وهو العاشر من خلفاء بنى عبيد الله الفاطمى؛ بويع بالخلافة بعد قتل أبيه الظافر؛ وكان سبب بيعته أنّ الوزير عبّاس، لما قتل الظافر، طلع إلى القصر وأحضر القاضى والشهود، وقال: «إنّ الظافر قد غرق البارحة»، ثم هجم دور الحرم، وأخذ الأمير عيسى من عند أمّه، وحمله على كتفه، ففزع منه واضطرب، وكان له من العمر
[ 1 أ / ٢٢٨ ]
نحو ست سنين، فأحضره بين يدى القاضى، وولاّه الخلافة؛ واستمرّت الطّربة عمّالة معه حتى كبر ومات بها، وهو يضطرب فى كل وقت.
فلما تمّ أمره فى الخلافة، فتغيّر خواطر الجند على الوزير عبّاس، بسبب قتل الخليفة الظافر، وصار الوزير عبّاس على رأسه طيرة بسبب ذلك.
ثم إنّ الفائز استعان على قتل الوزير عبّاس، بشخص يسمّى طلائع بن رزيك، وكان متولّى على منية ابن خصيب، فجمع طلائع، العساكر من العربان، وقصد التوجّه إلى مصر.
فلما بلغ الوزير عبّاس أخبار طلائع بن رزيك، بما قد جمعه من العساكر، وهو قاصد مصر، فأخذ ما قدر عليه من الأموال والتحف، وهرب هو وولده نصر، وتوجّها إلى نحو البلاد الشامية، وكان قصده التوجّه إلى بغداد، فكان كما قيل:
حكى غراب البين فى شؤمه … لكن إذا جئنا إلى الحقّ زاغ
فبينما هو فى أثناء الطريق، خرجت عليه طائفة من الفرنج، فأسروه، وأخذوا ما معه من الأموال والتحف.
فلما جاءت الأخبار إلى القاهرة بما جرى لعبّاس، فحضر طلائع بن رزيك، واستقرّ فى الوزارة، عوضا عن عبّاس، وتلقّب بالصالح بالله، فأطاعه الجند وأحبّوه، وكان له فى مصر والقاهرة حرمة وافرة؛ وهو الذى أنشأ الجامع الذى عند باب زويلة، المعروف به إلى الآن.
فلما تمّ أمر طلائع فى الوزارة، أرسل كاتب ملك الفرنج فى أمر الوزير عبّاس، وأرسل إلى ملك الفرنج هديّة، بنحو عشرة آلاف دينار، فقبض ملك الفرنج على عبّاس، وولده نصر، وبعث بهما فى الحديد إلى القاهرة، فكان يوم دخولهما يوما مشهودا، وزيّنت لهما القاهرة، فأمر الفائز بأن يشنق عبّاس، وولده نصر، على باب القصر، وأخذ بثأر أبيه، كما قيل فى الأمثال:
الموت فى طلب الثار … خير من الحياة فى العار
[ 1 أ / ٢٢٩ ]
وأما عبّاس الوزير، فإنّه خسر الدنيا والآخرة، كما قيل:
فغضّ الطرف إنّك من نمير … فلا كعبا بلغت ولا كلابا
ومن الحوادث فى أيامه، جاءت لأخبار بوقوع وباء عظيم، بين أرض الحجاز واليمن، وذلك سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، وكانوا نحوا من عشرين قرية، فدخل الوباء فى ثمان عشرة قرية، فأفناهم عن آخرهم، حتى لم يبق (^١) منهم إنسان يلوح؛ فكانت مواشيهم سائبة، لا قانى لها، ولا يستطيع أحد من الناس أن يدخل إلى تلك القرى، وكل من يدخلها هلك من وقته بالطعن.
وأما القريتان اللتان حول تلك القرى، لم يدخل إليهما طعن، ولا عندهما شعور بما جرى على من حولهما من القرى، مما أصابهم من أمر الفنا بالطاعون، ولم يمت منهم طفل واحد، فسبحان القادر على كل شئ، انتهى ذلك.
واستمرّ الفائز فى الخلافة حتى مات بالطعن، وكانت وفاته فى يوم الجمعة سابع رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة؛ وكانت مدّة خلافته بمصر خمس سنين وأربعة أشهر، ومات وله من العمر نحوا من اثنتى عشرة سنة.
ولما مات تولّى بعده ابن عمّه عبد الله العاضد؛ انتهى ما أوردناه من أخبار الفائز بنصر الله، وذلك على سبيل الاختصار.