وهو السابع من خلفاء بنى عبيد الله بمصر؛ بويع بالخلافة بعد موت أبيه المستعلى، فى يوم الاثنين تاسع صفر سنة خمس وتسعين وأربعمائة.
وكان صغير السنّ، طائش العقل، تجاهر بالمنكرات، واشتغل بسماع الزمور، وشرب الخمور، وأنشأ له قصرا بالروضة، على شاطئ النيل، وسمّاه: الهودج، وأنشأ حوله بستانا، وسمّاه: المختار؛ وصار ينزل إلى ذلك القصر، واشتغل به عن أحوال المملكة، وصار الناس مثل الغنم بلا راع، فعند ذلك اضطربت أحوال مصر.
[وفى سنة ثلاث وخمسمائة، توفّى القاضى شرف الدين يحيى بن محمد بن إبراهيم ابن محمد بن نوح بن زيد التنوخى، صاحب التآليف الغريبة، وكان مولده سنة اثنتين وأربعين وأربعمائة] (^١).
وجاءت الأخبار بأنّ الفرنج استولوا على مدينة عكّا، وطرابلس، ونابلس،
_________________
(١) وفى سنة … وأربعمائة: كتبت فى الأصل على هامش ص ١١٠ آ.
[ 1 أ / ٢٢١ ]
وانقطع الدرب الشامى من السلوك، وأشرف ملك الفرنج على أخذ مصر، ووصل إلى العريش، وكان ملك الفرنج يسمّى: بردويل.
فلما وصل إلى العريش، مرض هناك مرضا شديدا، ومات بالعريش؛ فكتم أصحابه موته خوفا من المسلمين، وشقّوا بطنه، وأرموا مصارينه، ودفنوها بالعريش.
وقد صار من يومئذ لا يمرّ أحد من المسافرين بالعريش، إلا ويرجم ذلك المكان، الذى دفنت فيه مصارين بردويل، وسمّيت إلى الآن سبخة بردويل؛ وأما جثته فحملت إلى بيت المقدس، ودفنت بالقيامة (^١) التى هناك.
وفى سنة خمس عشرة وخمسمائة، فى رمضان، قتل الوزير الأفضل أبو القاسم شاهنشاه، قتله بعض الفداوية، وهو راكب فى بعض أشغاله.
والأفضل هذا، هو الذى بنى الجامع بثغر الإسكندرية، عند سوق العطارين.
قال ابن خلكان: لما قتل الأفضل، وجد له من الأموال ستمائة ألف ألف دينار ذهب عين، ومن الفضّة مائتين وخمسين أردبا؛ ومن القماش سبعين ألف ثوب حرير، ملوّن؛ ودواة مرصعة بفصوص، قوّمت باثنى عشر ألف دينار؛ ووجد عنده خمسمائة صندوق ما يعلم ما فيها.
ولما قتل الأفضل، تولّى عوضه فى الوزارة أبو عبد الله الأقمر، وهو الذى بنى جامع الأقمر، الذى فى الأمشاطيين عند سوق مرجوش.
وفى هذه السنة، توفّى الشيخ شمس الدين محمد بن إسحق بن أسباط الكندى النحوى، وكان إماما فى النحو.
قال الشيخ شمس الدين الذهبى فى «العبر»: إنّ فى سنة ثمان عشرة وخمسمائة، سلسل النيل فى الزيادة إلى بعد مضى النوروز بتسعة أيام، وبلغت الزيادة فى تلك السنة ثلاثة عشر ذراعا إلا ثلاثة أصابع، فشرقت البلاد، ووقع الغلاء بمصر، وعدمت الأقوات وتناهى سعر القمح إلى ثلاثين دينارا كل أردب، وأكلت الناس بعضها بعضا، واستمرّ الحال على ذلك نحو سنة.
_________________
(١) بالقيامة: بالقمامة.
[ 1 أ / ٢٢٢ ]
قيل: هجم رجل على بعض المغاربة وهو يأكل فى رغيف، فلما رآه أقبل ستر الرغيف منه، فقال له الرجل: «أما سمعت فى الحديث، طعام واحد كافى اثنين»؟ فقال له المغربى: «يا أخى، ذاك فى ضوء السراج، إذا كان لواحد يكفى جماعة، وأما فى هذا الرغيف فلا أطعمك منه لقمة».
ولما سلسل النيل فى الزيادة، نسبوا ذلك من فعل الحبشة أنهم حيروا مجرى (^١) النيل، فرسم الخليفة الآمر بأحكام الله لبطرك النصارى، أن يتوجّه إلى بلاد الحبشة بسبب مجرى (^١) النيل، فتوجّه البطرك إلى بلاد الحبشة، ولم يفد من ذلك شيئا.
وفى هذه السنة شرع الآمر بأحكام الله فى بناء جامعه الذى فى الحسينية، يعرف بالجامع الأنور.
وفى سنة تسع عشرة وخمسمائة، قبض الآمر على الوزير أبو عبد الله الأقمر، وصادره وأخذ جميع أمواله؛ فظهر له من الأموال ما لا يحصى، فمن ذلك مائة صندوق، ما بين ذهب عين، ودراهم فضّة، وجواهر فاخرة؛ ووجد عنده مائة برنية مملوءة من الكافور الفنصورى، الذى لا يوجد، ومن العود القمارى مائة منّ؛ ووجد عنده ثلثماية صندوق فيها قماش جسمه، ما بين سكندرى ودقّ تنيس، وحرير ملوّن، وغير ذلك من سائر الأنواع الغريبة.
ثم قتل أبو عبد الله الأقمر، واستقرّ فى الوزارة بعده المأمون البطائحى، فأقام فى الوزارة نحو سنة، وقبض عليه الآمر وصلبه، واحتاط على موجوده، من غير ذنب يصدر منه.
فلما قتل المأمون البطائحى، لم يلبث الآمر بعده إلا مدّة يسيرة، وقتل، وهو راجع من الروضة على الجسر، الذى كان ينصب برسم الخلفاء، يمشون عليه من غير تعدية، فوثب عليه هناك جماعة من العبيد الزنج، فقتلوه بالخناجر تحت الليل، وهو سكران، فحملوه إلى عند قصره، فمات فى تلك الليلة.
وكانت قتلته فى ليلة الثلاثاء، فى العشرين من ذى القعدة (^٢) سنة أربع وعشرين
_________________
(١) مجرى: مجراه.
(٢) ذى القعدة: ذى قعدة.
[ 1 أ / ٢٢٣ ]
وخمسمائة؛ وكانت مدّة خلافته بمصر تسع وعشرين سنة وشهرين، ولما قتل مات من غير ولد.
فلما أصبح يوم الثلاثاء، وأشيع بين الناس قتل الآمر، فاضطربت أحوال القاهرة، وماجت بأهلها.
فوثب على الناس غلام أرمنىّ من مماليك الآمر، واستحوذ على خزائن الأموال، وقصد أن يأخذ الخلافة لنفسه باليد، ونهب بيوت أعيان الناس.
فحضر الوزير أبو على أحمد بن الأفضل شاهنشاه، وأخرج عبد المجيد بن المستنصر بالله، من دور الحرم، وولاّه الخلافة؛ انتهى ما أوردناه من أخبار الآمر بأحكام الله، وذلك على سبيل الاختصار.