وهو الحادى عشر من خلفاء بنى عبيد الله الفاطمى، بويع بالخلافة بعد موت [ابن] (^٢) عمّه الفائز بنصر الله، فى رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وتولّى الخلافة وله من العمر نحو أربع وعشرين سنة.
_________________
(١) لم يبق: لم يبقى.
(٢) [ابن]: تنقص فى الأصل.
[ 1 أ / ٢٣٠ ]
ومن غريب الاتّفاق أنّ الخليفة المعزّ لما قدم مصر، قال لبعض العلماء: «اكتب لنا ألقابا تصلح للخلافة، فإذا تولّى أحد منا تلقّب بها»، فكتب لهم ألقابا كثيرة، آخرها العاضد بالله، فاتّفق أنّ آخر من تولّى منهم، تلقّب بالعاضد بالله، وبه انقرضت دولتهم.
وكان القائم بتدبير مملكته الوزير الصالح طلائع بن رزيك، فأقام فى الوزارة، إلى أن قتله جماعة من العبيد الزنج، وكانت قتلته فى رمضان سنة ست وخمسين وخمسمائة؛ فلما قتل طلائع بن رزيك، تولّى عوضه فى الوزارة شاور بن مجير أبو شجاع السعدى، وهو آخر من تولّى من الوزراء الرافضة، وقتل أيضا؛ فلما أخلع عليه، قال فيه بعض الشعراء:
إذا أبصرت فى خلع وزيرا … فقل أبشر بقاصمة الظهور
بأيام طوال فى عناء … وأيام قصار فى سرور
وفى سنة ست وخمسين وخمسمائة أيضا، توفّى الشيخ محمود بن إسمعيل بن قادوس، كاتب الإنشاء بالديار المصرية، وهو شيخ القاضى الفاضل عبد الرحيم، وكان يسمّيه ذا البلاغتين، وكان له شعر جيّد، فمن ذلك قوله:
زارنى فى الدجا فتمّ عليه … طيب أزدانه لذى الرقباء
والثريا كأنّها كفّ خود … برزت من غلالة زرقاء
ومن الحوادث العظيمة التى لم يقع قطّ مثلها بالديار المصرية، أنّ فى سنة أربع وستين وخمسمائة، جاءت الأخبار بأنّ الفرنج جاءت إلى ثغر دمياط فى سبعين مركبا، وكان ملك الفرنج يسمّى مرى، فملكوا ثغر دمياط، ونهبوا أسواقها، وقتلوا أهلها؛ ثم زحفوا على الضياع، وأكثروا فيها القتل والسبى؛ ثم وصلوا إلى بلبيس، وكسروا عساكر الفسطاط، ودخلوا القاهرة من خلف السور من عند البرقية؛ ثم توجّهوا إلى بركة الحبش، وصاروا يقتلون (^١) من وجدوه من المسلمين، وقرّروا على أهل مصر والقاهرة أموالا جزيلة، وأخذوا فى أسباب جبايتها.
_________________
(١) يقتلون: يقتلوا.
[ 1 أ / ٢٣١ ]
فعند ذلك أشار الوزير شاور على الخليفة، بحرق مدينة الفسطاط، خوفا من الفرنج أن يملكوها (^١)، فأذن لهم فى حرقها؛ فجمع الوزير طائفة من العبيد وأحرقوها، فأقامت النار عمّالة فيها نحو شهرين، فكان يرى دخاتها من مسيرة ثلاثة أيام.
وكانت مدينة الفسطاط من أجلّ المدائن، أنشأها عمرو بن العاص، ﵁، بعد فتح مصر سنة اثنتين وعشرين من الهجرة؛ وكان أولها من عند الرصد، وآخرها عند حدرة ابن قميحة، وهى أقدم من القاهرة، وكان بها عدّة مساجد محكمة البناء، وعدّة حوانيت، وحمامات، ومعاصر، والمساكن الجليلة، وإلى الآن يوجد فى كيمانها العمد الرخام؛ فلما حرقت مدينة الفسطاط، تحوّل الناس إلى القاهرة، فبلغ كرى الجمل من الفسطاط إلى القاهرة عشرة دنانير فى كل نقلة.
فلما جرى ذلك، أرسل الخليفة العاضد يستجير بنور الدين الشهيد، صاحب دمشق، وبعث إليه بشعور نسائه وبناته، وهو يقول له: «أدركنى واستنقذ نسائى من أيدى الفرنج»، والتزم له بثلث خراج مصر، وأن يكون أسد الدين شيركوه مقيما عنده بمصر؛ فأرسل نور الدين الشهيد، أسد الدين عمّ صلاح الدين، ومعهما العساكر، فلما دخلوا مصر، خاف منهما الفرنج، ورحلوا إلى بلادهم.
فلما دخل أسد الدين إلى مصر، شنق الوزير شاور، فإنّه كان سببا لدخول الفرنج إلى مصر، وكان يكاتبهم فى الباطن على الدخول إلى مصر، كما فعل ابن العلقمى مع هولاكو أيام المستعصم بالله؛ وكانت قتلة شاور فى ربيع الآخر سنة أربع وستين وخمسمائة، وفيه يقول عرقلة:
هنيئا لمصر حوز يوسف ملكها … بأمر من الرحمن قد كان موقوتا
وما كان فيها قتل يوسف شاورا … يماثل إلا قتل داود جالوتا
فلما قتل شاور، أخلع العاضد على أسد الدين شيركوه، واستقرّ به وزيرا، عوضا عن شاور، ولقّبه بالمنصور، فلم يقم فى الوزارة سوى شهرين وخمسة أيام، ومات فجأة، فى ثالث جمادى الآخرة من تلك السنة.
_________________
(١) أن يملكوها: أن لا يملكوها.
[ 1 أ / ٢٣٢ ]
فلما مات أسد الدين أخلع العاضد على صلاح الدين يوسف بن أيوب، واستقرّ به فى الوزارة، عوضا عن عمّه أسد الدين، ولقّبه بالناصر لدين الله، وكانت الوزراء تتلقّب بألقاب الخلفاء، وأخلع عليه خلعة الوزارة.
قال الإمام أبو شامة: وكانت خلعة الوزارة يومئذ، عمامة بيضاء شرب، برقمات ذهب، وثوب دبيقى بطرز ذهب، وجبّة بطرز ذهب، وطيلسان مرقوم بذهب، وعقد جوهر بعشرة آلاف دينار، وسيف مسقّط بذهب؛ وحجرة يركبها بخمسمائة دينار، وفى قوائمها أربعة جواهر، وفى عنقها جوهرة كبيرة؛ وعلى رأسه أعلام بيض، ومنشور الوزارة، مكتوب فى ثوب حرير أبيض.
وكان له يوم مشهود، وذلك يوم الاثنين سادس عشرين جمادى الآخرة من تلك السنة، فارتفعت الأصوات له بالدعاء، وفيه يقول عرقلة:
أقول والأتراك قد أزمعت … مصر إلى حرب الأعاريب
ربّ كما ملّكتها يوسف ال … صدّيق من أولاد يعقوب
يملكها فى عصرنا يوسف ال … صادق من أولاد أيوب
وقوله فيه أيضا:
قد مال غصن الرياض من طرب … وافترّ ثغر البلاد وابتسما
واستبشرت أوجه الهدى فرجا … فليقرع الكفر سنّه ندما
وصار شمل الصلاح ملتئما … بها وعقد السداد منتظما
فلما تمّ أمر صلاح الدين فى الوزارة، أبطل ما كان يقال فى الأذان: «حىّ على خير العمل»، ففرح الناس بذلك.
ثم عزل قضاة مصر كلها، لأنّهم كانوا شيعة؛ ثم ولّى القاضى صدر الدين بن درباس الشافعى، واستناب فى سائر أعمال مصر الشوافعة، وأقام مجد الشافعية، دون غيرهم من المذاهب، انتهى.
[وفى سنة سبع وأربعين وخمسمائة، وقيل سنة أربع وأربعين وخمسمائة، كانت وفاة الشيخ ناصح الدين أبو بكر بن أحمد بن محمد الأرجانى الأندلسى، صاحب الأشعار اللطيفة] (^١).
_________________
(١) وفى سنة … اللطيفة: كتبت فى الأصل على هامش ص ١١٦ ب.
[ 1 أ / ٢٣٣ ]