وهو التاسع من خلفاء بنى عبيد الله الفاطمى؛ بويع بالخلافة بعد موت أبيه الحافظ، وكان له من العمر لما تولّى الخلافة سبع عشرة سنة، وكان شابا جميل الصورة، حسن الهيئة، وكان يميل إلى اللهو والطرب.
وكان يهوى ابن وزيره عبّاس، وامتحن به، وكان ينزل إلى بيت الوزير ويبات (^١) عنده فى غالب الأوقات؛ قيل إنّه أهدى إلى ابن الوزير فى بعض الأيام عشرة آلاف دينار، وصحفة بلّور فيها ألف حبّة من اللؤلؤ الكبار، وألف نافجة من المسك، فلم يثمر شيئا من ذلك مع الوزير، ولا ابنه، ولا زالوا على الظافر، حتى قتلوه أشرّ قتلة، كما سيأتى ذكر ذلك فى موضعه.
ومن الحوادث فى أيامه، أنّ فى سنة تسع وأربعين وخمسمائة، نقلت رأس الحسين ابن الإمام على، ﵄، إلى مصر، وبنى لها الظافر المشهد الموجود الآن؛ وكانت رأس الحسين أولا بكربلاء، مكان قتل فيه، ثم نقلت من كربلاء إلى دمشق، ثم نقلت من دمشق إلى عسقلان، فلما استولوا الفرنج على عسقلان، خاف المسلمون على رأس الحسين من الفرنج، فرسم الظافر بنقلها إلى مصر، فنقلت فى تلك السنة.
قيل إنّ رأس السيد الحسين لما نقلت من عسقلان إلى القاهرة، أحضرت فى علبة مغلّفة (^٢) بجلد، فأنزلوها أولا فى مسجد موسى، الذى يعرف بالركن المخلق، فأقامت به مدّة حتى بنى لها المشهد الموجود الآن، ثم نقلت إليه بعد ذلك.
ومن الحوادث فى هذه السنة، جاءت الأخبار من بلبيس برؤية هلال الفطر، وثبت ذلك بعد مضى صلاة العصر، فصلّت الناس صلاة عيد الفطر بعد العصر،
_________________
(١) ويبات: كذا فى الأصل.
(٢) مغلفة: مخلفة.
[ 1 أ / ٢٢٧ ]
وخطب خطبة العيد، وفطر الناس بعد العصر، وهذا من غريب الاتّفاق - ذكر ذلك ابن المتوج.
وفى هذه السنة، انتهى العمل من الجامع الذى أنشأه الظافر بالقرب من حارة الروم، المعروف الآن بجامع الفاكهانيّين.
واستمرّ الظافر فى الخلافة حتى قتل، وكان سبب قتله أنّ الوزير عبّاس، لما كثر الكلام فى حقّه بسبب ابنه نصر، فأضمر الغدر للظافر، فلما نزل الظافر إلى بيت الوزير على جارى العادة، وبات عنده، ندب إليه من قتله تحت الليل، وأرماه فى بئر.
فلما أصبح الوزير، طلع إلى دار الخلافة، ودخل القصر، فقال لبعض الخدّام:
«أين أمير المؤمنين»؟ فقالوا له: «ابنك نصر يعرف أين هو».
ثم إنّ الوزير عبّاس دخل دور الحرم، وأخرج الأمير عيسى ابن الظافر، وأحضر القضاة وأرباب الدولة، وقال لهم: «إنّ أمير المؤمنين الظافر، نزل البارحة فى مركب، فانقلبت به وغرق، فولّوا ولده عيسى عوضه»، فأحضروا له خلعة الخلافة وولّوه.
وكانت قتلة الظافر فى ليلة الأحد ثانى صفر سنة خمسين وخمسمائة، وكانت مدّة خلافته بمصر، أربع سنين وسبعة أشهر؛ انتهى ما أوردناه من أخبار الظافر بالله، وذلك على سبيل الاختصار.