وهو الثالث من خلفاء بنى عبيد الله بمصر، تولّى الخلافة بعد موت أبيه العزيز بالله، يوم الثلاثاء سلخ رمضان سنة ست وثمانين وثلثماية؛ وكان مولده بالقاهرة فى يوم الجمعة سادس عشرين جمادى الأولى سنة خمس وسبعين وثلثماية.
فلما تولّى الخلافة، أظهر العدل بين الرعية، وسار فى الناس سيرة حسنة، على طريقة أبيه العزيز.
وأخذ فى أسباب بناء الجامع المعروف به، وكان والده العزيز بنى (^١) أساس هذا الجامع، ولم يتمّه، فأكمله ابنه الحاكم، فعرف به؛ وكان انتهاء العمل منه فى سنة ثلاث وتسعين وثلثماية.
ثم بنى بعده جامع راشدة الذى تحت الرصد؛ وراشدة كانت قبيلة من قبائل العرب من بنى لخم، نزلوا هناك، فسمّى الجامع براشدة، مضافا للقبيلة التى (^٢) نزلت هناك.
ومن بناء الحاكم أيضا، جامع المقسى، الذى عند باب البحر، وكان مطلاّ على بحر النيل، ثم خرب، وأقام مدّة وهو خراب، فجدّده الصاحب شمس الدين المقسى،
_________________
(١) بنى: بنا.
(٢) التى: الذى.
[ 1 أ / ١٩٧ ]
فى سنة سبعين وسبعمائة، فعرف به من يومئذ، وأصله من بناء الحاكم قديما.
ثم إنّ الحاكم أفرد لليهود حارة زويلة، وأسكنهم بها، وأمرهم أن لا يخالطوا المسلمين فى حاراتهم، وكان فى وقت، أمرهم أن يدخلوا كلهم قاطبة فى الإسلام، فخافوا منه وأسلموا كلهم، ثم أذن لهم بالعود إلى دينهم، فارتدّ منهم فى يوم واحد نحو من سبعة آلاف يهودى، ثم أمر بهدم كنائسهم، فهدمت، ثم أمر بإعادتها إلى ما كانت عليه أولا.
وفى أيامه توفّى أبو محمد الحسن بن إبراهيم بن زولاق المصرى، المؤرّخ، مات فى ذى القعدة سنة تسع وثمانين وثلثماية.
وفى هذه السنة، أصابت الحاجّ عطشة شديدة فى الطريق، فهلك منهم نحو الثلث من العطش، حتى قيل إنّ شربة ماء أبيعت بألف دينار، الذى شربها مات، والذى أباعها مات.
وكان القائم بتدبير أمور القاهرة فى أيام الحاكم، الأمير برجوان، وهو صاحب الحارة المعروفة به، وكان الحاكم بأمر الله (^١) لا يتصرّف فى شئ من أمور المملكة إلا برأى الأمير برجوان، وكان معه كالمحجور عليه، فما أطاق الحاكم ذلك، فندب إلى برجوان من قتله وهو فى الحمّام.
فلما مات احتاط على موجوده، فوجد له أضعاف ما وجد للأمير جوهر، القائد، فمن جملة ذلك من الذهب العين مائتى ألف ألف دينار، ومن الفضّة الدراهم خمسين أردبا؛ ووجد له من القماش مائتان وستين بقجة؛ ووجد له ألف قميص حرير سكندرى؛ ووجد له اثنا عشر صندوقا، ضمنهم جواهر وفصوص؛ ووجد من الفرش والأوانى ما لا يحصى؛ حتى قيل كان ينقل من حارة برجوان إلى قصر الزمرّد، فى كل يوم، دفعتان على مائتى جمل، نحو أربعين يوما فى موجود برجوان، وهو لا يفرغ؛ هذا خارجا عن الضياع، والأملاك، والدواب، والبهائم، والعبيد، والجوار، وغير ذلك.
_________________
(١) بأمر الله: بالله.
[ 1 أ / ١٩٨ ]
قال الذهبى: فلما قتل برجوان صفا للحاكم الوقت، وصار يفعل أشياء لا تقع إلا من المجانين، الذين (^١) فى عقلهم خلل، فمن ذلك أنّه منع النساء من الخروج إلى الطرقات، ومن التطلّع من الطاقات، والطلوع إلى الأسطحة، ومنع الخفّافين من عمل الأخفاف لهن.
ومنع سائر النساء من الدخول إلى الحمّامات، فمرّ يوما بحمّام الذهب الذى كان (^٢) بمصر، فسمع فيها ضجيج النساء، فأمر بأن يسدّ عليهن باب الحمّام، فسدّوه عليهن من الوقت والساعة، وهو واقف عليه، فأقمن داخل الحمّام حتى متن به (^٣).
ثم إنّه منع الناس من بيع الزبيب، وأمر بحرق الكروم، وقطع منها نحو مائة ألف كرمة؛ ثم إنّه منع الناس من بيع العسل الأسود، وكسر منه نحو اثنى عشر ألف مطرا.
ثم إنّه منع الناس من زرع الملوخية والقرع، وكتب على الفلاّحين قسائم أن لا يزرعوا شيئا منهما؛ وعلّل بتحريم القرع، لأنّ أبا بكر، رضى [الله] (^٤) عنه، كان يميل إليه، وعلّل بتحريم الملوخية، لكون أنّ عائشة بنت أبى بكر، كانت تميل إليها؛ ثم إنّه أطلع يوما على جماعة يأكلون ملوخية، فضربهم بالسياط، وطاف بهم فى القاهرة، ثم ضرب أعناقهم عند بابى زويلة.
ثم إنّه منع الناس من بيع السمك الذى لا قشر له؛ ثم نهى عن أكل الرطب، وعن زرع الترمس؛ ثم إنّه أمر بقتل الكلاب، فقتل منهم نحو ثلاثين ألف كلب.
ثم إنّه صار يقد الشمع فى مجلسه ليلا ونهارا؛ ثم إنّه صار يجلس فى الظلام مدّة طويلة؛ ثم إنّه أمر الناس بأن يغلقوا الأسواق بالنهار ويفتحوها (^٥) بالليل، وجعل الليل مقام النهار فى جميع أحوال الناس كلها، فامتثلوا ذلك، واستمرّوا عليه دهرا طويلا
_________________
(١) الذين: الذى.
(٢) الذى كان: التى كانت.
(٣) به: بها.
(٤) [الله]: تنقص فى الأصل.
(٥) ويفتحوها: ويفتحونها.
[ 1 أ / ١٩٩ ]
ثم إنّه مرّ فى السوق يوما بالنهار، فرأى إلى شيخ يعمل فى النجارة من بعد العصر، فوقف عليه، وقال: «ألم نهيتكم (^١) عن العمل بالنهار»؟ فقال له الشيخ:
«يا أمير المؤمنين، أما كان الناس يسهرون بالليل، وهذا من جملة السهر»، فتبسّم وتركه، ثم أعاد الناس إلى ما كانوا عليه فى الأول، يتقاضون أشغالهم بالنهار.
ومن أفعاله الشنيعة أنّه كان يسبّ الصحابة، وأمر بكتابة (^٢) سبّهم على أبواب كلّ مسجد، فأقام على ذلك مدّة، ثم رجع عن ذلك وأمر بمحو ما كتبه على أبواب المساجد.
ثم إنّه هدم كنيسة وبنى مكانها مسجدا، فأقامت مدّة ثم أعادها على ما كانت عليه كنيسة.
وكان يبنى عدّة مدارس، ويقرّر بها العلماء، ثم يقتلهم، ويهدم تلك المدارس التى بناها.
ثم إنّه كان يعاقب جماعة من خواصّه بسلب الألقاب، فإذا غضب على أحد سلب لقبه مدّة طويلة، لا يدعوه بذلك اللقب، فيصير ذلك الرجل فى حزن وبكاء، حتى يردّ عليه لقبه، فيكون عنده ذلك اليوم عيدا.
ثم إنّه أمر طائفة اليهود، بأن يعملوا فى أعناقهم، إذا خرجوا إلى الأسواق، قرامى خشب، وزن كل قرمة خمسة أرطال؛ وأمر النصارى بأن يضعوا فى أعناقهم صلبانا من الحديد، قدر كل صليب ذراع، وأمرهم بأن يلبسوا المآزر العسلية عوضا عن الشاشات، وأن لا يركبوا بهيمة فى الأسواق؛ فأقاموا على ذلك مدّة، ثم أعادهم إلى ما كانوا عليه.
ثم إنّه أمر الناس، إذا ذكر الخطيب اسمه فى يوم الجمعة، وهو على المنبر، تقوم الناس صفوفا إعظاما لاسمه، فكان يفعل ذلك فى سائر أعمال مملكته، حتى فى الحرمين الشريفين، وبيت المقدس.
_________________
(١) نهيتكم: كذا فى الأصل.
(٢) بكتابة: بكتابت.
[ 1 أ / ٢٠٠ ]
ثم إنّه كان يتعاطى (^١) حسبة القاهرة بنفسه، فيلبس جبّة صوف أبيض، ويركب على حمار أشهب، قدر بغل، يسمّى «القمر»، ويطوف أسواق مصر والقاهرة، ومعه عبد أسود طويل عريض، يمشى فى ركابه، يقال له «مسعود»، فإن وجد أحدا من السوقة غشّ فى بضاعته، أمر ذلك العبد مسعود بأن يفعل به الفاحشة العظمى، وهو اللواط، فيفعل به على دكانه والناس ينظرون إليه، حتى يفرغ من ذلك، والحاكم واقف على رأسه؛ وقد صار مسعود هذا مثلا عند أهل مصر، إذا مزح بعضهم مع بعض يقولوا (^٢): «احضر له مسعود»، وفيه يقول القائل:
إنّ لمسعود آلة عظمت … كأنّها فى صفات طومار
تشقّ أدبار من لهم جرم … أصعب من درّة بمسمار
ثم إنّه أمر بإبطال صلاة التراويح مدّة طويلة، ثم أعادها على ما كانت عليه أولا؛ ثم إنّه لبس الصوف نحو سبع سنين، ثم تركه ولبس الحرير.
ثم إنّه كان يركب حماره، وينزل عند باب جامعه، الذى عند باب النصر، ويأخذ بيد من يختار من غلمانه، فيرقده على باب الجامع، ويشقّ بطنه بيده، ثم يخرج مصارينه بيده، ويرميهم (^٣) إلى الكلاب، ويترك المقتول مكانه، حتى يدفنوه أهله؛ وكان يعذّب جماعة من غلمانه بالنار.
وقتل جماعة كثيرة من العلماء، منهم: جبارة اللغوى، قيل كان يعرف للكلب فى اللغة ثلثماية اسم (^٤)؛ وقتل أبا أسامة، وغير ذلك من العلماء.
وكان عنده شجاعة وإقدام، مع جبن (^٥) وإدبار؛ وكان يحبّ الكرم، ويكثر من البخل؛ ويحبّ فعل الخير، ويتبعه بشئ من الشرّ؛ ويحبّ العدل فى الرعية، ويتبعه بشئ من الظلم، كما قيل فى المعنى:
_________________
(١) يتعاطى: يتعاطا.
(٢) يقولوا: كذا فى الأصل.
(٣) ويرميهم: كذا فى الأصل.
(٤) اسم: اسما.
(٥) جبن: جبان.
[ 1 أ / ٢٠١ ]
أرى فيك أخلاقا حسانا، قبيحة … وأنت لعمرى كالذى أنا واصف
قريب، بعيد، باذل، متمنّع … كريم، بخيل، مستقيم، مخالف
كذوب، صدوق، ليس يدرى صديقه … أيجفوه من تخليطه أم يلاطف
فلا أنت ذو غشّ، ولا أنت ناصح … وإنى لفى شكّ لأمرك واقف
كذاك لسانى هاجى لك، مادح … كما أنّ قلبى جاهل بك، عارف
قال القاضى شمس الدين بن خلكان، فى تاريخه: إنّ الحاكم بأمر الله، كان يعبد الكواكب، كما كان خدّه المعزّ؛ وكان له اشتغال بأمر المطالب، وله فى ذلك أخبار كثيرة، فمن ذلك أنّه ظفر فى بعض المطالب بصنم من كدان، وهو مجوّف، وفى جوفه روحانى موكل به، فكان ينطق كما ينطق بنى آدم، فكان من شأن هذا الصنم أنّه يظهر الضائع، ويخبر عن المكان الذى فيه الضائع.
فلما ظفر الحاكم بهذا الصنم، أشهر النداء فى مصر والقاهرة، بأنّ أحدا من الناس لا يغلق له باب ولا دكان، وإن ضاع لأحد من الناس شئ (^١) فهو فى درك الحاكم، فامتثل الناس ذلك.
فلما باتوا تلك الليلة، سرق من مصر والقاهرة أربعمائة عملة، فلما أصبح النهار، توجّهوا تحت قصر الزمرّد يستغيثون الحاكم، فقال: «ما الخبر»؟ فقيل له: «إنّ اللصوص قد سرقوا فى هذه الليلة أربعمائة عملة، لما تركوا دكاكينهم مفتّحة»، فقال الحاكم: «لا بأس عليهم».
ثم أشهر النداء بأنّ كل من ضاع له شئ يحضر بين يدى الحاكم، فحضر أصحاب الضوائع قاطبة؛ فلما كملوا، أحضر ذلك الصنم بين يديه، وصار أصحاب الضوائع (^٢)، يقف الواحد منهم بين يدى الصنم، ويقول له: «يا أبا الهول قد ضاع لى، ما هو كيت وكيت»، فيقول الروحانى الذى فى جوف الصنم: «إنّ ضائعك أخذه فلان
_________________
(١) شئ: شيئا.
(٢) الضوائع: كذا فى الأصل.
[ 1 أ / ٢٠٢ ]
ابن فلان، وهو فى المكان الفلانى، فى الحارة الفلانية»، فيرسل الحاكم بعض غلمانه إلى ذلك المكان، فيحضر الضائع بعينه، فيسلّمه إلى صاحبه؛ فلا زال يحضر لكل شخص من الناس ما ضاع له، حتى ردّ على الناس ما كان ضاع لهم فى تلك الليلة بتمامه وكماله.
ثم أحضر اللصوص الذين (^١) سرقوا، فأمر بشنقهم، فشنقوا أجمعين، ثم نادى فى مصر والقاهرة: «رحم الله من رأى العبرة من غيره، واعتبر»؛ فصار الناس من بعد ذلك يتركون دكاكينهم وأبوابهم مفتّحة، ليلا ونهارا، ولم يفقد لأحد من الناس شئ (^٢)، حتى كان يقع من الرجل الدرهم الفلوس، فلا يجسر أحد من الناس أن يأخذه من الأرض، حتى يمرّ به صاحبه فيأخذه، ولو بعد حين.
وحكى بعض المؤرّخين أنّ رجلا وقع منه كيس، فيه ألف دينار، عند جامع أحمد بن طولون، فصار مرى على الأرض، وكل من رآه يتباعد عنه، فأقام مرمى (^٣) على الأرض أسبوعا، حتى مرّ صاحبه به وأخذه.
وأمر هذا الصنم هو الذى جسّر الحاكم على أن جعل الليل مقام النهار فى أحوال الناس؛ وقيل إنّ هذا الصنم لم يزل عند الحاكم حتى قتل، فعمد إليه بعض اللصوص، وكسره تحت الليل، فبطل من يومئذ فعله، وذهب عنه الروحانى الذى كان فى جوفه.
وقيل إنّ رجلا أودع عند رجل جرابا فيه ألف دينار، وسافر إلى الحجاز، فلما عاد طلب منه الجراب فأنكره، ولم يقرّ به، فشكاه إلى الحاكم، فقال له الحاكم:
«اقعد لى على الشارع، فإذا مررت بك، فقم إلىّ وتحدّث معى حديثا طويلا»، فلما مرّ الحاكم بالرجل، قام إليه وتحدّث معه، وأطال معه الحديث، فسرّ به الرجل الذى عنده الجراب، فرأى صاحب الجراب يتحدّث مع الحاكم حديثا طويلا.
_________________
(١) الذين: الذى.
(٢) شئ: شيئا.
(٣) مرمى: كذا فى الأصل.
[ 1 أ / ٢٠٣ ]
فلما مرّ الحاكم، ومضى، أحضر ذلك الرجل الجراب إلى صاحبه، وقال:
«لقد تذكّرت وديعتك، فوجدتها فى البخارية، وها هى بختمها لم تفتح»؛ فأخذ منه الرجل الجراب ومضى به إلى الحاكم؛ وعرّفه ما جرى له مع الرجل، فقال له الحاكم: «خذ جرابك وامض (^١) إلى حال سبيلك»؛ فلما أصبح الصباح، فرأى الرجل، الذى كان عنده الجراب، مشنوقا على باب داره، والناس يتحدّثون فى أمره بسبب الجراب، انتهى.
وفى أيامه، فى سنة أربع وسبعين وثلثماية، توفّى الشيخ نور الدين على بن عمّان القيروانى، قاضى قضاة مصر، وكان شيعيّا، وكان له شعر جيّد، وهو معدود من شعراء مصر فى النظم الرقيق، فمن ذلك قوله:
صنم من الكافور بات معانقى … فى حلّتين، تعفّف وتكرّم
فكّرت ليلة وصله فى هجره … فجرت بقايا أدمعى كالعندم
فطفقت أمسح مقلتى فى جيده … إذ شيمة الكافور إمساك الدم
[ومن الحوادث فى أيامه، أنّ النيل لم يزد لا كثيرا ولا قليلا، فقيل للحاكم إنّ هذا من فعل الحبشة، قد حيّروا مجرى النيل، فأمر بطرك النصار بأن يتوجّه إلى الحبشة؛ فلما وصل البطرك إلى بلاد الحبشة، ودخل على ملكهم، أكرمه وسجد له، وسأله عن سبب قدومه عليه، فعرّفه أنّ النيل قد نقص، ولم يزد عندنا شئ، وقد أضرّ ذلك بسكّان مصر، فأمر ملك الحبشة بفتح سدّ عندهم، الذى يجرى منه إلى مصر ماء النيل، لأجل أنّ البطرك قدم عليه، فزاد النيل فى تلك السنة زيادة قويّة، حتى أوفى (^٢)؛ أورد ذلك المسبحى (^٣) فى تاريخه، انتهى ذلك] (^٤).
ومن الحوادث فى أيامه، أنّ فى سنة سبع وثمانين وثلثماية، بلغ النيل ستة عشر
_________________
(١) وامض: وامضى.
(٢) أوفى: أوفا.
(٣) المسبحى: المسيحى.
(٤) ومن الحوادث … انتهى ذلك: كتبت فى الأصل على هامش صفحتى (١٠٠ ب و١٠١ آ).
[ 1 أ / ٢٠٤ ]
ذراعا وثلاثة أصابع وانهبط، فشرقت البلاد، ووقع الغلاء بمصر؛ فاجتمع الناس قاطبة تحت قصر الزمرّد، يستغيثون بالحاكم أن ينظر فى أحوال الناس، فقال لهم:
«إذا كان الغد، أتوجّه إلى جامع راشدة، وأعود، فإن وجدت فى طريقى مكانا خاليا من الغلّة، ضربت عنق صاحب ذلك المكان على بابه»؛ فلما توجّه إلى جامع راشدة، وعاد بعد العصر، فما بقى أحد من أهل مصر والقاهرة، إلا وحمل ما عنده من الغلال ووضعها فى الطريق التى (^١) يمرّ من عليها الحاكم.
فلما رجع من جامع راشدة، وجد الغلال قد امتلأت بها الطرقات، وشبعت أعين الناس؛ ثم إنّه قرّر مع أصحاب الغلال، أنّ أحدا لا يدخر فى بيته شيئا من الغلال؛ ثم قرّر معهم سعر كل صنف من الغلال بثمن معلوم لا يزيد (^٢) ولا ينقص، فعند ذلك سكن الرهج الذى كانت فيه الناس، ووقع الرخاء بمصر وسائر أعمالها؛ وكان الحاكم شديد البأس، إذا أمر بشئ، لا يرجع عنه، ولا يرادد فيه، وقد قيل فى المعنى:
صاحب أخا الشرّ لتسطو (^٣) به … يوما على بعض صروف الزمان
فالرمح لا يرهب أنبويه … إلا إذا ركّب فيه السنان
ومن الحوادث فى أيامه، أنّ جماعة من العربان وثبوا على كسوة الكعبة، وانتهبوها جميعها، فكسيت الكعبة فى تلك السنة الشنفاص الأبيض، وهذا من الغرائب، فإنّ الكعبة ما كسيت شنفاص قطّ إلا فى زمن الحاكم.
ثم إنّ الحاكم عزل الوزير أبو نصر العلاجى، واستقرّ بعلى بن أحمد الجرجاوى، فى الوزارة، عوضا عن أبى نصر العلاجى، وكان من ذوى العقول، فساس الناس أحسن سياسة.
ومن النكت المضحكة، قيل، كان فى زمن الحاكم قاض بمصر، يقال له النطاح، وسبب ذلك أن كان له طرطور من جلد، وفيه قرنان من قرون البقر، فيضع هذا
_________________
(١) التى: الذى.
(٢) يزيد: يزد.
(٣) لتسطو: لتسطوا.
[ 1 أ / ٢٠٥ ]
الطرطور إلى جانبه، فإذا جاءوه خصمان يتحاكمان عنده، وجار أحدهما على الآخر، فيلبس القاضى ذلك الطرطور الذى فيه القرنان، ويتباعد وينطح الخصم الذى يجور على صاحبه، فعرف بالنطاح، واشتهر بين الناس بذلك.
فلما بلغ الحاكم أمره، أرسل خلفه، وقال له: «ما هذا الأمر الذى قد اخترعته بين القضاة، حتى قبحت سيرتك بين الناس»؟ فقال له القاضى: «يا أمير المؤمنين، أشتهى أن تحضر مجلسى يوما، وأنت خلف ستارة، لتنظر ماذا أقاسى من العوام، فإن كنت معذورا فيهم، وإلا عاقبنى بما تختار»؛ فقال له الحاكم: «أنا غدا عندك، وأحضر مجلسك، حتى أرى ما تقول».
فلما أصبح الحاكم، أتى إلى مجلس ذلك القاضى، وقعد من خلف ستارة، فأتى فى ذلك اليوم إلى القاضى خصمان، فادّعى أحدهما على الآخر بمائة دينار، فاعترف له بها المدّعى عليه، فأمره القاضى بدفع ذلك إلى صاحبه، فقال المدّعى عليه: «إنى مصر فى هذا الوقت فقسّطوا علىّ ذلك على قدر حالى»، فقال القاضى للمدّعى: «ما تقول»؟ فقال: «أقسّطها عليه فى كل شهر عشرة دنانير»، فقال المديون: «أنا لا أقدر على ذلك»، فقال القاضى: «تكون خمسة دنانير»، فقال المديون: «لا أقدر على ذلك»، فقال القاضى: «تكون دينارين»، فقال المديون: «لا أقدر على ذلك»، فقال القاضى: «يكون دينارا»، فقال المديون: «لا أقدر على ذلك».
فلا زال القاضى يخفض (^١) هذا القدر، حتى قال له: «تكون عشرة دراهم فى كل شهر»، وهو يقول: «لا أقدر على ذلك»، فقال له القاضى: «وما القدر الذى تقدر عليه فى كل شهر، فلعل أن يرضى به خصمك»؟ فقال المديون: «أنا ما أقدر على أكثر من ثلاثة دراهم فى كل سنة، بشرط أن يكون خصمى فى السجن، لئلا يحصل معى هذا القدر ولم أجد خصمى، فيذهب منى».
فلما سمع الحاكم ذلك، لم يتمالك عقله، وخرج من خلف الستارة، وقال للقاضى:
«انطح هذا النحس، وإلا أنا أنطحه»، وكان الحاكم أحمق من القاضى، انتهى ذلك.
_________________
(١) يخفض: يخفظ.
[ 1 أ / ٢٠٦ ]