قال ابن وصيف شاه: أول من تولّى بمصر من الأمراء العباسية، الأمير صالح ابن على بن عبد الله بن العبّاس (^١)، ﵄، تولّى على مصر فى ذى الحجّة سنة اثنتين (^٢) وثلاثين ومائة، فأقام بها دون السنة، وعزل عنها؛ ثم تولّى بها ثانيا، كما سيأتى ذكر ذلك فى موضعه.
ثم تولّى بعده الأمير أبو عون (^٣) عبد الملك بن أبى يزيد الأزدى، فأقام بها إلى سنة ست وثلاثين ومائة. - وفى أيامه توفّى أبو شرحبيل المصرى، تابعى من الطبقة الثانية، مات فى تلك السنة.
وتوفّى أيضا فيها، زهرة بن معبد بن عبد الله بن هشام، تابعى، مات بالإسكندرية فى تلك السنة. - وفى سنة خمس وثلاثين ومائة، توفّى عبيد بن سوية الأنصارى، تابعى من الطبقة الثانية.
ثم عزل أبو عون، وأعيد الأمير صالح ثانيا.
ثم صرف، وأعيد أبو عون، وذلك سنة سبع وثلاثين ومائة. - وفى أيامه توفّى واهب بن عبد الله المعافرى المصرى، تابعى، مات فى تلك السنة ببرقة.
وأقام أبو عون على ولايته بمصر إلى سنة إحدى وأربعين ومائة، ثم عزل.
وتولّى بعده الأمير موسى بن كعب المعروف بأبى عيينة التميمى، فأقام على ولايته بمصر سبعة أشهر، ومات ودفن بمصر.
ثم تولّى بعده الأمير محمد بن الأشعث الخزاعى، فلم تطل أيامه بها، وعزل عنها سنة اثنتين (^٢) وأربعين ومائة. - وفى أيامه توفّى فى هذه السنة الحسن بن ثوبان الهوزنى المصرى، تابعى. - وفيها توفّى حميد بن هانى، تابعى.
_________________
(١) العباس: الباس.
(٢) اثنتين: اثنين.
(٣) أبو عون: أبا عون.
[ 1 أ / ١٣٤ ]
ثم تولّى بعده نوفل بن الفرات، فلم تطل أيامه بها.
ثم تولّى بعده حميد بن قحطبة الطائى، فلم تطل أيامه بها، وصرف عنها سنة أربع وأربعين ومائة. - وفى سنة أربع وأربعين ومائة، توفّى العلا بن كثير الإسكندرانى، مولى قريش. - وفى أيامه اهتزّت الكواكب فى السماء من أول الليل إلى الصباح، فخاف الناس من ذلك.
ثم تولّى بعده الأمير يزيد بن حاتم المهلبى، تولّى سنة سبع وأربعين ومائة. - وفى أيامه، سنة ثمان وأربعين ومائة، توفّى عمرو بن الحارث بن يعقوب ابن عبد الله الأنصارى، كان من المجتهدين، مات سنة ثمان وأربعين ومائة.
وتوفّى سعيد بن أبى هلال الليثى أبو العلا المصرى، تابعى، مات سنة تسع وأربعين ومائة. - وتوفّى خالد بن مسافر الفهمى، تابعى.
وتوفّى عبد الجليل بن حميد اليحصبى أبو مالك المصرى، تابعى، مات سنة ثمان وأربعين ومائة. - وفى سنة إحدى وأربعين ومائة، توفّى عقيل بن خالد الأيلى، مولى عثمان، وكان من حفّاظ الحديث.
ثم إنّ يزيد بن حاتم أقام على ولايته بمصر إلى سنة اثنتين (^١) وخمسين ومائة، ثم عزل.
وتولّى بعده الأمير عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن معاوية بن خديج النجيبى، فلم تطل أيامه، وعزل.
وتولّى بعده أخوه عبد الرحمن عمّ عبد الله، فأقام بها سنة وشهرين. - وفى أيامه وقع الغلاء بمصر، وأخذ قاع النيل، فجاء الماء القديم ذراعا وعشرين أصبعا، ولم يعهد بمثل ذلك فى السنين الماضية، وكان منتهى الزيادة فى تلك السنة اثنى عشر ذراعا، وستة عشر أصبعا، فشرّقت البلاد فى تلك السنة، وحصل للناس الضرر الشامل بسبب الغلاء.
وفى أيامه توفّى سعيد بن يزيد الحميرى الفتيانى أبو شجاع الإسكندرانى، تابعى
_________________
(١) اثنتين: اثنين.
[ 1 أ / ١٣٥ ]
من الطبقة الثانية، مات سنة أربع وخمسين ومائة. - وتوفّى ربان بن فايد المصرى، تابعى، مات سنة خمس وخمسين ومائة.
وتوفّى حيوة بن شريح بن صفوان النجيبى أبو زرعة المصرى، كان من العلماء الزهّاد، مات سنة ثمان وخمسين ومائة. - وفى سنة تسع وخمسين ومائة، توفّى يونس ابن يزيد الأيلى الرقاشى، من حفّاظ الحديث، مات بالصعيد.
ثم تولّى بعده الأمير موسى بن على اللخمى، فأقام على ولايته بمصر إلى سنة اثنتين (^١) وستين ومائة. - وفى أيامه توفّى سعيد بن أبى أيوب مقلاص الخزاعى، مات سنة إحدى وستين ومائة، وعاش نحو ستين سنة.
وفيها توفّى بشير بن أبى عمرو الخولانى المصرى، تابعى من الطبقة الثانية، مات فى تلك السنة؛ قال الذهبى فى «العبر»: غزا إلى بلاد القسطنطينية زمن سليمان بن جعفر بن ربيعة الكندى.
ثم تولّى بعده الأمير موسى بن عيسى الخصيب، سنة اثنتين (^١) وستين ومائة، فلم تطل أيامه، وعزل.
ثم تولّى بعده واضح المنصورى، ثم صرف من عامه.
وتولّى بعده الأمير منصور بن يزيد الحميرى، فلم تطل أيامه، وعزل.
ثم تولّى بعده (^٢) الأمير يحيى بن ممدود أبو صالح الحريبى، تولّى على مصر أيام الرشيد، فلم تطل أيامه، وعزل. - وفى سنة ثلاث وستين ومائة، توفّى حرملة بن يحيى بن عبد الله، كان من أصحاب الإمام الشافعى، ﵁، وكان له اختيار فى المذهب.
ثم تولّى بعده الأمير سالم بن سوادة التميمى، تولّى على مصر سنة أربع وستين ومائة، فكانت مدّة ولايته على مصر نحو سنة.
ثم تولّى بعده الأمير إبراهيم بن عبد الملك بن صالح العبّاسى، تولى على مصر
_________________
(١) اثنتين: اثنين.
(٢) بعده: بعد.
[ 1 أ / ١٣٦ ]
سنة خمس وستين ومائة، وكان الرشيد أزوجه بابنته غالية، فلم تطل أيامه بها، وعزل.
ثم تولّى بعده الأمير موسى بن مصعب، مولى خثعم، تولّى على مصر سنة سبع وستين ومائة، فلم تطل أيامه، وعزل.
ثم تولّى بعده أسامة بن عمرو المعافرى، تولّى على مصر سنة ثمان وستين ومائة. - وفى هذه السنة توفّى نافع بن يزيد الكلاعى المصرى، تابعى.
ثم تولّى بعده الأمير فضل بن صالح العبّاسى، تولّى على مصر سنة تسع وستين ومائة. - وفى هذه السنة توفّى روج بن صلاح المصرى، تابعى، مات بالإسكندرية.
ثم تولّى بعده الأمير على بن سليمان العبّاسى، فلم تطل أيامه، فكانت مدّة ولايته على مصر دون السنة.
ثم تولّى بعده الأمير موسى بن عيسى العبّاسى، فكانت ولايته سنة اثنتين (^١) وسبعين ومائة. - وفى هذه السنة توفّى الوليد بن المغيرة المسافرى ثم المصرى، كان تابعيا (^٢)، توفّى فى ذى القعدة سنة اثنتين وسبعين ومائة.
ثمّ تولّى بعده الأمير مسلمة بن يحيى الأخمشى، فلم تطل بها أيامه، وعزل.
ثم تولّى بعده الأمير محمد بن زهير الأزدى، فلم تطل أيامه، وعزل.
ثم تولّى بعده الأمير داود بن يزيد المهلبى، تولّى على مصر سنة أربع وسبعين ومائه، فلم تطل أيامه، وصرف هو والأمير محمد بن زهير فى سنة واحدة.
ثم تولّى بعده الأمير إبراهيم بن عبد الملك بن صالح العبّاسى، وهى الولاية الثانية، أقام بها حتى مات سنة خمس وسبعين ومائة.
وفى هذه السنة، أعنى سنة خمس وسبعين ومائة، كانت وفاة الإمام الليث بن سعد، ﵁، مات يوم الجمعة رابع عشر شعبان من تلك السنة، ودفن بالقرافة
_________________
(١) اثنتين: اثنين.
(٢) تابعيا: تابعى.
[ 1 أ / ١٣٧ ]
الكبرى، بالقرب من مسجد الفتح.
قال ابن سعد: هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمى أبو الحارث المصرى، ولد بقلقشندة، سنة أربع وتسعين من الهجرة، فلما كبر، روى عن الزهرى، وعطاء، ونافع، وابن المبارك، وغيرهم من التابعين.
قال الشافعى، ﵁: كان الليث أفقه من الإمام مالك، ﵁؛ وكان قد استقلّ بالفتوى فى زمانه بمصر، وكان فى سعة من المال سخيّا به.
قال يحيى بن بكير: ما رأيت أفقه من الليث بن سعد، كان ثقة فى الحديث، نحوىّ اللسان، يحسن القرآن والنحو، ويحفظ الأحاديث الكثيرة، حسن المذاكرة، رقيق الشعر فى المحاضرة، إلا أنّ أصحابه ضيّعوه، لم يكتبوا عنه شيئا (^١).
قال الذهبى فى «العبر»: كان أمراء مصر لم يقضوا أمرا دونه، وإذا خالفه أحد فى شئ، كاتب فيه الخليفة، فيعزله، وأراد الخليفة المنصور أن يليه إمرة مصر، فامتنع من ذلك غاية الامتناع.
قال ابن خلكان فى تاريخه: لما مات الليث، سمع قائل (^٢) يقول فى تلك الليلة، ذهب الليث، فلا ليث لكم، ومضى العلم غريبا وقبر.
قال يحيى بن بكير: إنّ الإمام الليث بن سعد، هو أول من دوّن ديوان الأحباس بمصر فى أيامه، وجعل للرزق الأحباسية ديوانا، دون ديوان الجيش، يختصّ بهم، واستمرّ ذلك من بعده إلى الآن.
ومن النكت اللطيفة، ما حكاه عبد المحسن التنوخى فى كتاب «المستجاد من فعلات الأجواد»، قال: بعث الخليفة الرشيد إلى الإمام مالك، وهو بالمدينة، خمسمائة دينار، فلما بلغ الليث بن سعد ذلك، بعث للإمام مالك ألف دينار، فلما بلغ الرشيد بأنّ الليث بعث للإمام مالك ألف دينار، غضب على الليث، وأرسل يقول له:
«بعثت أنا إلى الإمام مالك خمسمائة دينار، فتبعث له أنت ألف دينار، وأنت واحد من
_________________
(١) شيئا: شى.
(٢) قائل: قائلا.
[ 1 أ / ١٣٨ ]
رعيّتى»؟ فأرسل الليث يقول له: «يا أمير المؤمنين، إنّ لى فى كل يوم من متحصّل غلالى ومتجرى ألف دينار، فاستحيت أن أقابل مثل هذا الرجل بأقلّ من متحصّل يوم واحد».
وكان الليث مع وجود هذه السعة الزائدة، ما يحول عليه الحول ومعه مال يجب عليه زكاته، وكان يهبه للفقراء والعلماء، وغير ذلك من الناس، فكان سعيد الدنيا والآخرة، كما قيل:
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا … وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل
انتهى ذلك.
ثم تولّى بعده الأمير عبد الله بن المسيب الضبى، فلم تطل أيامه، وعزل سنة ست وسبعين ومائة.
ثم تولّى بعده الأمير إسحق بن سليمان العبّاسى، تولّى سنة سبع وسبعين ومائة، فلم تطل أيامه، وعزل سنة ثمان وسبعين ومائة. - وفى هذه السنة، توفّى خلاد ابن سليمان الحضرمى، تابعى من الطبقة الثانية.
ثم تولّى بعده الأمير هرثمة بن أعين، فأقام بها نحو شهر، وعزل.
ثم تولّى بعده الأمير عبد الملك بن صالح العبّاسى، تولّى سلخ سنة ثمان وسبعين ومائة، فأقام نحو شهر، وعزل، وقيل مات.
ثم تولّى بعده الأمير عبيد الله بن الخليفة المهدى، تولّى سنة تسع وسبعين ومائة، فأقام نحو سنة، وعزل، وهذه ثانى ولاية.
ثم تولّى بعده الأمير موسى بن عيسى الخصيب، وهى الولاية الثانية، وكان يعرف بالخصيب لوضاحة وجهه. - وفى أيامه دخل أبو النواس مصر، وامتدح موسى الخصيب بقصائد سنية، منها هذه الأبيات:
تخصّكم يا أهل مصر نصيحتى … ألا فخذوا من ناصح بنصيب
أتاكم أمير شرّف الله قدره … أكول لحياة البلاد شروب
فإن يك باق سحر فرعون فيكم … فإنّ عصى موسى بكفّ خصيب
[ 1 أ / ١٣٩ ]
قيل لما دخل أبو النواس مصر، توجّه إلى نحو الصعيد على سبيل التنزّه، فلما جلس على شاطئ النيل، حذّر من التمساح، فأنشأ يقول:
أضمرت للنيل هجرانا وتقلية … إذ قيل لى إنّها التمساح فى النيل
ثم إنّ أبا نواس رجع إلى بغداد، ومات بها سنه خمس وتسعين ومائة، فى دولة الأمين محمد بن الرشيد؛ وكان إماما عالما فاضلا، بارعا فى العلم والأدب، وإنما غلب عليه حبّ الشعر واللهو والخلاعة، وشرب الراح، فانحطّت رتبه بين العلماء بسبب ذلك، واسمه الحسن بن هانى، وإنما سمّى يأبى نواس، لأن كانت له ذؤابتا شعر تنوسان على قفاه، فسمّى بأبى نواس؛ ولما مات كتب على قبره:
يا نواسى توقّر … وتعزّ وتصبّر
إن يكن ساءك دهر … فلما سرّك أكثر
يا كبير الذنب عفو الله … من ذنبك أكبر
انتهى ذلك. -[وفى سنة سبع وثمانين ومائة، توفّى معاذ بن مسلم، وكان من المعمّرين، ورأى ثلاث بطون من أولاده، وهو أول من أظهر التصريف، ووضع فيه الكتب النفيسة] (^١).
ثم إنّ الأمير موسى بن عيسى الخصيب، استمرّ على ولايته بمصر، حتى وشى به عند الرشيد، فعزله عن مصر.
وولّى جعفر بن يحيى البرمكى على مصر، فاستناب عليها عمر بن مهران، وكان شنيع الخلقة، زرىّ الشكل، أحول العينين؛ وسبب ذلك أنّ الرشيد بلغه عن موسى الخصيب أنّه قال: «أنا أحسن من هرون الرشيد»، فقال الرشيد: «والله لأولينّ على مصر أوحش الناس شكلا»؛ فاستدعى عمر بن مهران وولاّه على مصر نيابة عن جعفر.
فلما سار عمر بن مهران ودخل مصر، وهو فى أزرى هيئة، راكبا على بغل، وغلامه على حمار، فدخل على الأمير موسى الخصيب، فجلس فى آخر الناس، فلما
_________________
(١) وفى سنة … النفيسة: كتبت هذه الفقرة فى الأصل على الهامش.
[ 1 أ / ١٤٠ ]
انقضّ المجلس، أقبل عليه الأمير موسى، وقال له: «ألك حاجة أيها الشيخ»؟ قال:
«نعم»؛ ثم ناوله كتاب أمير المؤمنين الرشيد، فلما قرأه قال: «أنت عمر بن مهران»؟.
قال: «نعم»، قال الأمير موسى: «لعن الله فرعون حيث قال: أليس لى ملك مصر»؟ ثم سلّم إليه وارتحل عن مصر، فأقام بها عمر بن مهران مدّة يسيرة، وعزل.
وأعيد الأمير موسى بن عيسى الخصيب، وهى ثالث ولاية، ثم صرف عنها سنة ثمانين ومائة.
ثم أعيد الأمير عبيد الله بن المهدى، فأقام بها إلى سنة إحدى وثمانين ومائة، وصرف عنها.
[وفى سنة إحدى وثمانين ومائة، توفّى يعقوب بن عبد الرحمن القارى. - وفى سنة إحدى وثمانين ومائة، توفّى المفضل بن فضالة بن عبد الله الرعينى. - وتوفّى يعقوب ابن حبيب الأنصارى؛ قال أبو يوسف: لم يكن فى الأنصار من يدعى بأبيه غيره] (^١).
ثم تولّى بعده الأمير إسمعيل بن صالح العبّاسى، فأقام على ولايته بمصر دون السنة، وعزل.
ثم تولّى بعده الأمير إسمعيل بن عيسى العبّاسى، فأقام بها إلى سنة اثنتين (^٢) وثمانين ومائة، وعزل عنها.
ثم تولّى بعده الليث بن الفضل البيرودى، ثم عزل. - وفى سنة أربع وثمانين ومائة، توفّى أشهب بن عبد العزيز العامرى، كان من أصحاب الإمام مالك، وكان من علماء مصر.
وتولّى بعده الأمير أحمد بن إسمعيل العبّاسى، وذلك سنة خمس وثمانين ومائة. - وفى أيامه توفّى ضمام بن إسمعيل المصرى، وكان من مشاهير المحدّثين، مات بالإسكندرية سنة خمس وثمانين ومائة.
فأقام الأمير أحمد إلى سنة سبع وثمانين ومائة، ثم عزل.
_________________
(١) وفى سنة … بأبيه غيره: كتبنت أخبار الوفيات الآتية على الهامش.
(٢) اثنتين: اثنين.
[ 1 أ / ١٤١ ]
وتولّى بعده الأمير عبد الله بن محمد العبّاسى. - وفى أيامه توفّى رشد بن سعد، كان تابعيا، مات سنة ثمان وثمانين ومائة.
وأقام الأمير عبد الله على ولايته بمصر، حتى عزل.
ثم تولّى بعده الأمير حسين بن جميل الأزدى، فأقام فى ولايته على مصر إلى أواخر سنة إحدى وتسعين ومائة، ثم صرف.
وتولّى بعده الأمير مالك بن دلهم الكلبى، تولّى على مصر سنة اثنتين (^١) وتسعين ومائة، فأقام بها، ثم صرف عنها. - وفى سنة اثنتين وتسعين ومائة، توفّى عبد الرحمن بن عبد الحميد المصرى، تابعى، وكان كفّ قبل موته.
وتولّى بعده الأمير حسن بن البحباح، فأقام بها إلى سنة ثلاث وتسعين ومائة، ثم صرف.
وتولّى بعده الأمير حاتم بن هرثمة بن أعين، فأقام إلى سنة خمس وتسعين ومائة، وصرف عنها. - وفى يوم الأحد نصف ربيع الأول سنة أربع وتسعين ومائة، توفّى عبد الله بن عقبة بن لهيعة الحضرمى المصرى، كان من علماء مصر، روى الحديث، ثقة من الرواة.
ثم تولّى بعده الأمير جابر بن الأشعث الطائى، فأقام بها إلى سنة ست وتسعين ومائة، وعزل.
ثم تولّى بعده عبادة بن نصر الكندى. - وفى أيامه، فى شعبان سنة سبع وتسعين ومائة، توفّى عبد الله بن وهب، وكان من العلماء العاملين.
فأقام عبادة بن نصر على ولايته بمصر، إلى سنة ثمان وتسعين ومائة، ثم صرف عنها.
وتولّى بعده المطلب بن عبد الله الخزاعى، ثم صرف فى سنته.
وتولّى بعده الأمير عبّاس بن موسى العبّاسى، ثم صرف فى سنته.
وأعيد المطلب ثانيا، وذلك سنة تسع وتسعين ومائة. - وفى هذه السنة توفّى شعيب
_________________
(١) اثنتين: اثنين.
[ 1 أ / ١٤٢ ]
ابن الإمام الليث بن سعد، ﵁.
فأقام المطلب على ولايته بمصر إلى سنة مائتين، وعزل.
ثم تولّى بعده السرى بن الحكم، ثم صرف عنها.
وتولّى بعده سليمان بن غالب، وذلك سنة إحدى ومائتين، ثم صرف.
وأعيد السرى بن الحكم ثانيا، فأقام على ولايته بمصر، حتى مات.
ثم تولّى بعده الأمير إبراهيم بن محمد السرى.
وفى أيامه، سنة أربع ومائتين، كانت وفاة الإمام الشافعى، ﵁، وهو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العبّاس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد ابن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصى، أحد أجداد رسول الله، ﷺ؛ والسائب جدّه، صحابى، أسلم يوم بدر، وكذلك ابن شافع؛ وأمّ الإمام الشافعى فاطمة بنت عبد الله بن الحسن بن الحسين بن الإمام على، ﵃ أجمعين، قال الكرمانى:
الشافعى إمام كل أئمة … تربى فضائله على الآلاف
لكننى أوتيت بدعا بارعا … فى وصفه هو سيد الأوصاف
ختم النبوة والإمامة فى الهدى … بمحمّدين هما لعبد مناف
وكان مولد الإمام الشافعى بغزّة، وقيل بعسقلان؛ قال بعض الرواة: إنّ فاطمة أمّ الإمام الشافعى، رأت فى منامها، وهى حامل به، أنّ نجما خرج من بطنها وله ضوء عظيم، فسقط بأرض مصر، ثم طارت منه شظايا فانتشرت فى سائر الآفاق؛ فقصّت رؤياها على بعض العابرين، فقال لها: «سيخرج من بطنك مولود، ويكون من كبار العلماء، ويخصّ علمه أهل مصر، دون غيرها من البلاد، وينتشر علمه فى سائر البلاد»، وكان الأمر كذلك.
وكان مولد الإمام الشافعى، ﵁، سنة خمسين ومائة، وهى السنة التى توفّى فيها الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت، ﵁.
قيل إنّ الإمام الشافعى حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وقرأ الموطّأ على الإمام
[ 1 أ / ١٤٣ ]
مالك بالمدينة وهو ابن عشر سنين؛ وتفقّه على مسلم بن خالد الزنجى، مفتى مكّة، وأذن له فى الإفتاء، وهو ابن خمس عشرة سنة؛ ثم توجّه إلى بغداد وزار قبر أبى حنيفة، وكان يقول: «من أراد الفقه فعليه بأبى حنيفة، ومن أراد الحديث فعليه بالإمام مالك»، وذلك سنة خمس وتسعين ومائة، وصنّف بها كتابه القديم، ثم عاد إلى مكّة؛ ثم خرج إلى بغداد ثانيا سنة ثمان وتسعين ومائة، فأقام بها شهرا، ثم قصد التوجّه إلى مصر، فقال عند ما عزم على السفر هذين البيتين من نظمه، وهما:
وإنّى أرى نفسى تتوق إلى مصر … ومن دونها عرض المهامة والقفر
فو الله ما أدرى أللعزّ والغنى … أساق إليها أم أساق إلى قبر
قال ابن زولاق: لما دخل الشافعى مصر، صنّف بها نحو مائتى جزء فى العلم، وكان واسع الاطلاع، كثير الفقه والأحاديث، وكان يقول إذا صحّ الحديث فهو مذهبى؛ وكان حسن الخلق، سخىّ النفس، قليل الغضب، فكه المحاضرة، رقيق النظم، ومن نظمه قوله:
إن كنت منبسطا، سمّيت مسخرة … أو كنت منقبضا، قالوا به ثقل
وإن أخالطهم، قالوا به طمع … وإن تجنّبتهم، قالوا به علل
وإن طعمتهم، قالوا يصانعنا … وإن منعتهم، قالوا به بخل
مالى بخلق، وخلق يرتضون به … لا بارك الله فيهم، إنّهم سفل
ومن بركة الإمام الشافعى، ﵁، أنّ فى مدّة حياته لم يقع الطاعون بمصر، ولا فى غيرها من البلاد؛ قال العلامة شهاب الدين بن حجر، رحمة الله عليه:
وقع الطاعون ببغداد سنة ست وأربعين ومائة، ثم وقع فى سنة إحدى وعشرين ومائتين، فكان بين وقوع هذين الطاعونين نحوا من سبعين سنة، ففى هذه المدّة كان مولد الإمام الشافعى، ﵁، واستمرّ الطاعون مرتفعا عن مصر وبقيّة البلاد، إلى حين وفاته، رحمة الله عليه.
وكانت مدّة حياة الإمام الشافعى، ﵁، أربع وخمسين سنة؛ واستمرّ الإمام الشافعى بمصر إلى أن مرض بعلّة البطن، وسلسل فى المرض.
[ 1 أ / ١٤٤ ]
فلما أشرف على الموت، أوصى أن لا ينسّله إلا أمير البلد، فلما مات، حضر الأمير إبراهيم بن محمد السرى، أمير البلد، فقيل له: «إنّ الإمام أوصى أن لا يغسّله إلا أنت»، قال: «هل توفّى الإمام وعليه دين»؟ قالوا: «نعم»، قال:
«احسبوا ما عليه من الدين»، فحسبوا، فإذا هو سبعون ألف درهم، فقضاها عنه الأمير إبراهيم، وقال: «هذا غسلى إياه، وإنما عنى عن الدين الذى عليه لأقضيه عنه».
وكانت وفاة الإمام الشافعى، رحمة الله عليه، ليلة الجمعة سلخ رجب سنة أربع ومائتين من الهجرة، ودفن بالقرافة الكبرى، مقابل تربة القاضى بكار، رحمة الله عليهما.
قيل لما مات الإمام الشافعى أوصى أنّ السيدة نفيسة تصلّى عليه، فلما مات أدخل نعشه فى دارها، وصلّت عليه، ثم حمل من عندها، ودفن؛ وكانت وفاة الإمام الشافعى فى دولة المأمون بن الرشيد، انتهى ذلك.
وفى سنة خمس ومائتين، توفّى بشر بن بكر البجلى التنيسى.
ولما تولّى الأمير إبراهيم على مصر، تغلّب عليه الأمير عبد الله السرى، فأقام إلى سنة ست ومائتين، وعزل عن ولايته بمصر.
ثم تولّى بعده الأمير عبد الله بن طاهر، ولاّه الخليفة المأمون، فحارب الأمير إبراهيم أشدّ المحاربة، وطرده عن مصر، وتولّى مكانه.
وفى سنة عشر ومائتين، توفّى الفقيه إسحق بن بكر بن مضرة المصرى، كان من طلبة الليث بن سعد، من أعيان العلماء.
وفى أيامه توفيت السيدة نفيسة، ﵂، وكانت وفاتها فى شهر رمضان سنة ثمان ومائتين، وهى نفيسة ابنة الأمير حسين بن زيد بن على بن الحسين بن الإمام على بن أبى طالب؛ وكان أبوها الأمير حسين أمير المدينة الشريفة، أيام الخليفة المنصور، ثم عزله عن المدينة وصادره، فأخذ عياله وابنته نفيسة، ودخل مصر،
[ 1 أ / ١٤٥ ]
وكان له رواية فى الحديث فى سنن النسائى، فدخلت نفيسة مصر، مع زوجها المؤتمن إسحق بن جعفر الصادق، فأقامت بمصر.
وكانت عابدة زاهدة، لها كرامات خارقة، وكانت فى سعة من المال، وتحسن للفقراء، وتحبّ فعل الخير، وتؤوى الأرامل واليتامى؛ ولما دخل الإمام الشافعى مصر، كانت تحسن إليه، وربما كان يصلّى بها فى رمضان، التراويح، وكان أهل مصر يعظّمونها.
فلما ماتت دفنت بدرب السباع، فعزم زوجها إسحق على أن ينقل جثّتها إلى المدينة الشريفة، فأقسم عليه أهل مصر أن يبقيها عندهم يلتمسون (^١) بركتها، فأبقاها بمصر؛ وقيل عاشت من العمر نيفا وسبعين سنة، قال ابن خلكان: «الدعاء عند قبرها مجاب»؛ وكان لها أولاد من زوجها إسحق فدفنوا بمصر أيضا.
وفى هذه السنة توفّى يحيى بن حسان التنيسى، وكان إماما حجّة، مات فى رجب من تلك السنة، انتهى.
قال ابن خلكان: إنّ فى أيام عبد الله بن طاهر، ظهر البطيخ العبدلاوى بمصر، وهو الذى نقل زريعته إلى مصر، ولم يكن بها قبل ذلك شئ (^٢) منه، فنسب إليه، وقيل البطيخ العبدلى.
وكان عبد الله بن طاهر من حذّاق العمّال، وهو الذى جدّد بناء جامع عمرو بن العاص، واتّسع فيه، وزخرفه وذهّب رءوس العمد، وأدخل فى الجامع دورا كثيرة من الخطط.
وأقام فى ولايته بمصر إلى سنة عشر ومائتين. - وفى أيامه، سنة إحدى عشرة ومائتين، توفّى ليث بن عاصم بن كليب، كان من أعيان العلماء، وكان إمام جامع عمرو.
وفى سنة إحدى عشرة ومائتين، توفّى أيضا السائب النجيبى أبو يحيى المصرى،
_________________
(١) يلتمسون: يلتمسوا.
(٢) شئ: شيئا.
[ 1 أ / ١٤٦ ]
تابعى، مات بمصر.
ثم عزل عبد الله بن طاهر.
وتولّى بعده الأمير عيسى بن يزيد الجلودى، فلم تطل أيامه، وعزل. - واضطربت أحوال الديار المصرية فى أيامه، وثار بمصر رجلان وهما عبد السّلام، وابن جليس، وخرجا عن طاعة أمير المؤمنين المأمون، واستحوذا على القرى، وبايعهما طائفة من القيسية واليمانية؛ فلما بلغ المأمون ذلك، خلع عيسى بن يزيد.
وولّى أخاه (^١) أبا إسحق بن الرشيد، على مصر، مضافة إلى الشام، فقدمها سنة أربع عشرة ومائتين، فحارب أهل مصر، وقتل عبد السّلام، وابن جليس، وأقام بمصر مدّة، ثم رحل إلى الشام.
وتولّى بعده الأمير عمير بن الوليد التميمى، فأقام مدّة يسيرة، وعزل.
ثم أعيد الأمير عيسى بن يزيد الجلودى، فأقام مدّة يسيرة، وعزل.
ثم تولّى بعده الأمير عبدويه بن جبلة، وذلك سنة خمس عشرة ومائتين، فأقام بها مدّة يسيرة، وعزل.
ثم تولّى بعده الأمير عيسى بن منصور الرافقى؛ قال ابن زولاق: لما قدم الأمير عيسى إلى مصر، توجّه إلى بركة الحبش على سبيل التنزّه، فوقف عند الرصد، وتلفّت يمينا وشمالا، وقال لمن حوله: «إنى أرى عجيبا»، قالوا: «وما هو»؟ قال: «أرى ميدان أزهار، وحيطان نخل، وبستان شجر، ومنازل سكن، وجبانة أموات، ونهر جارى، وربيع (^٢) من نبات أخضر، ومراعى ماشية، ومرابط خيل، وساحل بحر، ومقانص وحش، ومصائد سمك، وملاّح سفينة، وحادى إبل، ومغائر، ورمال، وسهل وجبل (^٣)، وأهرام وقرى، فهذه سبع عشرة متنزّها، فى أقلّ
_________________
(١) أخاه: أخوه.
(٢) ونهر جارى، وربيع: كذا فى الأصل.
(٣) ورمال، وسهل وجبل: كذا فى الأصل.
[ 1 أ / ١٤٧ ]
من ميل فى ميل»، فقال القائل فى المعنى:
يا نزهة الرصد التى قد نزّهت … عن كل شئ حلا فى جانب الوادى
فذا غدير، وذا روض، وذا جبل … فالضبّ والنون والملاّح والحادى
ثم إنّ الأمير عيسى أقام بمصر. - وفى أيامه اضطربت أحوال الديار المصرية، وخرج أهلها عن الطاعة، وحصل بينهم، وبين عساكر الفسطاط، من الحروب العظيمة ما لا يمكن شرحه؛ فكاتبوا المأمون بذلك، فجهّز العساكر، وخرج بنفسه من بغداد صحبتهم، وتوجّه إلى مصر، فدخلها فى محرّم، أوائل سنة سبع عشرة ومائتين، فدخل فى عساكر عظيمة؛ وكان صحبته أخوه محمد المعتصم، وولده العبّاس، وأولاد أخيه، وهما الواثق والمتوكّل؛ وكان صحبته القاضى يحيى ابن أكثم، والقاضى أحمد بن أبى داود، وغير ذلك من أعيان بغداد.
قال الكندى: لما دخل المأمون مصر، نزل تحت الجبل الأحمر، عند قبّة الهواء، ونظر (^١) إلى أرض مصر، وقال لمن حوله: «ما أدرى ماذا أعجب فرعون فى مصر، حيث قال: «أليس لى ملك مصر»، وهى أرض غبراء بين جبلين، فأىّ شئ أعجبه فيها»؟ فقال له بعض الحاضرين: «إنّ الذى رآه أمير المؤمنين، ليست كانت مصر كذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ، وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ فسكت المأمون.
فلما حضر عيسى بن منصور الرافقى بين يديه، وبّخه بالكلام، وقال له:
«هذا كلّه بسوء تدبيرك، وجورك على أهل القرى، وقد حمّلت الناس ما لا يطيقون، وكتمت الأمر عنّى حتى عظم».
ثم إنّ المأمون عيّن الأفشين، وكان شجاعا بطلا، فأخذ طائفة من العسكر، وتوجّه إلى أعلا الصعيد، وحارب أهلها، وقتل منهم جماعة كثيرة، وأسر النساء والصبيان، وأحضرهم بين يدى المأمون، فأمر بقتل الرجال، وبيع النساء والصبيان، وكان أكثرهم من القبط والحوف.
_________________
(١) ونظر: نظر.
[ 1 أ / ١٤٨ ]
فلما خمدت هذه الفتنة، سرح المأمون فى ضواحى مصر، فكان يقيم فى كل قرية يوما وليلة، ثم يرحل عنها، فكان إذا نزل بقرية، يضرب له سرادق من حرير، ويجلس على دكّة من الأبنوس مطعّمة بفضّة، وينصب له عليها لواء من حرير أسود، مرقوم بالذهب، وتحاط به الوزراء والأمراء من كل جانب.
فلم يزل على ذلك، حتى مرّ بقرية من قرى مصر، يقال لها طاه النمل، فمرّ عليها ولم ينزل بها، فلما جاوزها وحاد عنها، خرجت إليه عجوز قبطية، وهى ترعش بين خادمين، وكانت تعرف بمارية القبطية، فوقفت بين يديه، وبكت وصاحت، فظنّ المأمون أنّها مظلومة، ووقف لها، وكان لا يسير إلا والتراجمة بين يديه، من كل جنس بلسانه، فسألها بعض التراجمة عن أمرها، فقالت: «إن أمير المؤمنين ينزل بكل قرية من قرى مصر، ويقيم بها يوما وليلة، وقد حاد عن قريتى، ولم ينزل بها، حتى أصير معيرة بين القبط بذلك».
فلما ترجم له الترجمان بما قالته العجوز، قال له المأمون: «إنّ قريتها صغيرة لا تحمل العسكر، ولا تطيق هذه العجوز كلفتنا»؛ فرد عليها الترجمان الخبر، فصاحت وقالت: «لا سبيل أن يتجاوز أمير المؤمنين قريتى»؛ فعند ذلك ثنى المأمون عنان فرسه، ونزل بقريتها، وضرب بها خيامه.
فلما استقر بها ومن معه من العساكر، جاء ولد تلك العجوز إلى صاحب المطبخ، وقال له: «اذكر لى ما تحتاج إليه من غنم، وبقر، ودجاج، وأفراخ السمك، وأوز، وسكّر، وعسل، وفستق، ولوز، وفاكهة، وحلوى، ومسك، وماورد، وشمع، وبقولات، وغير ذلك، مما جرت به عادة (^١) الخلفاء».
فلما ذكر له صاحب المطبخ ما يحتاج إليه، فغاب ساعة يسيرة، وأحضر له جميع ما يحتاج إليه من تلك (^٢) الأصناف، التى ذكرها له؛ ثم أحضر لأقارب المأمون، لكل واحد منهم ما يخصّ به على انفراده.
_________________
(١) عادة: عادت.
(٢) تلك: ذلك.
[ 1 أ / ١٤٩ ]
وأقام المأمون هناك يوما وليلة، وهو فى أرغد عيش، فلما أراد الانصراف، أقبلت عليه تلك العجوز، ومعها عشرة من الوصائف، وعلى رأس كل واحدة منهن طبق، فلما عاينها المأمون من بعيد قال لمن حوله: «قد جاءتكم القبطية بهديّة الريف: الكامخ والصحنا».
فلما وضعت الأطباق بين يديه، كشفها، فإذا فيها ذهب، دنانير، فشكرها على ذلك، وأمرها بإعادته إليها، وقال: «فيما صنعته كفاية»؛ فقالت له: «يا أمير المؤمنين، لا تشمت بى أعدائى بردّه إلىّ»، وبكت، فقال المأمون: «قبلنا منك ذلك»؛ ثم تأمّل ذلك الذهب، فإذا هو ضرب عام واحد جميعه، فتعجّب من ذلك غاية العجب، وقال: «ربما يعجز بيت ما لنا عن مثل ذلك»، ثم قال لها:
«أيتها العجوز، أظفرت (^١) بكنز»؟ قالت: «لا والله، وإنما هو من زرع الأرض، ومن عدلك يا أمير المؤمنين»؛ فقال لها: «بارك الله فى مروءتك وفيما صنعت (^٢)».
ثم إنّ المأمون أنعم على تلك العجوز بقرية تسمى طاه النمل، وجعلها لها ملكا، ولأولادها من بعدها، وهناك قنطرة تسمّى قنطرة العجوز إلى الآن.
ثم إنّ المأمون أقام بمصر أربعين يوما، ورحل عنها لثمانية عشر خلون من صفر، من السنة المذكورة، فكانت مدّة غيبته ذهابا وإيابا، نحو أربعة أشهر وأيام، ودخل عليه من المال فى هذه السرحة، نحو أربعة آلاف ألف ألف دينار، غير الهدايا والتحف، ففرّق على عسكره، لما رجع إلى بغداد، لكل واحد منهم ملء كفّه دنانير ذهبا.
وصار فى كل وقت يذكر ما جرى له مع مارية القبطية، ويتعجّب مما صنعته معه، ومن سعة مالها، وكبر مروءتها، ويقول: «الحمد لله الذى فى رعيّتنا من هو بهذه الصفة»، وقد قيل فى المعنى:
أظنّ بأنّ الدهر ما زال هكذا … وأنّ حديث الجود ليس له أصل
_________________
(١) أظفرت: أظفرتى.
(٢) صنعت: صنعتى.
[ 1 أ / ١٥٠ ]
وهب قد فنى من قد سمعنا بذكرهم … أما كان فيهم من يكون له نسل
وفى سنة ثمان وعشرين ومائتين، توفّى أبو تمام حبيب بن أوس الطائى، صاحب الحماسة، ملك الشعراء؛ كان أصله من قرية حاسم بالقرب من طبرية، دخل مصر، وأقام بها بجامع عمرو يسقى الماء، فشاع ذكره، وسار فى الآفاق شعره، ثم توجّه من مصر إلى الموصل، فمات بها تلك السنة.
قال الكندى: لما دخل المأمون مصر، رأى الأهرام، فأمر بفتح الهرم الكبير، فلما انتهى فيه إلى عشرين ذراعا، وجد هناك مظهرة خضراء، فيها ذهب مضروب، زنة كل دينار أوقية، وكان عددها ألف دينار، فتعجّب المأمون من جودة ذلك الذهب، وقال: «ارفعوا حساب ما قد أصرفناه على فتح هذه الثلمة»، فوجد الذهب الذى أصابه فى المظهرة، بقدر ما نفقه على فتح الثلمة، لا يزيد (^١) ولا ينقص، فتعجّب من ذلك غاية العجب، وقال: «كأن هؤلاء القوم بمنزلة لا ندركها نحن، ولا أمثالنا».
وقيل إنّ المظهرة الخضراء، التى وجدت فى الثلمة، كانت من الزبرجد الأخضر، فأمر المأمون بحملها إلى خزائنه، وهى آخر ما حمل من عجائب مصر؛ واستمرّ النقب موجودا فى الهرم الكبير، يقصدونه الناس، وينزلون به، فمنهم من يسلم، ومنهم من يهلك، انتهى ذلك.
فلما رحل المأمون عن مصر، عزل عيسى بن منصور الرافقى.
وولّى نصر بن كيدر السعدى، فأقام بها إلى سنة تسع عشرة ومائتين.
وفى أيامه توفّى أحمد بن أشكال أبو عبد الله الصفّار الكوفى، نزيل مصر، مات سنة سبع عشرة ومائتين. - وتوفّى على بن معبد بن شدّاد العبدى، نزيل مصر، مات فى رمضان سنة ثمان عشرة ومائتين.
وتوفّى فيها أيضا حبيب بن أبى حبيب أبو محمد المصرى، تابعى. - وتوفّى سعيد ابن عيسى المصرى، تابعى، مات فى ذى الحجّة سنة تسع عشرة ومائتين.
وفى سنة تسع عشرة ومائتين، فيها توفّى عثمان بن صالح بن صفوان السهمى،
_________________
(١) لا يزيد: لا يزد.
[ 1 أ / ١٥١ ]
من علماء مصر. - وتوفّى فيها أيضا عمرو بن الربيع بن طارق الهلالى الكوفى، نزيل مصر. - وتوفّى فيها أيضا النضر بن عبد الجبار بن مضر المصرى.
وفى سنة اثنتين وعشرين ومائتين، توفّى عبد الله بن صالح، كاتب الإمام الليث ابن سعد.
واستمرّ نصر بن كيدر على ولايته بمصر، حتى عزل.
وتولّى بعده المظفر بن أبى العبّاس، فلم تطل أيامه بها، وعزل.
وتولّى بعده مالك بن كيدر، وذلك سنة أربع وعشرين ومائتين.
وفى أيامه توفّى أصبع بن الفرج بن سعيد بن نافع الأموى المصرى، من أعيان العلماء، مات سنة خمس وعشرين ومائتين.
وفى سنة ست وعشرين ومائتين، توفّى ابن كثير، المؤرّخ، صاحب «البداية والنهاية»؛ واسمه سعيد بن كثير بن عفير أبو عثمان المصرى، تولّى القضاء بمصر، وكان صحيح النقل، كثير الاطلاع؛ ولد سنة ست وأربعين ومائة، ومات سنة ست وعشرين ومائتين، وكان ثقة المؤرخين، انتهى.
فأقام مالك على ولايته بمصر، حتى عزل.
ثم أعيد الأمير عيسى بن منصور ثانيا، وأقام فى هذه الولاية إلى سنة تسع وعشرين ومائتين.
وفى أيامه توفّى الإمام نعيم بن حماد المروزى، نزيل مصر، مات سنة ثمان وعشرين ومائتين، مات بسامرا، وكان من حفّاظ الحديث.
واستمرّ الأمير عيسى على ولايته بمصر، حتى عزل.
ثم تولّى بعده هرثمة بن نصر الجبلى، فأقام إلى سنة خمس وثلاثين ومائتين.
ثم تولّى بعده ابنه حاتم، فلم تطل أيامه وعزل.
وتولّى بعده إسحق بن يحيى، فلم تطل أيامه، وعزل.
ثم تولّى بعده الأمير عبد الواحد بن عيسى، المسمى حوط، مولى خزاعة، تولّى على مصر سنة ست وثلاثين ومائتين، فأقام على ولايته بمصر دون السنتين، وعزل.
[ 1 أ / ١٥٢ ]
ثم تولّى بعده عنبسة بن إسحق الضبى، تولّى سنة ثمان وثلاثين ومائتين.
وفى أيامه هجموا بنو الأصفر على ثغر دمياط، ونهبوا المدينة، وقتلوا جماعة من أهلها، وسبوا النساء؛ فجاء الخبر إلى مدينة الفسطاط يوم عيد النحر، فخرج الأمير عنبسة ونادى بالنفير عاما، فخرج عسكر الفسطاط قاطبة، وتوجّه إلى ثغر دمياط، وتحاربوا مع بنى الأصفر، فانتصروا عليهم، وأسروا منهم جماعة، وهرب الباقون إلى بلادهم، ورجع الأمير عنبسة إلى الفسطاط وهو منصور، وقدّامه الأسرى (^١) من بنى الأصفر، وكان يوما مشهودا.
فأقام الأمير عنبسة بعد ذلك مدّة يسيرة، ومات بمصر.
وفى سنة ست وثلاثين ومائتين، توفّى أبو تراب النخشبى، ودفن بمصر، داخل القاهرة.
ثم تولّى بعده الأمير يزيد بن عبد الله التركى، وكان من الموالى، تولّى على مصر سنة اثنتين وأربعين ومائتين، فى أيام الخليفة المتوكّل على الله جعفر بن المعتصم؛ فلما استقرّ بمصر، كانت له حرمة وافرة، وكلمة نافذة.
وفى سنة خمس وأربعين ومائتين، توفّى ذو النون المصرى، أبو الفيض ثوبان بن إبراهيم المصرى؛ ولد بأخميم، وكان أصله من النوبة، وكان أسمر اللون، شديد السمرة، عاش من العمر نحو تسعين سنة، ودفن بالقرافة الكبرى.
ثم إنّ المتوكّل أرسل يقول له (^٢) أن يبنى مقياسا لزيادة النيل، فشرع فى بناء مقياس (^٣) بالجزيرة، وهى الروضة، فابتدأ فى بنائه سنة ست وأربعين ومائتين.
قال ابن عبد الحكم: كان بمصر عدّة مقاييس قبل الإسلام، فكان مقياس (^٣) بأنصنا، ومقياس بمنف، ومقياس (^٣) بقصر الشمع؛ ثم بنى عمرو بن العاص مقياسا بأسوان، عند ما فتح مصر؛ ثم بنى عبد العزيز بن مروان، لما كان على مصر، مقياسا
_________________
(١) الأسرى: الأسرا.
(٢) له: يعنى ليزيد بن عبد الملك.
(٣) مقياس: مقياسا.
[ 1 أ / ١٥٣ ]
بحلوان؛ ثم بنى أسامة بن زيد مقياسا بالجزيرة، فى أيام عبد الملك بن مروان؛ ثم بنى سليمان بن عبد الملك مقياسا آخر؛ ثم بنى المأمون مقياسا بالبشرودات (^١)؛ ثم بنى أحمد ابن طولون مقياسا.
فلما كان أيام الخليفة جعفر المتوكّل على الله، أمر ببطلان سائر المقاييس التى (^٢) كانت بمصر، وجعل العمل على هذا المقياس، وسمّاه المقياس الجديد، وهو عبارة عن فسقية مربعة، يدخل إليها الماء من أسربة بين الحيطان، وفى وسطها عمود من رخام أبيض، وهو مثمن، طوله نحو عشرين ذراعا، وله قاعدتان، سفلية وعلوية، وفوقه جائزة خشب فى وسط الفسقية.
وقد قسّم هذا العمود على أذرع، بها أصابع مخطوطة كالقراريط؛ ومساحة الذراع إلى أن يبلغ اثنى عشر ذراعا، ثمانية وعشرون أصبعا؛ ومن اثنى عشر ذراعا إلى ما فوق ذلك، يصير الذراع أربعة وعشرين أصبعا.
فإذا كان أوان زيادة النيل، يدخل الماء الجديد على الماء القديم الذى فى الفسقية، فتارة تكون القاعدة عالية من الماء القديم، وتارة تكون واطية من قلّة الماء، وأقلّ ما يكون فى قاع المقياس من الماء القديم ثلاثة أذرع، وفى تلك السنة يكون النيل شحيحا.
قيل أكثر ما وجد فى قاع المقياس من الماء القديم، تسعة أذرع وإحدى وعشرين أصبعا، وكان ذلك سنة سبع وتسعين من الهجرة؛ وأقلّ ما وجد فى قاع المقياس من الماء القديم، ذراع واحد وعشرون أصبعا، وهو سنة تسع وتسعين ومائة، فبلغ النيل تلك السنة اثنتى عشرة ذراعا وتسعة عشر أصبعا، ثم انهبط عاجلا.
وقاعدة مصر فى أمر زيادة النيل، فإنّ النيل يتنفّس فى الزيادة من أول بؤونة، فإذا مضى منها اثنتى عشرة ليلة، تنزل النقطة فى ليلة الثانى عشر منها، ويسمّونه عند القبط عيد ميكائيل؛ فإذا مضى من بؤونة خمسة وعشرين يوما، تطلع البشارة،
_________________
(١) بالبشرودات: كذا فى الأصل.
(٢) التى: الذى.
[ 1 أ / ١٥٤ ]
ويظهر أمر القاعدة، بما وجد فى قاع المقياس من الماء القديم؛ ثم فى يوم السادس والعشرين من بؤونة، ينادى على النيل بما يزيد فى تلك السنة، من قليل أو كثير، وقيل فى المعنى:
مناد فيه قاعدة اصطبارى … وهت لقياسه الهجر المتابع
رأى كسرا لقلبى قلت هلاّ … تبشّر بالوفا منك الأصابع
وتصير الزيادة مستمرّة: أبيب، ومسرى، وتوت، واثنى عشر يوما من بانة، فيكون مدّة الزيادة من ابتدائها إلى منتهاها، ثلاثة أشهر وخمسة وعشرين يوما، ثم يأخذ فى النقصان؛ وغالب الوفاء يكون فى مسرى، حتى قيل: «إذا لم يف (^١) النيل فى مسرى، فانتظره فى السنة الأخرى».
قال المسعودى: إذا انتهت الزيادة إلى ستة عشر ذراعا، فقد حصل للناس الرىّ الشامل؛ فإذا بلغت الزيادة إلى سبعة عشر ذراعا، استبحر من أراضى مصر الربع، وحصل لبعض الضّياع الضرر، بسبب وجود الاستبحار؛ وإذا بلغت الزيادة ثمانية عشر ذراعا، كانت العاقبة عند انصرافه حدوث وباء بالديار المصرية؛ وكان القبط يقولون: «نعوذ بالله من أصبع من عشرين»؛ وكان النيل إذا بلغ أصبع (^٢) من عشرين، غرّق الضّياع والبساتين، وكسر الجسور، وحصل للناس الضرر بسبب ذلك.
قال المسعودى: إنّ الأذرع التى كان يستسقى عليها بمصر، ذراعان، وهى التى تسمّى منكر ونكير، وهى ذراع ثلاثة عشر، وذراع أربعة عشر، فإذا انصرف الماء عن هذين الذراعين، استسقى الناس لهما بمصر، وكان الضرر الشامل؛ وإذا دخل الماء فى ستة عشر ذراعا (^٣)، كان فيه بعض صلاحه للبلاد، ولا يستسقى له، وكان ذلك نقصا فى الخراج، تمّت.
وكانت قاعدة مصر القديمة محكمة على ستة عشر ذراعا (^٣)، تروى منه سائر أراضى
_________________
(١) لم يف: لم يفى.
(٢) أصبع: كذا فى الأصل.
(٣) ذراعا: ذراع.
[ 1 أ / ١٥٥ ]
مصر، وقد فسدت هذه القواعد كلها فى هذا الزمان، لما علا من الأراضى من قلّة الجرف، وفساد الأحوال، وصارت أراضى مصر الآن لا تروى إلا من عشرين ذراعا، أو إحدى وعسرين ذراعا، انتهى ذلك.
وكانت هذه المقاييس المقدّم ذكرها، يتولّى قياس النيل بها جماعة من النصارى الأقباط، فلما بنى (^١) الأمير يزيد بن عبد الله التركى هذا المقياس الجديد بالجزيرة، عزل هولاء (^٢) النصارى عن قياس النيل، وجعل عليه شخصا يسمّى عبد الله بن عبد السّلام ابن عبد الله بن أبى الرداد؛ وكان أصله من البصرة، وقدم مصر، وأقام بها، وكان مؤذّنا بجامع عمرو بن العاص، وأجرى عليه فى كل شهر سبعة دنانير؛ ولم يزل المقياس بيد أبى الرداد حتى توفّى سنة ست وستين ومائتين؛ واستمرّ المقياس مع أولاده، وأولاد أولاده، إلى يومنا هذا.
قال المسبحى (^٣) فى «تاريخ مصر»: سأل القاضى ابن خيران، ماذا يستفتحون به القيّاسون فى كلامهم إذا نادوا على النيل؟ قال: أحسن ما يقولون، «نعم لا تحصى، من خزائن لا تفنى، زاد الله فى النيل المبارك كذا وكذا».
قال القاضى محيى الدين بن عبد الظاهر فى منادى البحر، لما يزيد (^٤) عشرة أصابع، ويجعلون (^٥) فى أيديهم عودا وهو مخلّق بالزعفران:
قد قلت لما أتى المقسى وفى يده … عود بماء النيل قد غودى وقد نودى
أيام سلطاننا سعد السعود وقد … صحّ القياس بجرى الماء فى العود
قال المسعودى: ومن عادة ماء النيل قبل الزيادة، يخضرّ لونه، ويتغيّر طعمه، فيقولون العوام من أهل مصر: «البحر بيتوحّم (^٦)» وهذا شئ ليس له أصل، والسبب
_________________
(١) بنى: بنا.
(٢) هؤلاء: ذلك.
(٣) المسبحى: المستحى.
(٤) لما يزيد: لما يزد.
(٥) ويجعلون: ويجعلوا.
(٦) بيتوحم: كذا فى الأصل، ويلاحظ الآسلوب العامى، واستعمال حرف الباء فى أول الفعل المضارع.
[ 1 أ / ١٥٦ ]
فى ذلك أنّ النيل إذا انهبط بعد الزيادة، يرسب الماء فى تلك البطيحات التى فوق الجنادل، فينقطع ماؤها، ويتغيّر لونه وطعمه، فإذا جاءت السيول بالماء الجديد، ينحدر الماء القديم من البطيحات إلى أراضى مصر، فيقولون الناس: «قد توحّم البحر»، وفى ذلك يقول الشيخ جلال الدين بن خطيب داريا:
عجب لنيل ديار مصر إنّه … عجب إذا فكّرت فيه يعظم
يطأ الأراضى، فهى تلقّح دائما … من مائه، وهو الذى يتوحّم
قال المسعودى: وكان للمقياس فى الدولة الفاطمية عند مبتدأ الزيادة، مائة دينار تصرف من الذخيرة لابن أبى الرداد، بسبب كنس مجارى ماء النيل، حتى يدخل إلى فسقية المقياس.
وكان يأتى من مدينة قوص مركب صغيرة تسمّى المفرد، وبها رجل واحد يقذّف، وعليه أسابيط بلح تظلّله من حرّ الشمس، حتى يصل، فيبشّر بوفاء النيل، قبل أن يبشّر به ابن أبى الرداد، وكان له معلوم على أرباب الدولة فى كل سنة؛ فبطل ذلك من مصر، مع جملة ما بطل منها من العوايد القديمة؛ وقد تغزّلت الشعراء فى وصف هذا المفرد، تغزّلات كثيرة، فمن ذلك قول الفقيسى:
إن كان مدّ النيل قد سرّكم … وقد بلغتم بالوفاء المنى
فالنيل من بعدكم أد … معى، نعم، وما المفرد إلا أنا
انتهى ذلك.
واستمرّ الأمير يزيد بن عبد الله التركى على ولايته بمصر، حتى عزل.
ثم تولّى بعده الأمير مزاحم بن خاقان التركى، وزير المتوكّل، تولّى على مصر سنة ثلاث وخمسين ومائتين.
وفى أيامه توفّى أحمد بن صالح المصرى، أحد الحفّاظ المبرزين، والأئمة المجتهدين، مات فى ذى القعدة سنة ثمان وأربعين (^١) ومائتين.
وفى هذه السنة توفّى أيضا ابن عمّ الإمام الشافعى، محمد بن عبد الله بن محمد
_________________
(١) ثمان وأربعين: كذا فى الأصل.
[ 1 أ / ١٥٧ ]
ابن العبّاس بن عثمان بن شافع، وكان تزوّج بزينب ابنة الإمام الشافعى، ﵁، فأولدها ابنه أحمد، وكان له مناظرات كثيرة مع المزنى.
وفى سنة إحدى وثلاثين ومائتين، جاءت الأخبار من بغداد، بوفاة البويطى، أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطى القرشى، كان إماما عالما فاضلا، كان يحضر مجلس الإمام الشافعى، وله مناظرات كثيرة، أرسل خلفه الخليفة الواثق، من مصر إلى بغداد، فى أيام المحنة بخلق القرآن، وأراد منه القول بخلق القرآن، فامتنع من ذلك، فحبسه الواثق ببغداد، حتى مات فى السجن، وهو مقيّد، وكانت وفاته فى رجب من تلك السنة، وكان الإمام الشافعى بشّره أنّه لا يموت إلا وهو فى السجن، فى الحديد، وكذا جرى، انتهى.
واستمرّ الأمير مزاحم بن خاقان على ولايته بمصر، حتى مات، ثم تولّى بعده ابنه الأمير أحمد، فلم تطل أيامه، وعزل.
ثم تولّى بعده أرخور التركى، وكان من الموالى، فلما ولى على مصر لم تطل بها أيامه، وعزل عنها.
ثم تولّى بعده الأمير محفوظ بن سليمان.
وكان هؤلاء الأمراء إذا تولّوا على مصر، يسمّون (^١) عمّال الخراج بمصر، وكانت الخلفاء يشترطون عليهم فى كتب تقاليدهم، المال الذى يلتزمون به، وعليهم من الهدايا والتقادم: الخيول العربية، والبغال الخيسية، والجمال البجاوية، والثياب الدبيقية، ومقاطع الشرب الإسكندرانية، والطرز البهنساوية، وأجلال الخيل، والستور الفيومية، والعسل النحل المصرى، الذى من عسل بنها، وغير ذلك من الأصناف التى لا توجد إلا بمصر.
قال محفوظ بن سليمان: من غريب ما اتّفق لى أن قد تجمّد علىّ من خراج مصر فى أيام الخليفة الواثق، ثلاثمائة ألف دينار، فأرسل أحضرنى فى الحديد، فلما وصلت إلى بغداد، دخلت على الواثق وقت صلاة الفجر، وأنا آيس من الفرج، فلما فرغ
_________________
(١) يسمون: يسموا.
[ 1 أ / ١٥٨ ]
يصلّى، أخذ بيده درج (^١) مكتوب بماء الذهب، فقرأ فيه.
فلما أبصرنى، قال: ويحك يا محفوظ فى أى ساعة دخلت علىّ فيها؟ فقلت:
فى ساعة خير يا أمير المؤمنين؛ قال: هل تدرى ما فى هذا الدرج الذى بيدى؟ قلت:
لا والله يا سيدى؛ قال: هذا مما أنزل على دانيال، ﵇، يقول الله تعالى:
عند تناهى شدّتى يكون فرجى، وعند نزول بلائى، يكون رجائى، وفى مثلى فليطمع الطامعون؛ اذهب يا محفوظ، فقد وهبت لك ما عليك من المال، وولّيتك على مصر ثانيا، فامض (^٢) راشدا.
وأمر بنزع قيودى، وأخلع علىّ خلعة سنيّة، فخرجت من عنده وأنا لم أصدّق منه بالنجاة، وكنت قد أيست من الفرج، وقد قيل فى المعنى:
لا تجزعن لما واتى الزمان به … ولا تكن حرجا من شدّة الحرج
لابد للعسر من يسر يعقّبه … وللشدائد من حلّ ومن فرج
واستمرّ الأمير محفوظ بن سليمان فى ولايته بمصر، حتى مات سنة أربع وخمسين ومائتين.
ثم تولّى بعده الأمير أحمد بن محمد بن المدبر، وكان من شياطين العمّال، أحدث فى أيامه أنواعا من وجوه الظلم لم تكن بمصر، منها: أنّه حجر على الأطرون والملح وكانا مباحين للناس، ومنها: أنّه قرّر على الكلأ، الذى (^٣) ترعاه البهائم، مالا، وسمّاه المراعى، وقرّر على مصايد الأسماك مالا، وسمّاه المصايد، وأحدث من هذه المطالم أشياء كثيرة، وقسّم أموال مصر ما بين خراجى وهلالى.
وهذه أول تلاشى أحوال الديار المصرية، فلما جرى ذلك، رحل غالب أهلها من الظلم وانحطّ خراجها فى أيامه إلى الناية، حتى بقى ثمانمائة ألف دينار، بعد ما كانت تجبى فى أيام من تقدّمه من أمراء مصر، اثنى عشر ألف ألف دينار، وقد آل
_________________
(١) درج: كذا فى الأصل.
(٢) فامض: فامضى.
(٣) الذى: التى.
[ 1 أ / ١٥٩ ]
أمرها إلى الخراب من يومئذ، كما قيل فى معنى ذلك:
عليك بالعدل إن أوليت مملكة … واحذر من الظلم فيها غاية الحذر
فالملك يبقى مع الكفر البهيم ولا … يبقى مع الجور فى بدو ولا حضر
فلما تلاشت أحوال مصر، أرسل الخليفة المستعين بالله، بعزل أحمد بن المدبر، وولّى الأمير أحمد بن طولون على مصر، تولّى سنة خمس وخمسين ومائتين.
[ 1 أ / ١٦٠ ]