وهو الخامس من ملوك بنى أيوب بمصر؛ بويع بالسلطنة بعد موت أبيه العادل، يوم الجمعة سابع جمادى الآخرة، سنة خمس عشرة وستمائة، وكان الملك الكامل أكبر إخوته.
قال الشيخ شمس الدين الذهبى: إنّ الملك الكامل استولى على الديار المصرية، نحو أربعين سنة، نصفها فى حياة أبيه، ونصفها مستقلاّ بها بمفرده.
وكان كثير الأسفار إلى البلاد الشامية؛ وكان يكثر من الإقامة بوادى العبّاسة، ويقول: «هذه أحسن عندى من الإقامة بالقلعة، أصيد بها الطير من السماء، والسمك من الماء، والوحش من الفضاء، ويصل إلىّ خبر القاهرة فى كل يوم مرتين»؛ وأنشأ بالعبّاسة القصور والبساتين، وكانت من أجلّ متنزهاته.
وهو الذى أكمل بناء قلعة الجبل، وسكن بها، وكان الملك الناصر صلاح الدين يوسف، هو الذى شرع فى بنائها أولا.
ومن الحوادث فى أيامه، أنّ فى سنة ثمان عشرة وستمائة، جاءت الأخبار من ثغر دمياط، بأنّ الفرنج أتوا من البحر فى مائتى مركب، واستولوا على مدينة دمياط، وملكوها.
_________________
(١) [وتوفى]: تنقص فى الأصل.
(٢) وفى سنة … دمياط: كتبت فى الأصل على هامش ص ١٢٩ ب.
[ 1 أ / ٢٥٨ ]
فلما تحقّق الملك الكامل صحّة الأخبار، نادى فى القاهرة بالنفير عاما، واضطربت الأحوال، وتزايدت الأهوال، وعرض السلطان العسكر، وجمع سائر العربان من الشرقية والغربية، فاجتمع من العساكر نحو عشرين ألف مقاتل.
فلما تكامل العسكر، خرج الملك الكامل بطلب حربى على جرائد الخيل، وخرج صحبته السواد الأعظم من أهل مصر والقاهرة، فتوجّه إلى طلخا، ونزل على بحر أشموم، وصار يحاصر الفرنج بدمياط.
فلما دام بينهما الحصار، ووقع الغلاء فى العسكر، حتى أبيع الرغيف الخبز بثقله فضّة، وأبيعت بيضة الدجاجة بدينار، وصار السكّر فى مقام الياقوت الأحمر، وصار العسكر يطعمون الخيول من أوراق الأشجار، وتقلّقت الرعيّة، من عظم هذه البليّة.
وأمر الفرنج كل يوم يتزايد، وقد حصّنوا مدينة دمياط، ونهبوا ما فيها، وسبوا أهلها، وجعلوا الجامع الكبير، الذى بها، كنيسة، وصاروا لا يملّون (^١) من الحرب ليلا ولا نهارا، وقتل من المسلمين ما لا يحصى عددهم، من العسكر وغيره.
وكانت مدّة هذه المحاصرة بين الفريقين ستة عشر شهرا واثنين وعشرين يوما.
وقد أشرف الملك الكامل على الغلب، وصار يبعث السعاة إلى البلاد الشامية، يستحثّ إخوته على الحضور، وصحبتهم العساكر الشامية.
وفى هذه المدّة توفّى فى القاهرة جماعة من الأعيان، [منهم] (^٢) الشيخ شرف الدين يحيى ابن معط، النحوى، كان من أئمة النحوييّن، مات بمصر سنة عشرين وستمائة.
وتوفّى الشيخ علاء الدين على بن محمد بن النبيه، الناظم الناثر، صاحب الأشعار الرائقة، والمعانى الفائقة، مات سنة إحدى وعشرين وستمائة، وكان له شعر جيّد، لم يسبق (^٣) إليه، وكان غالب شعره مديحا فى الملك الأشرف موسى شاه أرمن،
_________________
(١) يملون: يملوا.
(٢) [منهم]: تنقص فى الأصل.
(٣) لم يسبق: لم سبق.
[ 1 أ / ٢٥٩ ]
فمن ذلك قوله فيه:
تعالى الله ما أحسن … شقيقا حفّ بالسوسن
خدود لثمها يبرئ … من الأسقام لو أمكن
فما تجنى وحارسها … يقفل الصدغ قد زرفن
غزال ضيّق العيني … ن يسبى من الرشا الأعين
له قلب وأعطاف … فما أقسى وما ألين
ولم أر قبل مبسمه … صغير الجوهر المثمن
أبثّ هواه من حرق … لنجم الليل لما جنّ
وما ينفع كتمانى … ودمع العين قد أعلن
فتنت بحسن صورته … ومن يهوى الدما يفتن
وكم أسكنته قلبى … فسار وأحرق المسكن
فأنسى بعد وحشته … بنظم مديح شاه أرمن
وفى سنة اثنتين وعشرين وستمائة، توفّى جعفر بن شمس الخلافة بن محمد المصرى الأفضلى، كان من أعيان الشعراء بمصر، مات سادس المحرم من تلك السنة، وكان له شعر جيّد، فمن ذلك قوله:
إذا شئت أن تلقى دليلا إلى الهدى … لتقفو لآثار الهداية من كاف
فخلّ بلاد الشرق عنك فإنّها … بلاد بلا دال وشرق بلا قاف
وفى هذه السنة توفّى الريّس فخر الدين الفارسى، ريّس الطب، وكان بارعا فى الطب، وله فيه مصنّفات كثيرة.
[وفى سنة ثلاث عشرة وستمائة، توفّى الشيخ أبو الحسن بن الصباغ، كان من كبار الأولياء] (^١).
وفى سنة ثلاث وعشرين وستمائة، فيها توفّى الشيخ العارف بالله، الوارع الناسك الزاهد، المسلك، أبو العبّاس أحمد البصير الخزرجى الأنصارى الأندلسى، كان أبوه
_________________
(١) وفى سنة … الأولياء: كتبت فى الأصل على هامش ص ١٣٠ ب.
[ 1 أ / ٢٦٠ ]
من ملوك المغرب، فولد الشيخ وهو أطمس العينين، فخافت أمّه من سطوة أبيه، فألقته فى البريّة، فأتت إليه الغزلان وأرضعته، ثم إنّ والده خرج إلى الصيد فلقيه، فأخذه وهو لا يشعر أنّه ابنه؛ فلما أتى به إلى منزله، قال لزوجته: «ربيّه (^١)، لعل الله تعالى أن يجعل لنا فيه خيرة»؛ فلما كبر الشيخ، فتح عليه، وقرأ القرآن، واشتغل بالعلوم الشرعية إلى أن برع فيها، ثم تصوّف، وظهر له كرامات خارقة، ومات فى أثناء تلك السنة، رحمة الله عليه، ودفن بالقرافة الصغرى.
وفى هذه السنة، كانت وفاة الإمام الرافعى، ﵁، وقد عاش من العمر نحو خمس وستين سنة، واسمه القاسم محمد بن عبد الكريم الرافعى، انتهى ذلك.
ومن هنا نرجع إلى أخبار الملك الكامل محمد، فإنّه لما أرسل يستحث إخوته إلى قتال الفرنج، فحضر إليه أخوه الملك المعظم عيسى، صاحب دمشق، وأخوه الملك الأشرف موسى شاه أرمن، صاحب حلب، وماردين.
فلما جاءت العساكر الشامية، تكامل عند الملك الكامل نحو أربعين ألف مقاتل، فتحارب الملك الكامل مع الفرنج أشدّ المحاربة، وحاصرهم برّا وبحرا.
قيل: كان فى مدّة هذه المحاصرة، يمشى فى ركاب الملك الكامل شخص يسمّى شمايل، وكان من جملة جندارية الوالى، فكان يسبح فى البحر تحت الليل، ويأتى الملك الكامل بأخبار الفرنج، فلما انتصر الملك الكامل على الفرنج، وحضر إلى القاهرة، أخلع على شمايل المذكور، واستقرّ به والى القاهرة، وإليه تنسب خزانة شمايل، التى كانت سجنا لأصحاب الجرائم.
فلما طال الأمر على الفرنج، ورأوا عين الغلب، أرسلوا [يطلبوا الأمان من الملك الكامل، وعلى أنّهم يتركوا] (^٢) دمياط، ويرحلوا (^٣) عنها إلى بلادهم، فاتّفق الحال على ذلك؛ ثم إنّ كلا من الفريقين، يعطى رهائن من أقاربه، ويطلق من عنده من الأسراء (^٤)،
_________________
(١) ربيه: كذا فى الأصل.
(٢) يطلبوا … يتركوا: كذا فى الأصل.
(٣) ويرحلوا: كذا فى الأصل.
(٤) الأسراء: كذا فى الأصل.
[ 1 أ / ٢٦١ ]
من أيام الملك الناصر صلاح الدين يوسف.
فلما تقرّر الحال على دلك، ووقع الصلح، أرسل ملك الفرنج عشرين ملكا من أقاربه إلى عند الملك الكامل؛ ثم إنّ الملك الكامل أرسل إلى عند ملك الفرنج ابنه الأمير نجم الدين، ومعه جماعة من الأمراء.
فعند ذلك سلّم ملك الفرنج مدينة دمياط، وأطلق من عنده من الأسراء (^١)، وكذلك الملك الكامل أطلق من عنده من الأسراء وفيها قبض … على العبيد: كتبت فى الأصل على هامش ص (١١٩ ب).، واتّفق بينهما الصلح.
ومن جملة ألطاف الله تعالى، لما وقع الصلح جاءت إلى ملك الفرنج نجدة من البحر، نحو مائتى مركب، فلو جاءت هذه النجدة، قبل أن يسلّموا مدينة دمياط، كانوا تقوّوا بها على المسلمين، وكسروهم.
قيل: لما رحلوا الفرنج عن دمياط، ودخلها الملك الكامل، كان يوم دخوله إليها يوما مشهودا؛ ثم إنّ الملك الكامل أرسل بهذه البشارة إلى القاهرة، وكاتب بها إلى سائر الآفاق، وكانت الفرنج أشرفوا على أخذ الديار المصرية.
[وفى سنة ست وعشرين وستمائة، توفّى نجم الدين يعقوب بن صابر القرشى، المعروف بالمنجنيقى، وكان من فحول الشعراء بالعراق، ومولده سنة أربع وخمسين وخمسمائة] (^٢).
وكانت مدّة استيلاء الفرنج على ثغر دمياط، إلى حين رحلوا عنها، ثلاث سنين وأربعة أشهر وتسعة عشر يوما، وكانت مدّة محاصرة الملك الكامل للفرنج، سنة وعشرة أشهر وأربعة وعشرين يوما، وهو معهم فى جهاد ليلا ونهارا، لا يكلّ من الحروب، إلى أن دخلت سنة تسع وعشرين وستمائة.
قال الشيخ شمس الدين الذهبى: لما حصلت هذه النصرة للملك الكامل، توجّه من دمياط إلى المنصورة، ونزل فى القصر الذى أنشأه بها سنة ست عشرة وستمائة، فاجتمع هناك هو، وأخوه الملك المعظم عيسى، وأخوه الملك الأشرف موسى؛ قيل:
_________________
(١) الأسراء: كذا فى الأصل.
(٢) وفى سنة … وخمسمائة: كتبت فى الأصل على هامش ص (١٣١ ب).
[ 1 أ / ٢٦٢ ]
إنّ أول من تلقّب بالملك الأشرف موسى، [هو] (^١) شاه أرمن، وكان متولّيا على حلب؛ فمدّ هناك سماط عظيم (^٢)؛ ثم أحضر بعد ذلك سفرة الشراب، ونسى ما قاساه من حصار الفرنج فى هذه المدّة، فكان كما قيل فى المعنى:
فيوم علينا، ويوم لنا … ويوم نساء، ويوم نسرّ
فلما دارت الكاسات بينهم، أحضر الملك الأشرف موسى، جارية تضرب بالعود، فأخذت العود وحرّكته، ثم أنشأت تقول:
ولما طغى فرعون عكّا بسحره … وجاء ليسعى بالفساد إلى الأرض
أتى نحوه موسى وفى يده العصا … فأغرقهم فى اليمّ بعضا على بعض
فطرب الملك الأشرف موسى لذلك، فشقّ على أخيه الملك الكامل محمد هذا المعنى، وأرسل خلف الراجح الحلّى، وقال له: «أجب عن هذين البيتين»، فأجاب عنهما بهذين البيتين؛ ثم إنّ الملك الكامل أحضر جارية تضرب بالعود، فأخذت العود وحرّكته، وغنّت فى المجلس الثانى ببيتين (^٣) الراجح الحلّى، وهما:
أيا أهل دين الكفر بالله فاعجبوا … لما قد جرى فى عصرنا وتجدّدا
ألا إنّ موسى قد أتانا وقومه … وعيسى جميعا ينصرون محمدا
أقول: والراجح الحلّى، توفّى فى دولة الملك الظاهر بيبرس البندقدارى، وجاء من بعده الصفى الحلّى؛ قال الشيخ جمال الدين بن نباتة فى الفرق بينهما:
يا سائلى عن رتبة الحلّى فى … نظم القريض وراضيا بى أحكم
للشعر حلّيّان ذاك راجح … ذهب الزمان به، وهذا قيّم
انتهى ذلك. - ثم إنّ الملك الكامل أمر لكل جارية منهما بخمسمائة دينار، وأجاز الراجح الحلّى أيضا.
ثم إنّ الملك الكامل أمر أخويه أن يتوجّها إلى بلادهما، فلما توجّها، دخل الملك الكامل إلى القاهرة فى موكب عظيم، وكان يوما مشهودا.
_________________
(١) [هو]: تنقص فى الأصل.
(٢) سماط عظيم: كذا فى الأصل.
(٣) ببيتين: كذا فى الأصل.
[ 1 أ / ٢٦٣ ]
[وفى سنة إحدى وعشرين وستمائة، توفّى الشيخ أمين الدين مظفر التبريزى، صاحب «المختصر»، مات بمصر فى ذى حجة] (^١).