وتعدد أسمائها، والمعنى الذى من أجله سميت الأرض بمصر، وما السبب فى ذلك قال المسعودى: سمّيت مصر بمصر بن مركائيل بن دوائيل بن غرباب، وقيل عرناب، بن آدم، ﵇، وهو مصر الأول؛ وقيل بل سمّيت بمصر الثانى، وهو مصرام بن نقراؤش الجبار بن مصريم بن بيصر بن حام بن نوح، ﵇، وكان ذلك بعد الطوفان؛ وهو اسم أعجمى لا ينصرف؛ وقال آخرون: هو اسم عربى مشتقّ.
وأما من ذهب إلى أنّ مصر اسم أعجمى، فإنّه استند إلى ما رواه أهل العلم بالأخبار، من نزول مصريم بن بيصر بهذه الأرض، وقسمّها بين أولاده، فعرفت به.
وقال ابن عبّاس، ﵄: كان لنوح، ﵇، أربعة من الولد، وهم: سام، وحام، ويافث، وأرفخشد، ثم إن نوحا، ﵇، رغب إلى الله تعالى بأن يرزقه الإجابة فى ولده وذرّيته، فصعد إلى جبل عال، ونادى أولاده عند السحر،
_________________
(١) لا ستغنى: لا استغنى.
[ 1 أ / ٩ ]
وهم نيام، فلم يجبه أحد منهم، إلا ابنه سام، وابنه أرفخشد؛ فلما حضرا بين يديه، وضع يمينه على ابنه سام، وشماله على ابنه أرفخشد، وسأل الله تعالى أن يبارك فى ابنه سام، وأن يجعل من نسله الترك؛ وأن يبارك فى ابنه أرفخشد، وأن يجعل الملك والنبوّة فى أولاده؛ ثم نادى ابنه حام، فلم يجبه، ولا أحد من أولاده، فقال: «اللهم اجعل أولاده أذلّة وعبيدا لأخيه سام».
وكان مصريم بن بيصر بن حام نائما إلى جانب جدّه حام، فلما سمع دعاء نوح على جدّه حام، فقام مسرعا، وجاء إلى نوح، وقال: «يا جدّى، قد أجبتك، وإن لم يجبك جدّى، فاجعل لى دعوة من دعوتك»؛ فوضع نوح يده على رأس مصريم، وقال:
اللهم إنّه قد أجاب دعوتى، فبارك فيه وفى ذريّته، وأسكنه الأرض المباركة (^١) التى هى أمّ البلاد، وغوث العباد، التى نهرها أفضل أنهار الدنيا، واجعل منها أفضل البركة، وسخّر له ولولده؛ ثم دعا ولده يافث، فلم يجبه، ولا أحد من ولده، فدعا عليه، وقال: «اللهم اجعل نسله شرار الخلق»، فكان من نسله يأجوج ومأجوج.
قال ابن عبد الحكم: أول من سكن مصر بعد الطوفان، مصريم بن بيصر بن حام ابن نوح، ﵇، وبه سمّيت مصر، ومصريم هذا هو أبو القبط؛ وكان اسم مصر قبل الطوفان: جزلة، فلما جاء الطوفان ومحى رسمها، وعمرت بعد الطوفان، فسمّيت: درسان، أى باب الجنّة، لحسن ما كانت عليه من كثرة (^٢) الثمار والفواكه، وخصب الأرض، وكثرة الزرع، وإفلاحه بأراضى مصر.
قال على بن محمد الحكيم الترمذى، وليس بأبى عيسى الترمذى، صاحب الجامع الصحيح: ذكر فى كتاب نوادر الأصول، عن ابن عبّاس، ﵄، أنّه قال: لما غرست الأشجار بمصر فى أيام مصريم بن بيصر بن حام بن نوح، ﵇، فكانت ثمارها عظيمة جدّا، بحيث أنّ الأترجة، تشقّ نصفين، ويحمل كل نصف منهما على بعير؛ وكانت القثاء، فى طول أربعة عشر شبرا؛ وكان طول الطرف القرع،
_________________
(١) المباركة: المباركت.
(٢) كثرة: كثرت.
[ 1 أ / ١٠ ]
ثلاثين شبرا؛ وكان طول البلحة الواحدة، شبرا؛ وكان العرجون الموز، يحمل ثلثماية موزة، وكل موزة منها رطلا؛ وكان العنقود العنب، إذا قطف من كرمه، يحمل على بعير من عظمه؛ وكانت الكمثرى، زنة (^١) كل واحدة سبعمائة درهم؛ وكانت الرمّانة الواحدة، إذا قشرت، يقعد فى قشرها ثلاثة أنفار؛ وكانت البطيخة الواحدة، زنتها ثمانون رطلا؛ وكانت الحبّة القمح، قدر كلية البقرة؛ وكانت الوردة الواحدة، تحمل ألف ورقة؛ وعلى هذا فقس بقيّة الأصناف من الفواكه، والحبوب، وغير ذلك؛ وكان هذا بدعوة آدم، ﵇، حيث دعا لها بالبركة، وكذلك نوح، ﵇، دعا لها بالبركة.
قال ابن عبّاس، ﵄: لا زالت الناس ينقصون فى الأرزاق والآجال فى كل عام، إلى وقتنا هذا، من حين مبتدأ الزمان وإلى الآن.
قلت (^٢): ومصداق هذه الأخبار، ما قاله الشيخ حسام الدين بن زنكى الشهرزورى، قال: كان بالواحات الداخلة شجرة نارنج، يقطف منها فى كل سنة نحو أربع عشرة ألف نارنجة، ما سوى ما يتناثر من الريح، وما هو أخضر.
قال الشيخ تقىّ الدين المقريزى، صاحب «الخطط»: فلما سمعت بذلك أنكرته، ولم أصدّقه لغرابته، فقد رآنى سافرت إلى الواحات الداخلة، وشاهدت هذه الشجرة:
فإذا هى قدر جميزة كبيرة، فسألت مستوفى الناحية عما تطرح فى كل سنة، فأحضر لى قوائم تتضمّن لذلك، فتصفّحتها، فإذا فيها: قطف منها فى سنة إحدى وسبعمائة، أربع عشرة ألف نارنجة، صفراء مستوية، سوى ما بقى عليها من الأخضر، وما تناثر من الريح، فتعجبت من ذلك غاية العجب، انتهى ذلك، فهذا بقية ما كان بمصر من العجائب.
_________________
(١) زنة: زنت.
(٢) قلت: ابن إياس يعنى نفسه.
[ 1 أ / ١١ ]