وهو الرابع من خلفاء بنى عبيد الله الفاطمى بمصر، تولّى الخلافة بعد قتل أبيه الحاكم، فى شوّال سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وتلقّب بالظاهر لدين الله؛ تولّى الخلافة وله من العمر نحو ست عشرة سنة إلا أيام؛ وكانت عمّته ست النصر هى القائمة بأمور دولته، والأمير سيف الدين بن دواس.
فلما تولّى الأمير على بن الحاكم، اضطربت الأحوال فى أيامه إلى الغاية، واستولى على البلاد الشامية حسّان، شيخ عربان جبل نابلس، وصار يستخرج خراج البلاد الشامية لنفسه، ونزع أيدى العمّال عنها.
وفى أيامه، سنة اثنتى عشرة وأربعمائة، توفّى هاشم بن العبّاس المصرى، الشاعر، وكان شاعرا ما هرا وله شعر جيّد، ومن تشابيهه الغريبة، قوله فى البدر، من أبيات:
كأنّ بياض البدر من خلف نخلة … بياض بنان فى اخضرا نقوش
وتوفّى أيضا محمد بن القاسم بن عاصم، الشاعر، وكان شاعرا ماهرا، وهو الذى امتدح كافور الإخشيدى بقصيدة، منها:
ما زلزلت مصر من خوف يراد بها … لكنها رقصت من عدله طربا
وفى سنة خمسة عشر وأربعمائة، توفّيت ست النصر، أخت الحاكم، وهى عمّة الظاهر لدين الله، فظهر لها موجود عظيم من المال، والجواهر، والتحف، والقماش، ما لا يحصى لكثرته؛ ووجد عندها أربعة آلاف جارية، ما بين بيض وسود
[ 1 أ / ٢١١ ]
ومولّدات؛ ووجد عندها ثلاثون زيرا من اللازورد الصينى، مملوءة من المسك السحيق، وأما بقيّة الموجود، فلم ينحصر لكثرته.
ومن الحوادث فى أيامه، جاءت الأخبار من مكّة، بأنّ رجلا أعجميا حضر إلى مكّة فى غير أوان الحجّ، ومعه جماعة من الأعاجم، فأقاموا بمكّة مدّة، ثم إنّهم غافلوا الناس ودخلوا الحرم، وقت القايلة، وجاءوا إلى الحجر الأسود، وكسروه بالأطبار، ثلاث قطع؛ فأدركوهم الناس فى الحال، ومسكوهم، وقطعوا أيديهم، وصلبوهم على أبواب الحرم؛ ثم أعادوا الحجر إلى مكانه كما كان، ولصقوا ما تكسّر منه، وعملوا عليه طوق فضّة، وبقى آثار التكسير فيه إلى الآن، انتهى ذلك.
وكان الظاهر لدين الله مخلوعا (^١) نزها؛ ففى أيامه، أذن للنصارى فى إعادة (^٢) ما كان يعمل فى ليلة الغطاس، وكان جدّه المعزّ أبطل ذلك فى أيامه، وكان من أجلّ المواسم بمصر، وكان يعمل فى ليلة الحادى عشر من طوبة، وكان فى تلك الليلة تجتمع المسلمون (^٣) والنصارى عند شاطئ النيل، قبالة المقياس، فتنصب هناك الخيام من جانبى النيل، وتوضع فيها الأسرة لأعيان القبط، وكان البحر يمتلئ بالمراكب من سائر المسلمين والنصارى.
فلما يدخل الليل، تزيّن المراكب بالقناديل، وتشعل فيها الشموع، وتشعل المشاعل على الشطوط، فكان يوقد (^٤) فى تلك الليلة أكثر من ألف مشعل (^٥)، وألف فانوس (^٦)؛ وكان ينفق فى تلك الليلة ما لا يحصى من الأموال، فى مأكل ومشرب؛ وتنزل أعيان الأقباط فى المراكب، وتتجاهر الناس بشرب الخمور، وتجتمع أرباب المغانى والآلات، وأرباب الملاعب من كل فنّ، ويخرجون الناس فى تلك الليلة عن الحدّ فى اللهو والقصف، ولا يغلق فيها دكّان، ولا درب، ولا أسواق.
_________________
(١) مخلوعا: كذا فى الأصل.
(٢) إعادة: إعادت.
(٣) المسلمون: المسلمين.
(٤) يوقد: يقد.
(٥) مشعل: مشعلا.
(٦) فانوس: فانوسا.
[ 1 أ / ٢١٢ ]
وكانوا يتهادون رؤساء الأقباط فى تلك الليلة، بأطيان القصب، والبورى، والحلوى القاهرية، والكمثرى، والتفاح الفتحى، والسفرجل، والأترج، والنارنج، والليمون، وباقات النرجس، وغير ذلك من الأنواع اللطيفة، وكانوا يغطسون بعد العشاء قبالة المقياس، ويزعمون أنّ من يغطس فى تلك الليلة، لا يضعف فى تلك السنة.
فلما كان وقت الغطاس، نادى الخليفة الظاهر، بأن لا يختلط (^١) النصارى مع المسلمين عند الغطاس؛ وكان الخليفة الظاهر تلك الليلة فى قصر جدّه المعزّ، الذى يشرف على البحر، يتفرّج على المهرجان الذى يحصل فى تلك الليلة؛ وكان المعزّ أبطل ذلك من سنة اثنتين وستين وثلثماية.
وكانت الوزراء فى يوم خميس العدس، يضربون خراريب من ذهب، ويفرّقونها على أرباب الدولة، برسم التبرّك بها، وكان يضرب منها نحو خمسمائة مثقال، فبطل ذلك فى دولة صلاح الدين يوسف بن أيوب.
وفى سنة عشرين وأربعمائة، توفّى الشيخ عبد الجبار بن أحمد الطرسوسى، شيخ القرّاء، مات فى غزّة.
ومن الوقائع الغريبة، أنّ فى سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، نقص النيل قبل الوفاء، وانهبط، ثم زاد بعد أوانه بأربعة أشهر، وهذا من الغرائب التى لم يسمع بمثلها.
وفى سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، كانت وفاة الإمام العالم العلامة عبد الوهّاب ابن على بن نصر أبو محمد البغدادى، أحد أئمّة المالكية المجتهدين، ولى القضاء بمصر فى الدولة الفاطمية، ومات فى تلك السنة، ودفن بالقرافة، بالقرب من النقعة، والدعاء عند قبره مجاب، ويزار فى كل جمعة؛ وكان له نظم جيّد، فمن ذلك قوله وأجاد:
يزرع وردا ناضرا ناظرى … فى وجنة كالقمر الطالع
فلم منعتم شفتى قطفها … والحلّ أنّ الزرع للزارع
وقوله أيضا:
_________________
(١) يختلط: يختلطون.
[ 1 أ / ٢١٣ ]
ونائمة قبّلتها فتنبّهت … وقالت تعالوا فاطلبوا اللصّ بالحدّ
فقلت لها إنّى فديتك غاصب … وما حكموا فى غاصب بسوى الردّ
وقوله فى الغزل:
وتفاحة من كفّ ظبى أخذتها … جناها من الغصن الذى مثل قدّه
لها لمس خدّيه وطيب نسيمه … وطعم ثناياه وحمرة خدّه
ومما وقع للخليفة الظاهر هذا، من المساوئ الشنيعة، قال ابن المتوج: إنّ فى سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة، نادى الخليفة الظاهر فى القاهرة، بأنّ الجوار (^١) التى فى مصر والقاهرة، تجمعن عن آخرهن، وأن تزين بأحسن الملابس، ويحضروا بهن إلى قصر الخليفة، فصار كل من كان عنده جارية، يلبسها من أحسن الأثواب الفاخرة، ويحضرها إلى قصر الخليفة.
فلما تكامل جمعهن ولم يبق (^٢) بمصر والقاهرة جارية، فأمر بأن يجعلن فى مجلس، ويسدّ عليهن باب المجلس، فبنى عليهن أبواب المجلس، وتركهن ستة أشهر، ثم بعد ذلك أضرم عليهن النار، حتى أحرقهن عن آخرهن، وكان عدّتهن ألفين وستمائة وستين جارية؛ ولم يقع لأبيه الحاكم مثل هذه الواقعة، مع وجود ظلمه وجوره فى الناس، انتهى ذلك.
قال ابن المتوج: فلما فعل الظاهر هذه الفعلة، لم يقم بعدها سوى ثلاث سنين ونصف ومات، وكانت وفاته فى يوم الأحد خامس عشر شعبان، سنة سبع وعشرين وأربعمائة؛ وكانت مدّة خلافته بمصر خمس عشرة (^٣) سنة وتسعة أشهر؛ وكانت مساوئه أنجس من مساوئ أبيه الحاكم؛ ولما مات تولّى بعده ابنه المستنصر بالله أبى تميم، انتهى ما أوردناه من أخبار الظاهر لدين الله.
_________________
(١) الجوار: كذا فى الأصل، ويعنى: الجوارى.
(٢) ولم يبق: ولم يبقى.
(٣) خمس عشرة: عشرين.
[ 1 أ / ٢١٤ ]