وهو الثامن من خلفاء بنى عبيد الله الفاطمى؛ بويع بالخلافة بعد قتل ابن عمّه الآمر بأحكام الله.
وكان الحافظ هذا رجلا حليما ليّن الجانب، قليل الأذى، فطمعت فيه الرعيّة، واضطربت الأحوال فى أيامه، واستولت الفرنج على غالب البلاد، وطمع الفلاحون فى أهل مصر، وامتنعوا عن وزن الخراج، وتعطّل جوامك الجند، فكان كما قيل:
«الحليم مطية الجاهل».
[قال الكندى: لما طالت دولة الفاطمية على الناس، كتب إليهم بعض الشعراء هذين البيتين، وهما:
احذروا من حوادث الأزمان … وتوقّوا طوارق الحدثان
قد أمنتم من الزمان ونمتم … ربّ خوف مكمن فى أمان] (^١)
_________________
(١) قال الكندى … فى أمان: كتبت فى الأصل على هامش ص ١١١ ب.
[ 1 أ / ٢٢٤ ]
وفى أيامه، سنة تسع وعشرين وخمسمائة، كانت وفاة ظافر الحدّاد الإسكندرانى، وكان من أعيان الشعراء، وله شعر جيّد، فمن ذلك قوله:
ونفّر صبح الشيب ليل شبيبتى … كذا عادتى فى الصبح مع من أحبّه
وقد عدّ هذا البيت من المرقص.
وفى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، توفّى أبو الغمر محمد بن على الهاشمى الإسنارى، وكان من أعيان الشعراء، وله شعر جيّد، فمن ذلك قوله:
إن قلّ مالى فلا خلّ يصاحبنى … وإن زاد مالى فكل الناس خلاّنى
كم من غريب لأجل المال صاحبنى … وصاحبى حين راح المال خلاّنى
وقوله أيضا:
عذراء تفتر عن درّ على ذهب … إذا صببت بها ماء على لهب
وافى إليها سنان الماء يطعنها … فاستلأمت زردا من فضّة الحبب
وفى هذه السنة، أهدى ملك الفرنج هديّة إلى الحافظ، من جملتها دبّ أبيض، وشعره مثل شعر السبع، وكان ينزل البحر، ويصيد السمك، ويأكله.
وفى أيام الحافظ، دخل مصر شخص يقال له أبو عبد الله الأندلسى، وكان له يد طائلة فى علم السيمياء، فأحضره الحافظ بين يديه، وقال له: «أرينا (^١) شيئا من علم السيمياء»، فامتنع من ذلك، فألحّ عليه فى ذلك، فقال له: «غمّض عينك وافتحها»، فغمّض عينه وفتحها، فرأى ساحة القصر كأنها لجّة ماء، وفيها سفينة كبيرة، وحولها شوانى حربية، فوقع بينهما الحرب والقتال، فكانت السيوف تلمع، والقسى ترمى بالسهام، والبنود يخفق، والرءوس تهدر، والدماء يسيل، فلا يشكّ الناظر فى حقيقة ذلك؛ ثم إنّ أصحاب السفينة، سلموا إلى أصحاب الشوانى، فساروا بها والطبول تضرب، والبوقات تزعق، حتى غابوا عن الأبصار، ثم ذهبت تلك اللجّة الماء التى كانت فى القصر، وعاد كما كان.
_________________
(١) أرينا: كذا فى الأصل.
[ 1 أ / ٢٢٥ ]
فلما رأى الحافظ ذلك، تعجّب منه، وكان حوله جماعة من خواصبّه، فأشاروا بقتل الشيخ أبى عبد الله، وقالوا: «هذا يفسد على الناس عقولها»، فلم يوافقهم الحافظ على قتله، ثم قال للشيخ أبى عبد الله: «أرنى شيئا فى هؤلاء الذين أشاروا بقتلك»، فقال الشيخ: «آمرهم، يمضوا إلى منازلهم».
فلما انصرفوا، صار كل من أراد أن يركب دابّته، يراها مثل الثور العظيم، ولها فى رأسها قرون طوال، فتحيّروا من ذلك، ورجعوا إلى الحافظ، وذكروا له ما جرى لهم فى دوّابهم، فضحك، وقال: «أفدوا دوابّكم منه بشئ»، فما منهم إلا من أعطاه شيئا حتى أطلق لهم دوابّهم.
قال الذهبى: إنّ الحافظ كان يشتكى بألم القولنج، فصنع له الحكيم شبرماه الديلمى، طبل باز مركّب من المعادن السبعة، وهو مرصود فى أوقات معلومة، وكان من خاصية هذا الطبل، إذا ضرب عليه أحد، خرج من جوفه ريح، فيذهب عنه القولنج.
فلما تولّى صلاح الدين يوسف بن أيوب على الديار المصرية، استعرض حواصل الخلفاء الفاطمية، فوجد فيها هذا الطبل فى علبة، فأخذه بعض الأكراد، وضرب عليه، فخرج منه ريح، فحفق من ذلك، وأرمى الطبل من يده على الأرض، فانكسر وبطل فعله، فندم على كسره صلاح الدين بن أيوب؛ غاية الندم، انتهى.
واستمرّ الحافظ لدين الله فى الخلافة بمصر حتى مات، فكانت وفاته فى جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة؛ وكانت مدّة خلافته تسع عشرة سنة وسبعة أشهر.
ولما مات تولّى بعده ابنه الظافر بالله؛ انتهى ما أوردناه من أخبار الحافظ لدين الله، وذلك على سبيل الاختصار.
[ 1 أ / ٢٢٦ ]