وهو الثانى من خلفاء بنى عبيد الله بمصر، تولّى الخلافة بمصر بعد موت أبيه المعزّ، سنة خمس وستين وثلثماية؛ وكان مولده بمدينة القيروان، سنة أربع وخمسين وثلثماية؛ فلما تمّ أمره فى الخلافة، أبقى الأمير جوهر، القائد، فى الوزارة على حاله.
قيل، لما تولّى العزيز الخلافة، دخل عليه عبد الله بن حسن الجعفرى، الشاعر، يهنّئه بالخلافة، فأنشده هذه القصيدة، منها:
عمّت خلافته مصرا فصار بها … كأنّه الشمس فيها حلت الحملا
إنّ المعزّ الذى لا خلق تشبهه … إلا العزيز ابنه إن قال أو فعلا
فإن مضى كافل الدنيا فصار لنا … من بعده كافلا يغنى بما كفلا
أضحت ملوك بنى الدنيا له خدما … وما حوت كل دار منهم نقلا
وفى رجب سنة ست وستين وثلثماية، توفّى الإمام الحافظ أبو الحسن محمد ابن عبد الله بن زكريا بن حيوة النيسابورى، ولد سنة ثلاث وسبعين ومائتين؛ ومات سنة ست وستين وثلثماية؛ وكان إماما من أئمة الشافعية فى الفرائض، دخل مصر مع عمّه يحيى بن زكريا الأعرج، وأقام بمصر حتى مات بها.
قال بعض المؤرّخين: لما تولّى العزيز الخلافة بعد أبيه، استكثر فى عسكره من المماليك الديالمة، والمصامدة، والمغل، واستقامت أحواله بالديار المصرية، وأظهر العدل بين الرعية.
قال المسبحى (^١): أول من بنى الحمامات بالقاهرة العزيز بن المعزّ، هذا.
_________________
(١) المسبحى: المسيحى.
[ 1 أ / ١٩٢ ]
ثم أقام الأمير جوهر فى الوزارة مدّة، ومات؛ فلما مات استقرّ بعده فى الوزارة أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس، وكان أصله يهوديا، وأسلم.
ومما وجد للأمير جوهر، القائد، بعد موته، من الذهب العين ستمائة ألف ألف دينار، ومن الدراهم أربعة آلاف ألف درهم؛ ومن اللؤلؤ الكبار واليواقيت أربعة صناديق مجلّدة؛ ومن القصب الزمّرد ألف قصبة؛ ومن الثياب الديباج خمس وسبعين ألف قطعة؛ ووجد عنده دواة من الذهب طولها ذراع، وهى مرصّعة بالدرّ والياقوت، فقوّم ما عليها من الجواهر باثنى عشر ألف دينار.
ووجد عنده لعبة من المسك والعنبر الخام، فكان إذا نزع أثوابه ألبسها عليها؛ ووجد فى داره مائة مسمار من الذهب، على كل مسمار منها عمامة لون؛ ووجد عنده من المعالق (^١) الذهب والفضة ألف معلقة؛ ووجد عنده عشرة آلاف زبدية صينى، ومن الأوانى البلّور مثلها.
ووجد عنده أربعة دسوت من الذهب، وزن كل دست مائة رطل بالمصرى؛ ووجد عنده سبعمائة خاتم، بفصوص ياقوت وبلخش وماس وزمّرد وفيروزج؛ ووجد عنده ثلثماية نرحسية ما بين ذهب وفضّة وبلّور وصينى؛ هذا كله خارجا عن البغال والخيول والجمال والأملاك والضياع وغير ذلك.
وفى أيامه توفّى أخوه الأمير تميم بن المعزّ، وكانت وفاته سنة ثمان وستين وثلثماية، وكان شاعرا ماهرا، وله شعر جيّد، فمن نظمه قوله:
إذا وجدت زمانا لم تسرّ به … فكم أناخك سهلا بعد اصعبه
فاقبل من الدهر ما أعطاك ممتزجا … لعل مرّك يحلو من تقلّبه
خذها إليك ودع لومى مشعشعة … من كفّ أقنى أسيل الخدّ مذهبه
لا تتركنّ القدح المملوء فى يده … إنى أخاف عليه من تلهّبه
نزّهه عن سقينا إنى أغازله … وسقّنى واسقنى من فضل مشربه
_________________
(١) المعالق … معلقة: كذا فى الأصل.
[ 1 أ / ١٩٣ ]
ومما وقع للأمير تميم هذا، أنّه سمع بجارية مغنّية فى بغداد، فأرسل أخذها من سيدها غصبا، فلما حضرت إلى مصر، وغنّت بين يديه، استطرب غناها، وافتتن بها، فقال لها فى بعض الأيام: «هلاّ تسألينى فى حاجة»؟ فقالت: «أريد أن أحجّ»، فأرسلها مع بعض أصحابه؛ فلما وصلت إلى مكّة تسحّبت تحت الليل، فلم يعلم أين ذهبت؛ فلما بلغ الأمير تميم ذلك، حصل عنده قهر شديد (^١)، ومات عقيب ذلك.
وفى سنة تسع وستين وثلثماية، توفّى الإمام الحافظ أبو بكر النّقاش، نزيل تنيس، ولد سنة اثنتين وثمانين ومائتين، ومات رابع شعبان سنة تسع وستين.
وفى سنة سبعين وثلثماية، توفى الحسن بن رشيق، صاحب «العمدة»، ولد فى صفر سنة ثمان وثمانين ومائتين، ومات فى جمادى الآخرة سنة سبعين، وكان له شعر جيّد، فمن ذلك قوله فى النّمام، والتطيّر منه:
لم كره النّمام أهل الهوى … أساء إخوانى وما أحسنوا
إن كان نمّاما فمقلوبه … من غير تأديب لهم مأمنوا
وقال ابن رشيق فى المعزّ بن باديس، سلطان أفريقية، وقد غاب يوم العيد، وكان يوما ماطرا جدّا:
تجهّم للعيد واعتّلت بوادره … وكان يعهد منك البشر والضحكا
كأنه جاء يطوى الأرض من بعد … شوقا إليك فلما لم يجدك بكا
وفى سنة ست وسبعين وثلثماية، توفّى ابن النحاس المصرى، وكان من أعيان العلماء.
وفى سنة سبع وسبعين وثلثماية، ولدت امرأة بمدينة تنيس، جارية لها رأسان ووجهان فى عنق واحد، وكان أحد الوجهين أبيض اللون مترّكا، والآخر أسمر اللون، وفيه سهولة، وكل وجه منهما كامل الخلقة، وذلك الوجهين (^٢) فى جسد واحد، فكانت أمّ ذلك المولودة ترضع كل وجه منهما على انفراده؛ فحملت هذه المولودة من تنيس إلى مصر، حتى شاهدها العزيز، وأمر لأمّها بصلة، وعادت إلى تنيس؛
_________________
(١) قهر شديد: قهرا شديدا.
(٢) وذلك الوجهين: كذا فى الأصل.
[ 1 أ / ١٩٤ ]
وقيل إنّ هذه المولودة عاشت مدّة يسيرة وماتت.
وفى سنة ثمان وسبعين وثلثماية، حدث بمدينة تنيس، فى ليلة الجمعة ثامن عشر ربيع الأول، [أن] (^١) أرعدت السماء وأبرقت، وأظلم الجوّ، وظهر فى السماء أعمدة من نار تلتهب، فأضاءت منها الدنيا، ثم اشتدّت تلك الحمرة، وجاء عقب ذلك ريح سوداء، فيها غبار حارّ، يأخذ بالأنفاس من شدّة حرّه؛ فارتاع الناس من ذلك، وأيقنوا بالهلاك، وصار يودّع بعضهم بعضا، وابتهلوا إلى الله بالدعاء؛ ولم يزل الأمر متمايدا على ذلك، من المغرب إلى طلوع الفجر، حتى سكن الريح؛ وخمدت تلك الأعمدة النار، وزالت الحمرة من الجوّ؛ فلما لاح الصباح، طلعت الشمس وهى محمرّة، فأقامت على ذلك خمسة أيام حتى اعتدلت، وقد قيل فى المعنى لبعضهم:
ما خاب عبد على الله الكريم له … توكّل صادق فى السرّ والعلن
حاشاه أن يحرم الراجى إجابته … إذا دعاه لكشف الهمّ والحزن
وقال الشيخ أبو القاسم عبد المجيد القرشى: إنّ فى سنة إحدى وثمانين وثلثماية، أصيدت سمكة من بحيرة تنيس، فكان طولها من رأسها إلى ذنبها ثمانية وعشرين ذراعا، وكان عرضها خمسة عشر ذراعا، وكان فتح فمها تسعة وعشرين شبرا، وكان لها يدان طول كل واحدة ثلاثة أذرع، ولها عينان كعينى البقر، ولسان كلسان الثور، وكانت ملساء، وفى جلدها غلظ؛ فلما صيدت، أمر والى تنيس بأن يشقّ بطنها ويحشى ملحا، فوضع فى جوفها مائة أردب ملح، فكان الرجل يدخل إلى جوفها، وهو حامل قفاف الملح، قائما غير منحنى؛ ثم إنّ نائب تنيس أرسلها إلى مصر، حتى شاهدها العزيز، وتعجّب من خلقتها - أورد ذلك ابن أبى حجلة فى كتاب «عجائب العجائب، وغرائب الغرائب» كما ذكرناه.
وفى أيام العزيز ظهر السمك اللبيس ببحر النيل، ولم يكن منه قبل ذلك شئ (^٢)؛ وهو من أسماك البحر المالح، هرب ودخل إلى البحر الحلو، فسمّى لبيسا.
_________________
(١) [أن]: تنقص فى الأصل.
(٢) شئ: شيئا.
[ 1 أ / ١٩٥ ]
وفى أيامه توفّيت سيدة الملك، أخت المعزّ، والد العزيز، فوجد لها من الذهب العين ثلثماية صندوق، ومن الجواهر واليواقيت خمسة ويبات، ووجد عندها مدهنا من الياقوت الأحمر، وزنه سبعة وعشرين مثقالا، ووجد لها ثلاثون ألف شقّة حرير ملوّن، ومع وجود هذه السعة، كانت أزهد الناس فى الدنيا، لا تأكل إلا من ثمن غزل يديها دائما، حتى ماتت.
وفى سنة ثمانين وثلثماية توفّى الوزير يعقوب بن كلس. - فلما مات، أخلع العزيز على شخص من النصارى، يقال له نسطورس، واستقرّ به وزيرا، فعدّت هذه الفعلة من مساوئه؛ وأخلع على شخص من اليهود، يقال له منشّاه، واستقرّ به وزيرا بالشام؛ فوقع منهما الأذى البالغ فى حقّ المسلمين بمصر والشام.
فاتّفق أنّ العزيز ركب يوما، وشقّ من القاهرة فزيّنت له، فعمد بعض الناس إلى مبخرة من الجريد، وألبسها ثياب النساء، وزيّرها بإزار وشعرية، وجعل فى يدها فصّة على جريدة، وكتب فيها: «بالذى أعزّ النصارى بنسطورس، وأعزّ اليهود بمنشّاه، وأذلّ المسلمين بك، ألا ما رحمتهم، وأزلت عنهم هذه المظالم»؟
فلما مرّ العزيز على تلك الصورة، فظنّ أنّها امرأة لها حاجة، فوقف وطلب قصّتها، فلما قرأها اشتدّ به الغضب، وأمر بشنق الوزير نسطورس، فشنق على باب قصر الزمّرد فى ذلك اليوم؛ ثم أرسل إلى الشام بشنق اليهودى منشّاه، فشنق على باب قلعة الشام، وكان العزيز يحبّ العدل بين الرعية.
فلما شنق الوزير نسطورس، أخلع على شخص، يقال له أبو نصر صدقة العلاجى، واستقرّ به وزيرا، عوضا عن نسطورس، وكان العلاجى أصله يهوديّا وأسلم.
وفى سنة ثمانين وثلثماية، توفّى الحسن بن على بن طاهر الأنطاكى، شيخ القراء.
ومن الحوادث فى أيامه، أنّ فى سنة أربع وثمانين وثلثماية لم يحجّ سوى أهل مصر فقط، وتعطّل الركب العرافى والشامى، لفساد الطريق من العربان.
[ 1 أ / ١٩٦ ]