قال كعب الأحبار: من أراد أن ينظر إلى شبه الجنّة، فلينظر إلى أرض مصر فى زمن ربيعها، قبل طلوع الشمس؛ وسئل (^٢) بعض الحكماء: متى تطيب أرض مصر؟ قال: إذا اعتدل هواؤها (^٣)، وطاب مرعاها، وارتفع وباؤها (^٤)، وأزهرت أشجارها،
_________________
(١) والطلسمات: والطلسمات.
(٢) وسئل: وسال.
(٣) هواؤها: هواها.
(٤) وباؤها: وباها.
[ 1 أ / ٣٧ ]
وغرّدت أطيارها، يعنى فى فصل الربيع، وقال القائل فى المعنى:
إنّ فصل الربيع فصل مليح … نحن فى السعد منه كالأغنياء
ذهب حيثما ذهبنا، ودرّ … حيث درنا، وفضة فى الفضاء
وقال بعض الحكماء: مصر نيلها عجب، وأرضها ذهب، وهى لمن غلب، ونساؤها (^١) لعب، وملكها سلب، ومالها رغب، وخيرها جلب، وفى أهلها صخب، وطاعتهم رهب، وحربهم حرب.
قال الكندى: نيل مصر سيّد أنهار الدنيا، لأنه يخرج من الجنّة. من تحت سدرة المنتهى، كما ورد به خبر الشريعة؛ وقال كعب الأحبار: النيل يصير يوم القيامة نهر العسل فى الجنّة، وقيل نهر الخمر، والله أعلم.
قال المسعودى، فى مروج الذهب: وصف بعض الحكماء أرض مصر، فقال:
ثلاثة أشهر لؤلؤة بيضاء، وثلاثة أشهر مسكة سوداء، وثلاثة أشهر زمردة خضراء، وثلاثة أشهر كهربة صفراء.
فأما اللؤلؤة البيضاء، فإنّ أرض مصر تصير فى شهر أبيب، ومسرى، وتوت، بيضاء، لما يركبها ماء النيل، ويفترش على أرضها، وتصير الضياع مثل الكواكب فى السماء، فلا يصل إليها أهلها إلا فى الزوارق.
وأما المسكة السوداء، فإنّ أرض مصر فى شهر بابة، وهاتور، وكيهك، ينصرف عنها الماء، فتصير مثل المسكة السوداء، ولها روائح طيّبة تشبه روائح المسك.
وأما الزمردة الخضراء، فإنّ أرض مصر فى شهر طوبة، وأمشير، وبرمهات، تصير بالزرع مثل الزمردة الخضراء.
وأما الكهربة الصفراء، فإنّ أرض مصر فى شهر برمودة، وبشنس، وبؤونة (^٢)، يدرك الزرع ويحصد، فيصير مثل السبيكة الذهب الصفراء، فهذه صفة أرض مصر فى الأربعة فصول من السنة، انتهى.
_________________
(١) ونساؤها: ونساها.
(٢) وبؤونة: وبؤنه.
[ 1 أ / ٣٨ ]
وقال فى مصر القائل من أبيات:
ففى صيفها قارورة، وخريفها … فعنبرة، سوداء طيّبة النشر
وأما شتاها فالزروع زمرد … ويرجع فى فصل الربيع إلى التبر
وقال المعوج الشامى فى المعنى:
إن كان فى الصيف ريحان وفاكهة … فالأرض مستوقد والجوّتنّور
وإن يكن فى الخريف الدوح مذهبة … فإنّ أوراقها بالريح منثور
وإن يكن فى الشتاء الغيم متّصلا … فالأرض عريانة والجوّ مقرور
ما العيش إلا الربيع المستنير إذا … جاء الربيع أتاك النور والنور
فالأرض ياقوتة، والجوّ لؤلؤة … والنبت فيروزج، والماء بلّور
قال الكندى: مصر أعلاها حجازية، وأسفلها شامية، إنّ أهلها لا يحتاجون فى الشتاء إلى التدفّى بالنار، كعادة (^١) أهل الشام، ولا فى الحرّ التظلّل (^٢) تحت الخيش من حرّ الشمس، كعادة (^١) أهل الحجاز، وهى فى الإقليم الثالث والرابع، فسلمت من حرّ الإقليم الأول والثانى، ومن برد الإقليم السادس والسابع، فضعف حرّها، وخفّ بردها.
قال صاحب «مباهج الفكر ومناهج العبر»: ليس فى الدنيا شجرة إلا وبمصر عرفها؛ ويوجد بمصر فى كل وقت من الزمان من المأكول والمشموم، وسائر أصناف البقولات والخضر، فى الصيف والشتاء، لا ينقطع لبرد ولا لحرّ.
قال بعض الحكماء: لولا ماء طوبة، ورميس أمشير، ولبن برمهات، وورد برمودة، ونبق بشنس، وتين بؤونة، وعسل أبيب، وعنب مسرى، ورطب توت، ورمّان بابة، وموز هاتور، وسمك كيهك، لما سكنت مصر.
وقال جالينوس الحكيم: لولا قصب السكّر بمصر، ما برئت العلل عن أهلها سريعا؛ وقيل: يعمل من قصب السكر ألف نوع من الحلوى والأطعمة وغير ذلك،
_________________
(١) كعادة: كعادت.
(٢) التظلل: التضلل.
[ 1 أ / ٣٩ ]
وقد قال القائل فى المعنى:
أمسى بمصر حلاوة تثنى على ال … قصب الذى فيها لطيب جنائه
والله إن منّت عليه فمالها … فضل عليه لأنّها من مائه
وقال آخر:
سبحان من أنبت فى أرضنا … ما بين شوك وحلا فيها
أنبوبة فى حشوها سكّر … قد كان ماء وحلا فيها
ومن محاسن مصر، وهى السبع زهرات، التى تجتمع فى وقت واحد بمصر، وذلك فى أوائل فصل الربيع، وهى النرجس، وهو أول ما يقدم، ثم البنفسج، ثم البان، ثم الورد النصيبى، ثم الزهر، وهو زهر النارنج، ثم الياسمين، ثم الورد الجورى، ويعرف أيضا بالقحابى، ويأتى أواخر هذه الأزهار؛ فهذه السبع زهرات التى تجتمع فى صعيد واحد، وتلهج المصريون بذكرها.
وأما زهر النسرين، وإن كان من أعظم الزهور رائحة، فإنّه غير معدود فى جملة هذه السبع زهرات، لأنّه يأتى فى آخر أيام الورد الجورى، فلا يلحق النرجس، ولا البنفسج، فلم يكن معدودا فى جملة هذه السبع زهرات، لأجل تأخّره عنهم، وقد قلت (^١) فى المعنى:
يا طيب وقت بمصر فيه قد جمعت … سبع من الزهر تحويها البساتين
بنفسج نرجس زهر وبان لنا … ورد نصيب وجورىّ وياسمين (^٢)
وأما الأزهار التى تأتى فى الصيف، وهى الياسمين، والنسرين، والتمرحنّا، والريحان المدنر، وشقائق النعمان، والأقحوان، والآس، والريحان النوبى الحماحمى، والتمام، والنيلوفر (^٣)، والياسمين الأصفر؛ وأكثر أزهار الصيف: الياسمين، والتمرحنّا، والآس.
_________________
(١) قلت: ابن إياس يعنى نفسه.
(٢) وياسمين: ويسمين.
(٣) والنيلوفر: واللينوفر.
[ 1 أ / ٤٠ ]
ومن محاسن مصر، بها من الفواكه: الخوخ الزهرى، وهو لا يوجد إلا بها، والعنب البحيرى، وهو أصدق حلاوة من العنب الشامى، وبها التفّاح السكّرى، والكمثرى البلدى، والرمّان النزلاوى، والخوخ المشعر الفوى، وهو غاية فى الحسن.
ومن مأكولها الرطب، وهو يغنى عن أكل الحلوى معه؛ وبها التين البرشومى، وهو صادق الحلاوة؛ وبها الجميز، وهو نوع شهى لا يوجد إلا بها؛ وبها نوع يسمّى الشقير، وهو مثل البرقوق، لا يوجد إلا بها؛ وبها النبق، واللوز الأخضر، وكان بها نوع يسمّى السنج، وهو مثل اللوز الأخضر، ولكن انقطع من مصر سنة سبعمائة؛ وبها الموز الدمياطى، لا يوجد إلا بها.
ومن محاسن مصر: الأترج، والكباد، والنارنج، والحماص الشعيرى، وله منافع مفيدة، والليمون، وله منافع مفيدة لإقماع الصفراء؛ وبها الليمون الأحمر الفرنسيسى، قيل نقل إلى مصر سنة ثلثماية من الهجرة، وهو نوع غريب.
ويجلب إليها بطول السنة الفواكه الشامية، مثل الكمثرى، والتفّاح، والسفرجل، وغير ذلك من الأنواع.
وليس فى الدنيا بلد فيها نخيل بلح، مثل إقليم مصر، يأكلون (^١) من ثمره: البسر، والرطب، والتمز على أنواع، والعجوة، وينتفعون (^٢) بخشبها، وجريدها، وخوصها، وليفها، ويعمل منه جملة أنواع مفيدة، لا يستغنى عنها أحد من الناس، وهى عمارة مصر، وقال القائل فى المعنى:
أرى أهل الشام يفاخرونا … وتلك وقاحة فيهم وخصلة
وكيف يفاخرون (^٣) بالشام مصرا … وشهوة كل من فى الشام نخلة
ومن محاسن مصر: العسل النحل المصرى، روى عن رسول الله، صلّى الله
_________________
(١) يأكلون: يأكلوا.
(٢) وينتفعون: وينتفعوا.
(٣) يفاخرون: يفاخروا.
[ 1 أ / ٤١ ]
عليه وسلّم، أنّه أهدى إليه المقوقس، صاحب مصر، هديّة، ومن جملتها عسل نحل من بنها، فلما أكل منه أعجبه، فقال: من أين هذا العسل؟ فقيل له: من قرية من قرى مصر، يقال لها بنها، فقال: بارك الله فى بنها، وفى عسلها، فعمّت هذه الدعوة سائر قرى مصر.
وبها نوع يسمّى النيدة، يعمل من بقول القمح، روى عن مريم، ﵍، لما دخلت مصر، ومعها ابنها عيسى، ﵇، وهو رضيع، فشكت إلى الله تعالى قلّة اللبن منها، فألهمها الله تعالى أن غلت النيدة، وأطعمت منها عيسى، ﵇، فاغتذى بها عن اللبن.
ومن محاسن مصر: البطيخ الصيفى، قيل إنه نقل من الهند إلى مصر؛ وبها البطيخ الفيتاوى، والبطيخ السلطانى، والبطيخ العبدلاوى، قيل إنّ عبد الله ابن طاهر نقل زريعته إلى مصر، سنة مائتين من الهجرة، فنسب إليه، وقيل العبدلى؛ وأما البطيخ الضميرى، فقد نقلت زريعته من ضمير إلى مصر، فى أوائل قرن الثمانمائة - أورد المقريزى ذلك.
ومن محاسن مصر: الخيار البلدى، وله منافع مفيدة، والقثاء، والخس؛ وكان بها نوع يسمّى الفقوس، ولكن له مدّة من حين انقطع عن مصر؛ وبها نوع يسمّى الفجل، وله منافع مفيدة لهضم الأكل.
وبها من الخضر: اللفت، والجزر، والإسفاناخ، والكرنب، والقرع، والباذنجان، والقلقاس، والفول الأخضر، والحمّص، والسلق، والبامية، والملوخية، والرجلة، وهذه الأنواع منها أشياء تخصّ بها دون غيرها من البلاد.
وبها الأفيون، وهو عصارة الخشخاش، وله منافع، يجلب منه إلى سائر البلاد، ولا سيما بلاد الهند.
ويجلب من مصر إلى البلاد الشامية: الحناء، والسمك القديد، والجبن الحالوم، والجبن الإقفهسى، والنيدة، والكتّان، والزيت الحار، والعصفر، والبسلّة،
[ 1 أ / ٤٢ ]
والعدس، وخيار الشنبر، وغير ذلك من الأنواع، التى (^١) لا توجد إلا بمصر.
ومن محاسن مصر: أن يوجد بها من العقاقير المفيدة فى الطبّ، وهو: بذر الهندبة؛ وبذر الرجلة؛ والشمار العريض؛ والعرق سوس البوقى؛ وخيار الشنبر؛ والحبّة السوداء، ولها منافع مفيدة؛ والشاهنزاج، وله جملة منافع مفيدة للسوداء والإهليلج، وله منافع مفيدة؛ والماسكة، وهو طين أصفر داخل حجر أسود، يحل فى الماء ويشرب منه لوجع المعدة، وكان نافعا، ولكن انقطع من مصر، وكان يجلب من وادى هبيب، من أراضى الصعيد؛ والعوسج؛ وبها المومينة، ولها منافع؛ وبها الناسول البرّى، وله منافع مفيدة.
ومن محاسن مصر، بها السمك الرعاد، وله منافع مفيدة، قال جالينوس لحكيم:
إذا علّق على رأس من به صداع برئ، وبها الأسقنقور، وله منافع مفيدة لوجع الظهر.
وبها السمك الذى يقال له الأبرميس، الذى هو سلطان الأسماك، وله منافع مفيده؛ وكان بها البلطى الفيومى، وكان من محاسن مصر، ولكن انقطع من الفيوم، فى أوائل قرن التسعمائة؛ وبها السمك، المعروف بالبورى، قال الكندى.
ليس فى الدنيا بلد يأكل أهله صيد البحرين طريّا غير مصر.
وبها النمس، والعرس، ولهما فائدة جليلة فى أكل الثعابين، حتى قيل لولا العرس والنمس، لما سكنت مصر من كثرة (^٢) الثعابين، فإنّها تأتى مع ماء النيل من أعلا البلاد المحرّة؛ وبها الحيّات (^٣)، التى يعمل منها الدرياق، ولا توجد إلا بمصر فقط، تصاد فى فصل الربيع من الجبال.
ويجلب إليها من بلاد الصعيد، العسل الأسود الشقنقيرى، وله منافع مفيدة؛ ويجلب إليها من الواحات الأنطاع الإلواحية، ولها ميزة على غيرها من الأنطاع،
_________________
(١) التى: الذى.
(٢) كثرة: كثرت.
(٣) الحيات: الحياة.
[ 1 أ / ٤٣ ]
ويجلب إليها من الفيوم الزيتون الفيومى، وهو نهاية فى الكبر، والطعم؛ ويجلب إليها الملح والأطرون والشبّ، ولهم منافع لا تحصى.
ويجلب إليها الخشب الأبنوس الأسود، وخشب السنط، الذى يوقد يوما وليلة لا يوجد له رماد، وهو بطئ الخمود، سريع الوقود؛ ويجلب إليها الحمام النوبى، والقمرى، والنعام، والأرنب، وبقر الوحش، وغير ذلك.
قال الكندى: إنّ العصفور الدرورى لا يفرخ إلا بمصر، دون غيرها من البلاد، ويكون ذلك فى كانون الأول؛ وبها طير الحواصل، وهو البجع، الذى يعمل من جلده خفاف، ومن حواصله فراء، تقوم مقام الفراء الفنك، وهو غاية فى الدفء (^١).
وبها القراطيس، وهى الورق البلدى، قال الكندى: إنّ أول من اتّخذ القراطيس، وكتب بها، يوسف، ﵇، وهى يكتب فيها مراسيم السلطان، وتسير إلى سائر الآفاق، وتجلب بها الأرزاق؛ قال الكندى: قراطيس مصر لأهل المغرب، وقراطيس سمرقند، لأهل المشرق، تجلب بها الأرزاق.
ومن محاسن مصر: أنّ بها معامل البيض، وهى كالتنانير، يوقد عليه بالنار، فتحاكى بها نار الطبيعة، كحضانة الدجاجة للبيض، فيخرج منها الفراريج دفعة واحدة؛ وهى من أعظم مأكول أهل مصر، ولا تعمل هذه التنانير إلا بمصر.
ومن أطيب مأكولها الأوز البلدى، قيل لما قدم المأمون إلى مصر، فأكل منه، واستطيبه على غيره من الطير.
وبها لحوم الغنم العنأن، وهى أطيب من لحوم أغنام سائر البلاد؛ وبها القمح اليوسفى، وهو أطيب من حبّ غيرها من البلاد.
ومن محاسن مصر: أنّ بها الخيول العربية، وهى أجود من سائر خيول البلاد؛ ويقال: مصر تفتخر بالخيول العربية، والبنال السندية، والحمير البرلسية، والأبقار الخبسية؟؟؟، والبخانى البجاوية، والأغنام النوبية، والمعز الصعيدية.
_________________
(١) الدفء: الدفاء.
[ 1 أ / ٤٤ ]
وبها المراكب الحربية، والمضارب السلطانية، والسلال الرهانية؛ وبها يعمل صنعة السكفت، لا يعمل فى بلد غيرها؛ وكذلك صنعة (^١) الرماح، لا تعمل إلا بها.
ويجلب إليها الرقيق من بلاد الزنج، وليس فى الدنيا بلد فيها رقيق زنج، أكثر من مصر.
وبها كان قديما علم النجوم، وعلم السحر، والطلسمات القديمة، وقلم الطير، الذى مكتوب به على البرابى وغيرها، ولم يكن هذا ببلد غيرها.
وبها ظهر علم الطبّ اليونانى، وعلم الساحة، وعلم الحساب القبطى، والديوانى، والقراريط، ولم يكن هذا ببلد غيرها.
وبها مقطع الرخام المرمر، وله منافع مفيدة؛ ومقطع الرخام الآبيض الصعيدى، والأسود السويسى، والرخام السماقى، والزرزورى، والفستقى، لا يوجد إلا بها.
وبها حجر الصوّان المانع، الذى يعمل منه الأعمدة والأعتاب؛ وحجر الطواحين، والمعاصر، ولا يوجد هذا فى بلد غير مصر؛ وبها حجر الكدان، الذى يبلّط به الدور، ويعقد به الدرج من السلالم العالية؛ وبها معمل الزجاج. ومعمل الشمع.
ومن محاسن مصر فى ملابسها، وهى التفاصيل السكندرية؛ والأمراد؛ والظهور المنزلاوية؛ والمقاطع الشرب الدبيقية؛ والثياب التنيسية، التى كانت تجلب إلى بغداد، برسم الخلفاء، وكانت تنسج بالذهب، تبلغ البدنة منها خمسمائة دينار؛ والطرز البهنساوية، يباع الطراز منها بمائة دينار، وهو بغير دهب؛ والأكسية الصوف العسلية، التى كانت تعمل من صوف المعز، قيل إنّ معاوية لما كبر سنه، كان فى الشتاء لا يدفأ، فأرسل طلب من عامل مصر كساء منها، يلتف بها حتى يدفأ.
وبها أجلال الخيل، بحلب منها الى سائر البلاد؛ والبراقع، والستور الفيومية، تجلب منها إلى سائر البلاد؛ والطنافس، والبسط العمل الشريف، التى (^٢) لا تعمل
_________________
(١) صنعة: صنعت.
(٢) التى: الذى.
[ 1 أ / ٤٥ ]
إلا بها؛ والوشى، الذى كان يعمل بالإسكندرية، يقوم مقام وشى الكوفة؛ وبها معمل الحصر العبدانى، لا يعمل إلا بها، ويجلب إلى سائر البلاد منها.
قال صاحب «مباهج الفكر». إنّ بمصر سبعمائة وخمسين نوعا من المعادن، والأصناف، والملابس، والفواكه، لا توجد إلا بها فقط.
ومن محاسن مصر، وهو القرط، الذى يزرع فى أراضيها زمن الربيع، وتربط عليه الخيول والبهائم، وتكثر فى تلك الأيام المرعى، ويطيب اللبن، وتصير أرض مصر ما بين إملاق ماء وخضرة، وليس يوجد هذه الأوصاف فى بلد من البلاد غيرها، وقد قال القائل فى المعنى:
ولما جلى وجه الربيع محاسنا … وصفق ماء النهر إذ غرّد القمرى
أتاه النسيم الرطب رقّص دوحه … فنقط وجه الأرض بالذهب المصرى
ومن محاسن مصر نيلها، وهو من أجلّ محاسنها فى حلاوته وسرعة هضمه للأكل، قال ابن وحشية: إنّ ماء النيل حلو (^١) جدّا، والشرب منه يعفن الأبدان، ويؤثر البثر والدمامل (^٢)، لكثرة الفضلات الردّية، إذا خالط الطعام فيحدث منه ذلك، ولكن يدفع عن أهل مصر ذلك الضرر، إدمان شرب ماء الليمون، والنارنج، وكثرة (^٣) استعمال الخلّ، وهذا رأس طبّهم الأكبر.
قال المسعودى فى «مروج الذهب»: إذا بلغ النيل ثمانية عشر ذراعا وانهبط، كانت العاقبة لأهل مصر فى انصرافه، حدوث وباء بالديار المصرية.
وقال ابن عبد الحكم: نيل مصر مخالف لبقيّة الأنهار، إذا زاد تنقص جميع الأنهار، والنيل عمارة مصر فى الزراعة، وأقوات أهلها، وفرحة أهل مصر بيوم وفاء النيل لا يعدلها عندهم شئ، وقد خصّوا بذلك دون غيرهم من البلاد الشامية وغيرها، وقد قال القائل فى المعنى:
_________________
(١) حلو: حلوا.
(٢) والدمامل: والدماميل.
(٣) وكثرة: وكثرت.
[ 1 أ / ٤٦ ]
نادى منادى الوفا بمصر … إذ علّقوا ستره علامة
من الغلا قد سلمت حقّا … وبتّ فى الستر والسلامة
وما قيل فى المعنى:
النيل أصبح خمرا … مشعشعا قد تورّد
وقد حلا حين أضحى … بطينه قد تقنّد
وقال القائل:
تهتك الخلق بالتخليق قلت لهم … ما أحسن الستر قالوا العفو مأمول
ستر الإله علينا لا يزال فما … أحلى تهتكنا والستر مسبول
قال الكندى: مصر تشتمل على ثلاث مدن، وهى: مدينة الفسطاط، التى أنشأها عمرو بن العاص، ﵁؛ والقاهرة، التى عمرها جوهر القائد؟؟؟ الفاطمى؛ وقلعة الجبل التى بناها قراقوش للملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب.
ومن محاسن مصر أيضا، وهو البيمارستان المنصورى، الذى هو من محاسن الزمان، لا يستغنى عنه الغنى، ولا الصعلوك، وليس فى الدنيا آثار حسنة، وخيز مثله، وقد عدّ من محاسن مصر أيضا، انتهى ذلك.