «إذا فتح هذا المكان فى آخر الزمان، فتملك العرب المدينة فى السنة التى يفتح فيها».
وكان الأمر كذلك، وملكوا العرب المدينة فى تلك السنة، وكان كل من ملك الإسكندرية يجعل على ذلك الباب قفلا، وهذه الأقفال بعدد من ملك الإسكندرية من الملوك، انتهى.
قال ابن لهيعة: لما فتحت الإسكندرية، احتال جماعة من الروم المستعربة، وأتوا إلى عمرو بن العاص، ﵁، وأحضروا معهم كتابا بخطّ قديم، فإذا فيه مكتوب: أنّ أموال الإسكندر بن فلبش - وقيل فلبش (^٥) كان جدّه لأمه ناهيل بنت ملك الروم - المجدونى (^٦) الرومى، تحت النار، الذى بالمدينة، عند النصف
_________________
(١) باب: بابا.
(٢) القساوسة: القساقسة.
(٣) فلم ينته: فلم ينتهى.
(٤) منه، يعنى من المال.
(٥) فلبش: قلبش.
(٦) المجدونى: المجذونى.
[ 1 أ / ١٠٦ ]
من بنائه، فحسّنوا لعمرو بن العاص أن يهدم المنار إلى نصفه، ويأخذ الأموال التى فيه، ثم يعيد بناء المنار إلى ما كان عليه.
فأمر عمرو بهدم المنار، وقلع المرآة التى كانت به، فلما هدموه إلى مقدار ثلثه، فلم يجدوا فيه شيئا من المال، فطلب الجماعة الذين (^١) ذكروا له ذلك، فلم يجدهم، وقد هربوا تحت الليل، وتمّت حيلتهم على عمرو بن العاص، وعلم أنّها خديعة من الروم، ثم شرع عمرو فى بناء ما هدم من المنار، ووضع المرآة كما كانت أولا، فبطل فعلها من حينئذ.
وكان من شأن هذه المرآة، إذا دنا من المدينة عدو يقابلون (^٢) بهذه المرآة عين الشمس، ويستقبلون بها سفن العدو، فيقع شعاع الشمس على المرآة، فتحترق السفن، وهى فى البحر، ويهلك من فيها من العدو.
وكانت هذه المرآة يرى فيها ما يحدث فى القسطنطينية من الحوادث، حتى يرى فيها المرأة وهى تحلب البقرة، وغير ذلك. فبطل فعلها من يومئذ، وكانت من جملة عجائب الدنيا، انتهى ذلك.