قال الشيخ شمس الدين الذهبى فى نسب المعزّ: هو أبو تميم معد بن المنصور إسمعيل بن القائم بالله محمد بن المهدى عبيد الله المغربى الفاطمى، ولد ببلاد المغرب، بمدينة أفريقية، يوم الجمعة تاسع عشرين شوال سنة إحدى وأربعين وثلثماية، وهو رابع خليفة من بنى عبيد الله بمدينة أفريقية.
قيل، لما دخل معد المعزّ إلى مصر، سأله ابن طباطبا العلوى، عن نسبه، فجذب نصف سيفه من غمده، وقال: «هذا نسبى»، ثم أحضر أكياسا (^١) فيها ذهب، وفرّقها على الجند، وقال: «هذا حسبى».
وفى سبب شرف هؤلاء (^٢) الفاطميّين أقوال كثيرة، فمن الناس من نسبهم إلى فاطمة بنت رسول الله، ﷺ.
ومن الناس من نسبهم إلى الحسين بن محمد بن أحمد بن القدّاح، وكان أصل القدّاح من أبناء المجوس، وهذا أشهر نسبهم عند أرباب التواريخ.
قال الشيخ شمس الدين الذهبى: لما دخل المعزّ إلى مصر، كان معه ألف وخمسمائة جمل، موسوقة ذهبا عينا، وكان معه من القماش والتحف ما لا يحصر.
فمن جملة ما قيل أن كان معه من التحف قبّة من البلّور، وهى قطعتان، يجلس فيها أربعة أنفس، فكانت إذا نصبت فى ليلة مقمرة، تخفى ضوء القمر من شعاعها؛ وكان معه أربع خوابى من البلّور، تسع قدر راوية من الماء، كل واحدة منها؛ وكان معه من التحف غير ذلك، ما هو أعجب مما سمع (^٣).
قيل، لما دخل المعزّ مصر، حمل معه أجداده الذين ماتوا بمدينة أفريقية، فحملهم
_________________
(١) أكياسا: أكياس.
(٢) هؤلاء: هذه.
(٣) بما سمع: من مما سمع.
[ 1 أ / ١٨٧ ]
فى توابيت من خشب ودفنهم بمصر، وأيقن أنّ ملك مصر انحصر فيه، وفى أولاده، إلى آخر الزمان.
فلما دخل مصر ورأى ما قد بناه جوهر، القائد، من القاهرة، فلم يعجبه ذلك، وقال له: «لقد بنيت هذه المدينة فى وطئة، لا هى بحرية، ولا هى جبلية»، وكان قصد المعزّ لو بناها جوهر عند الرصد، أو على شاطئ النيل.
وكان المعزّ سمّى القاهرة أولا المنصورية، فلما بلغه ما وقع للفلكية من أمر القاهر، يعنى المريخ، فغيّر اسمها، وقال: «سمّوها القاهرة»، فاستمرّ اسمها القاهرة من يومئذ، وفيها يقول القائل:
لله قاهرة المعزّ فإنّها … بلد تخصّص بالمسرّة والهنا
أو ما ترى فى كل قطر منية … من جانبها فهى مجتمع المنى
وقال آخر:
مصر لها الأفضال إذ لم تزل … على العدا منصورة ظاهرة
ما غولبت كلا ولا قوهرت … إلا وكانت مصر والقاهرة
قيل، إنّ أول شئ حكمه المعزّ بمصر، أنّ امرأة وقفت إليه بقصّة، وأنشأت تقول قول أبى العلاء المعرى:
تحطّمنا ريب الزمان كأنّنا … زجاج ولكن لا يعاد له سبك
فقال لها المعزّ: «من أنت أيتها المرأة»؟ قالت: «أنا زوجة (^١) الأمير أبو بكر ابن محمد بن طقج الإخشيدى، صاحب مصر»؛ فقام إليها المعزّ وعظّمها، وقال:
«ما حاجتك»؟ قالت: «إنى قد أودعت بغلطاقا لى عند شخص يهودى، فأقام عنده مدّة، ثم إنى طلبته منه فأنكره، فقلت له: خذ منه ما تختار من جواهر، وأعطنى الباقى، فأبى (^٢) وامتنع من الإعطاء، وأنكر ذلك أصلا».
فلما سمع المعزّ ذلك، أرسل خلف اليهودى، وسأله عن أمر البغلطاق، الذى
_________________
(١) زوجة: زوجت.
(٢) فأبى: فأبا.
[ 1 أ / ١٨٨ ]
أودعته عنده زوجة (^١) الإخشيدى، فأنكره ولم يعترف به، فأمر بشنقه؛ فلما تحقّق ذلك اعترف به، فأمره المعزّ بإحضاره، فلما أحضره بين يديه، تحيّر مما فيه من الجواهر واليواقيت، ثم إنّه وجد اليهودى قد سرق من صدر البغلطاق درّتين، فسأله عن ذلك، فاعترف أنّه باع تلك الدّرتين بألف وستمائة دينار.
فأخذ المعزّ البغلطاق من اليهودى ودفعه إلى زوجة الإخشيد، ثم إنّها سألته أن يأخذ منه شيئا على سبيل الهديّة، فأبى (^٢) من ذلك، فأخذت البغلطاق، وانصرفت وهى داعية له، ثم أمر بشنق اليهودى، فشنق، وهذا أول شئ حكمه بالقاهرة.
وكان المعزّ يحبّ العدل والإنصاف بين الرعية، غير أنّه كان يميل إلى مذهب الرفض، ويسبّ الصحابة يوم الجمعة على المنابر.
فلما استقرّ المعزّ بالقاهرة، شرع الأمير جوهر، القائد، فى بناء الجامع الأزهر، وهو من إنشائه، وكان الأمير جوهر وزيرا للمعزّ، وكان خصيّا صقلّى الجنس، وكانت له حرمة وافرة، وكلمة نافذة، فبنى هذا الجامع، وانتهى العمل منه فى جمادى الأولى سنة اثنتين وستين وثلثماية، وهو أول جامع بنى بالقاهرة، وإنما سمّى بالأزهر لزهارته بين الجوامع.
قيل، كان به تنّور فضّة، وسبعة وعشرين قنديلا من الفضّة، وكان فى محرابه منطقة فضّة، وكان به طلسم برسم الطيور، فكان لا يقربه عصفور، ولا حمام، ولا بمام، ولا شئ من أنواع الطيور.
فلما بنى جامع الحاكم تلاشى أمر جامع الأزهر وخرب، وأقام مدّة طويلة وهو خراب، إلى أيام الملك الظاهر بيبرس البندقدارى، فأمر بإصلاحه وأعاد فيه الخطبة، بعد تعطله هذه المدّة الطويلة؛ انتهى ذلك.
قال الذهبى: إنّ المعزّ لما استقرّ بالقاهرة، خرج عليه خارجى، يقال له الحسن
_________________
(١) زوجة: زوجت.
(٢) فأبى: فأبا.
[ 1 أ / ١٨٩ ]
ابن أحمد القرمطى، أتى من الشام فى جيش كثيف من العساكر، وكان معه الأمير حسّان بن الجراح الطائى، أمير العرب، ومعه الجمّ الغفير من عربان الشام، حتى سدّ بهم الفضاء، فكان ينشد ويقول:
زعمت رجال الغرب أنّى هبتهم … فدمى إذا ما بينهم مطلول
يا مصر إنّ لم أسق أرضك من دم … يروى ثراك فلا سقانى النيل
فلما رأى المعزّ أنّه لا يقوى على محاربة حسّان بن الجراح، أرسل يقول له فى الدسّ:
«ارحل عن مصر، وأنا أرسل إليك بمائة ألف دينار»، فأرسل حسّان يقول له:
«إن بعثت إلى بما تقول، رحلت عن مصر»؛ فأرسل إليه المعزّ مائة ألف دينار، فى أكياس مختومة.
قال بعض المؤرّخين: إنّ ذلك الذهب الذى أرسله المعزّ إلى حسّان، كان زغلا، نحاس ملبّس بالذهب، فجعل الذهب الخالص فوق الأكياس، والذهب النحاس أسفله.
فلما التقت الجيوش للحرب، فأظهر حسّان أنّه قد انكسر، فانهزم بمن معه من العربان، فعند ذلك ضعفت شوكة عسكر أبو الحسن القرمطى، وانهزم من ساعته، وقويت عليه عساكر المعزّ، فكسروهم، وولّوا مدبرين.
ومن الحوادث فى أيامه، أنّ فى سنة ثلاث وستين وثلثماية، خرج بنو هلال (^١) على الحجّاج، فقتلوا منهم خلقا كثيرة، ولم يحجّ فى تلك السنة سوى أهل العراق فقط.
ولما تولّى المعزّ على مصر، منع القبط مما كان يعمل فى يوم النوروز، من صبّ المياه على الناس فى الطرقات، ووقود النار فى تلك الليلة، وكانوا يخرجون فى ذلك عن الحدّ؛ ومنعهم أيضا مما كان يعمل فى ليلة الغطاس، من نزول المراكب، وضرب الخيام على شاطئ النيل، قبالة المقياس، فأشهر النداء بإبطال ذلك، وهدّد من يفعل ذلك بالشنق، فرجع الناس عن ذلك، وكان يحصل منه غاية الفساد.
_________________
(١) بنو هلال: بنوا هلال.
[ 1 أ / ١٩٠ ]
قال بعض المؤرخين: إنّ المعزّ كان يميل إلى علم الفلك، فأخبروه جماعة من الفلكية، أنّ عليه قطعا شديدا فى شهر كذا وكذا، فى يوم كذا وكذا، وأشاروا عليه بأن يختفى فى سرب تحت الأرض، حتى يمضى عنه ذلك القطع، فاختفى فى سرب نحو أربعة أشهر.
فلما طال غيبته على عسكره، ظنّوا أنّه رفع إلى السما، فكان الفارس من عسكره، إذا نظر إلى الغمام فى السماء، ينزل عن فرسه، ويقول: «السّلام عليك يا أمير المؤمنين»؛ فلا زالوا على ذلك حتى ظهر من السرب، وجلس على سرير ملكه، وهم يحسبون أنّه كان فى السماء وأتى إليهم.
واستمرّ المعزّ فى خلافته بالقاهرة، حتى توفّى، وكانت وفاته فى ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلثماية؛ وكانت مدّة خلافته بمصر نحو ثلاث سنين ونصف؛ ومات وله من العمر نحوا من أربع وعشرين سنة؛ ودفن عند سيدى زين العابدين، الذى تربته بين الكيمان، عند حدرة ابن قميحة.
والمعزّ هو أول خلفاء بنى عبيد الله بمصر، وكانوا يقولون: «نحن أفضل من خلفاء بنى العبّاس، لأننا من ولد فاطمة، بنت رسول الله، ﷺ».
فكانت الخلفاء الفاطمية يحكمون من مصر إلى الفرات، وإلى مكّة والمدينة، وكانت مصر، وبلاد المغرب، مملكة واحدة؛ وكانت خلفاء بنى العبّاس يحكمون من الفرات إلى بغداد وأعمالها، وسائر بلاد الشرق، وكان يخطب لكل خليفة منهما، فى الجهة التى تحت حكمه، باسمه فقط.
ولما تولّى المعزّ على مصر، قام لها حرمة، واستكثر فيها من العساكر، ما بين كنانة، وروم، وصقالبة، ومغاربة، وعبيد سود، وطائفة يقال لهم زويلة؛ حتى قيل: لم يطأ الأرض بعد جيوش الإسكندر بن قلبش الرومى، أكثر من عساكر المعزّ الفاطمى.
وبلغ خراج مصر فى أيامه ألف ألف دينار ومائتى ألف دينار، وكان خراجها قد انحطّ قبل ذلك إلى الغاية، فجدّد بها الأمير جوهر، القائد، ما فسد من جسور وقناطر
[ 1 أ / ١٩١ ]
وغير ذلك، حتى استقامت أحوال الديار المصرية فى أيامه. ولما مات المعزّ، تولّى بعده ابنه العزيز نزار؛ انتهى ما أوردناه من أخبار المعزّ الفاطمى، على سبيل الاختصار.