من الجبابرة، والفراعنة، واليونان، والقبط، وغير ذلك، إلى مبتدأ دولة الإسلام، ومن ملكها فى الإسلام، إلى دولة الأتراك، ومن ملكها من الأتراك، إلى عامنا هذا، وهو عام إحدى وتسعمائة؛ وذلك على توالى السنين، وانتهاء كل دولة، وما وقع فيها من الحوادث من المبتدأ للمنتهى (^١)، وذلك على الترتيب، كما سيأتى ذكر ذلك فى مواضعه، إن شاء الله (^٢) تعالى، والمستعان بالله فى المبتدأ والختام، ومن هنا نشرع فى الكلام:
قال العلامة أحمد بن يوسف التيفاشى فى كتاب: «سجع الهديل فى أوصاف النيل»: إنّ شيث بن آدم، ﵇، دخل مصر، ونزل بها، هو وأولاد أخيه قابيل، وكانت مصر تدعى بايلون، فسكن شيث فوق الجبل، وسكن أولاد أخيه قابيل أسفل الوادى، وصاروا يتوارثونها إلى أيام أخنوخ، وهو إدريس، ﵇، وهو أول من تكلّم فى علم الهيئة، وعلم النجوم.
وأما ما ذكره محمد المسعودى، قال: أول من ملك أرض مصر قبل الطوفان، تبليل الألسن، وهو من أولاد قابيل بن آدم، ﵇، وكان عالما بعلم الطلسمات، والكيميات، وغير ذلك من العلوم الجليلة، واستمرّ على مصر إلى أن هلك؛ وتولّى من بعده ابنه نقراؤش الجبّار، وهو الذى بنى مدينة أمسوس، وهى أول مدينة بنيت بأرض مصر.
وكان جماعة من أولاد قابيل يسكنون فى مغائر فى الجبل المقطم، تجاه طرا، واستمرّوا على ذلك حتى بنى نقراؤش هذه المدينة، وصارت دار المملكة قبل الطوفان؛ ثم تزايدت العمائر، وبنيت المدن، حتى قيل: كان من مدينة أمسوس إلى الغرب أربعمائة مدينة محكمة البناء، يسكنها أمم من الجبابرة، وذلك قبل الطوفان.
_________________
(١) للمنتهى: للمنتهاء.
(٢) إن شاء الله: إنشاء الله.
[ 1 أ / ٦٤ ]
قال العلامة إبراهيم بن وصيف شاه، فى أخبار مدينة أمسوس، وما كانت عليه من العجائب، قيل: كان بها طائر من نحاس، على أسطوانة من رخام أخضر، يصفّر كل يوم عند طلوع الشمس مرّتين، وعند غروبها مرّتين، فيستدلّون بتصفيره على ما يكون من الحوادث فى ذلك اليوم، فيتهيّئون لها؛ وعمل صنم من حجر أسود فى وسط المدينة، وتجاهه صنم مثله، إذا دخل المدينة سارق، لا يقدر أن يزول حتى يسلك بينهما، فإذا سلك بينهما أطبقا عليه، فيؤخذ باليد.
وعمل على جوانب هذه المدينة أصناما من نحاس أصفر، وهى مجوّفة، وملأها كبريتا، ووكّل بها روحانية النار، فكانت إذا قصدهم عدوّ أرسلت تلك الأصنام من أفواهها نارا أحرقته من وقته؛ وعمل فوق جبل بطرس منارا، يفور منها الماء، ويسقى ما حولها من المزارع؛ ولم تزل هذه الآثار باقية حتى أزالها الطوفان.
وقيل نقراؤش هو الذى أصلح مجرى (^١) النيل، وكان قبل ذلك يتفرّق بين الجبلين، فوسّع طريقه، وقطع من الجبلين، وأجراه إلى بلاد النوبة، وشقّ منه نهرا عظيما، وبنى عليه المدن، وغرس فيها الأشجار، ثم سار إلى منبع النيل حتى بلغ خط الاستواء.
ونظر إلى البحر الأسود المسمّى بالزفتى، ورأى (^٢) النيل يجرى عليه كالخيط الأبيض، حتى يدخل تحت جبل القمر؛ ثم رجع إلى مدينة أمسوس، وأقام بها مائة وثمانين سنة، حتى هلك؛ فلما مات لطّخ جسده بأدوية مفردة، حتى لا يبلى، وجعل فى تابوت من ذهب، ودفن فى مدينة أمسوس؛ ولم تزل مدينة أمسوس باقية حتى محاها الطوفان.
ولما مات نقراؤش خلف من الأولاد ثلاثة، وهم: نقراش، ومصريم، وعيقام؛ فتولّى بعده ابنه نقراش، وكان عالما بعلم الكهانة، والسحر، والطلسمات، وكانت
_________________
(١) مجرى: مجرا.
(٢) ورأى: وراء.
[ 1 أ / ٦٥ ]
الشياطين تحمله بسريره على أعناقهم، وتطوف به سائر الأقاليم، حتى انتهى إلى البحر المحيط، وبنى هناك قلعة فى وسط البحر المحيط، ثم رجع إلى أمسوس، وأقام بها حتى هلك.
ثم تولّى بعده أخوه (^١) مصريم، وهو الذى بنى مدينة مصر، وإليه تنسب، وجعل هذه المدينة على عشرين ميلا، وأجرى (^٢) إليها ماء النيل، وغرس بها شجرة عظيمة، كانت تطعم سائر الفواكه، وعمل فى وسط المدينة قبّة من رخام أحمر، وعلى رأسها صنم من نحاس، ووكّل به الروحانية، فكان إذا خرج أحد من اللصوص فى الليل هلك مكانه، وجعل بهذه المدينة أشياء كثيرة من الطلسمات (^٣)، والسحر.
واستمرّ على ذلك حتى هلك، وتولّى بعده أخوه (^١) عيقام، وكان عالما بعلم الكهانة، والسحر، وإليه تعزى كتب القبط، التى (^٤) فيها تواريخهم، وما يحدث فى الدنيا إلى آخر الزمان؛ وقيل إنّ إدريس، ﵇، رفع فى أيامه إلى السماء؛ والقبط تذكر عن عيقام (^٥) هذا أشياء غريبة من السحر، لا تقبلها العقول لغرابتها.
وقيل إنّه توجّه إلى جبل القمر، وبنى (^٦) هناك قلعة من نحاس أصفر، وجعل على منبع النيل هناك خمسة وثمانين تمثالا من نحاس، يخرج من حلوقها ماء النيل، بقانون وتدبير، بما يكون فيه لأهل مصر المنفعة، دون الفساد؛ وقدّر ذلك على ستة عشر ذراعا، بما تروى به أراضى مصر كلها، أعاليها وأسافلها، ويحصل لها الرىّ الكامل فى جميع جهاتها؛ واستمرّ عيقام ساكنا بالقصر الذى بناه على سفح جبل القمر، عند البطائح التى يصبّ فيها ماء النيل من تلك التماثيل، التى (^٤) صنعها هناك، إلى أن هلك ودفن بقصره المذكور.
_________________
(١) أخوه: أخاه.
(٢) وأجرى: وأجرا.
(٣) الطلسمات: الطلمسات.
(٤) التى: الذى.
(٥) عيقام هذا: هذا عيقام.
(٦) وبنى: وبنا.
[ 1 أ / ٦٦ ]
ولما مات تولّى بعده ابنه عرياق، وكان عالما بعلم الطلسمات، قيل إنّه عمل شجرة من نحاس أصفر، ولها فروع، إذا قرب منها الظالم اختطفته بتلك الفروع، فلا تفلته حتى يقرّ بظلمه، ويخرج من ظلامة خصمه؛ وقيل إنّ هاروت وماروت كانا فى زمانه؛ وقيل إنّ عرياق هذا بنى فى وسط مدينة أمسوس قبّة عظيمة، وفوقها كالسحابة التى فى السماء، تمطر مطرا خفيفا، شتاء وصيفا، وعمل تحت تلك القبّة مطهرة، فيها ماء أخضر، يتحصّل من ذلك المطر، فإذا استعمله من به عاهة برأ من وقته.
واستمرّ عرياق على ذلك حتى تغايرن عليه نساؤه (^١)، فعمدت إحداهن إلى طعام، ووضعت فيه السمّ، وقدمته إليه، فأكل منه، فمات من وقته، فكان كما قيل فى المعنى:
كن (^٢) ما استطعت عن النساء بمعزل … إنّ النساء حبائل الشيطان
ولما مات عرياق، تولّى بعده ابنه لوجيم، وكان عالما بعلم الطلسمات، والسحر، وكانت له أعمال عجيبة، منها أنّه عمل أربع منارات فى جوانب مدينة أمسوس، وجعل على كل منارة صورة غراب، وفى فمه حيّة قد التوت عليه، فلما عاينوا الغربان ذلك، نفروا من المدينة، وكانوا قد أفسدوا الزروع والبساتين، وأكلوا الثمار، فمن حينئذ لم يدخل المدينة غراب؛ واستمرّ لوجيم على ذلك حتى هلك.
وتولّى بعده خصليم، وكان عالما بعلوم الهندسة، وهو أول من عمل مقياسا لزيادة النيل، وبناه بالرخام، وجعل فى وسطه بركة صغيرة، فيها ماء موزون بالحكمة، وعليها عقابان من نحاس، أحدهما ذكر، والآخر أنثى، فإذا كان أوان الشهر الذى يزيد فيه النيل، جمع الكهّان على تلك البركة، وتكلّموا بكلام، فإن صفّر الذكر، كان النيل عاليا فى تلك السنة، وإن صفّرت الأنثى كان النيل ناقصا، فيستعدّون لذلك؛ وهو الذى بنى (^٣) القنطرة الكبيرة ببلاد النوبة، على بحر النيل؛ واستمر
_________________
(١) نساؤه: نسايه.
(٢) كن: خذ.
(٣) بنى: بنا.
[ 1 أ / ٦٧ ]
خصليم فى ملكه إلى أن هلك.
وتولّى بعده ابنه قفال، وكان عالما بعلوم الطلسمات، والسحر، وقيل إنّه عمل سربا تحت النيل، ينتهى إلى بلاد الصعيد، برسم نسائه، ينزلون به ويمشون فيه إلى بلاد الصيد، حتى يزرن البرابى التى فى أخميم؛ وقيل إن نوحا، ﵇، بعث فى زمانه؛ واستمرّ قفال على ذلك، حتى هلك.
وتولّى بعده ابنه تدرسان، وكان عالما بعلوم الطلسمات، والسحر، وكانت له أعمال عجيبة، منها أنّه عمل قصرا من خشب، ونقش فيه صور الكواكب، وفرشه بأحسن الفرش، وحمله على الماء، وصار يجلس فيه، هو وبنات عمّه، وكان يقتصر على حبّ النسا الحسان.
فلما جلس فى ذلك القصر الخشب، أحضر سفرة الشراب، وشرب، فبينما هو فى أرغد عيش، والكأس فى يده، إذ هبّت من الجوّ ريح شديد، وهو فى وسط البحر، فاضطرب الماء، فانقلب ذلك القصر الخشب به، وتكسّر، فغرق هو، ومن كان معه فى ذلك القصر، عن آخرهم، وعاد سروره كدرا، فكان كما قيل فى المعنى:
تمتّع من الدنيا بلذّتك التى … ظفرت بها ما لم تعقك العوائق
فما أمسك الماضى عليك بعائد … ولا يومك الآتى به أنت واثق
ولما غرق تدرسان، تولّى بعده ابنه سرقاق، وكان عالما بعلوم الطلسمات، والسحر، وكانت له من الأعمال العجيبة أشياء كثيرة، فمن ذلك أنّه عمل صورة بطّة من نحاس أصفر، قائمة على اسطوانة من رخام أخضر، على باب المدينة، فإذا دخل المدينة غريب، صفّقت تلك البطّة بجناحيها، وتصفّر، بحيث (^١) يسمعها كل من فى المدينة، فيمسكون (^٢) ذلك الغريب بيده، فكان فى أيامه لا يستطيع غريب أن يدخل المدينة؛ وهو الذى شقّ من النيل نهرا يمرّ إلى بلاد الغرب، وبنى (^٣) عليه المدن، وملك أرض مصر مائة وستين سنة.
_________________
(١) بحيث: حتى بحيث.
(٢) فيمسكون: فيمسكوا.
(٣) وبنى: وبنا.
[ 1 أ / ٦٨ ]
ولما هلك، تولّى بعده ابنه شهلوق، وكان عالما بعلوم الطلسمات، والسحر، فمن ذلك أنّه عمل شجرة من نحاس أصفر، ونصبها فوق الجبل المقطّم، فكان يقسّم بها الرياح إلى البلاد التى يريد الفساد إلى أهلها، فلا يستطيعون بها الإقامة، حتى يأتوا إليه ويدخلوا تحت طاعته.
وفى أيامه ظهر معدن الفضّة فى بلاد البجّة، من أعلا بلاد الصعيد، فأثار منه أشياء كثيرة، فكان جميع أوانيه فضّة، حتى أنعال خيله؛ وهو أول من أظهر عبادة النار، وظهر فى أيامه كنوز مصريم الأول، وأقام شهلوق على ذلك حتى هلك.
ولما مات تولّى بعده ابنه سورنيد، وقيل سورند، وكان عالما بعلوم الكهانة، والسحر، وكان أغنى (^١) ملوك مصر، بما ظفر به أبوه (^٢) شهلوق من كنوز مصريم؛ قيل إنّ سورنيد هذا عمل مرآة من معادن شتى، فكان ينظر فيها ما يحدث فى الأقاليم من الحوادث، ونصبها فى وسط مدينة أمسوس.
وعمل أيضا صورة امرأة جالسة، وهى من حجر، وفى حجرها صبىّ ترضعه، فكانت الامرأة من نساء مصر، إذا أصابها علّة اللبن، وقلّ لبنها، مسحت ثديها بثدى تلك الصورة، فيدرّ لبنها؛ وإن عسرت ولادة امرأة، مسحت رأس تلك الصورة، فتضع حملها سريعا؛ وإذا وضعت الزانية يدها على تلك الصورة، ارتعدت جميعها، فلا تقدر على الرجوع حتى تتوب من ذنبها؛ ولم تزل هذه الصورة باقية فى مدينة أمسوس، حتى أزالها الطوفان، وقيل إنّ هذه الصورة ظهرت بعد الطوفان، وعبدها أكثر الناس.
قال ابن وصيف شاه: إنّ سورنيد هذا هو الذى بنى (^٣) الهرمين العظيمين بمصر، قبل الطوفان بثلثماية سنة، وكانت الكهنة تنذر الناس بأمر الطوفان، فبنى (^٤) سورنيد هذه الأهرام، وأودع فيها أمواله وتحفه، وكتبه النفيسة فى العلوم الجليلة، وقال:
_________________
(١) أغنى: أغنا.
(٢) أبوه: أباه.
(٣) بنى: بنا.
(٤) فبنى: فبنا.
[ 1 أ / ٦٩ ]
إن مضى الطوفان ونحن فى الدنيا، فترجع إلينا أموالنا وذخائرنا، وإن نحن متنا فى هذا الطوفان، فتكون هذه الأهرام قبورا لأجسادنا؛ وقد أوسعت (^١) فى أخبار الأهرام فى أول التاريخ، عند قصّة نوح، ﵇.
قال ابن عبد الحكم: لم أجد عند أحد من أهل المعرفة، عن الأهرام، خبرا يثبت عن بانيها (^٢)، وفى أى وقت بنيت، وما السبب فى ذلك؛ وقد قال القائل فى المعنى:
حسرت عقول أولى النهى … واستصغرت لعظيمها الأهرام
ملس ممنّعة البناء شواهق … قصرت لعال دونهن سهام
لم أدر حين كبا التفكّر دونها … واستوجبت لعجيبها الأوهام
أقبور أملاك الأعاجم هنّ أم … طلسم رمل كنّ أم أعلام
وقد بنيت هذه الأهرام فى طالع سعيد، ووكّلوا بها روحانية، تحفظ ما فيها من الأموال إلى آخر الزمان، وأخبار الأهرام لا تحصى؛ قال ابن عبد الحكم: وجد على الأهرام مكتوبا بالخطّ القديم، وهو قلم الطير، فكان معناه: أنا سورنيد ابن شهلوق، بنيت هذه الأهرام فى ستين سنة، فمن أتى بعدى، وزعم أنّه مثلى، فليهدمها فى ستمائة سنة، فإنّ الهدم أيسر من البناء، وإنى لما انتهى العمل منها جعلت (^٣) لها عيدا، وكسوتها بالديباج الملوّن، فمن أتى بعدى، وزعم أنّه مثلى، فليكسها (^٤) بالحصر إن استطاع لذلك سبيلا.
قال ابن عبد الحكم: لما دخل الأمير أحمد بن طولون إلى مصر، أراد أن يفتح أحد (^٥) الهرمين، فحفر حولها على أن يجد شيئا من أبوابها، فبينما هو يغوص فى الرمال، فوجد قطعة كبيرة من مرجان أحمر، وعليها سطور مكتوبة بقلم الطير، فأحضر من له خبرة بهذا القلم، فقرأ ذلك الخطّ، فإذا معناه أبيات شعر، وهى:
_________________
(١) وقد أوسعت: ابن إياس يعنى نفسه.
(٢) بانيها: بانيهما.
(٣) جعلت: جعلة.
(٤) فليكسها: فليكسوها.
(٥) أحد: إحدى.
[ 1 أ / ٧٠ ]
أنا بانى الأهرام فى مصر كلها … ومالكها قدما بها والمقدم
تركت بها آثار علمى وحكمتى … على الدهر لا تبلى ولا تتثلم
وفيها كنوز جمّة وعجائب … وللدهر لين مرّة وتهجم
وفيها علومى كلها غير أننى … أرى قبل هذا أن أموت فتعلم
ستفتح أقفالى وتبدو عجائبى … وفى ليلة فى آخر الدهر تنجم
ثمان وتسع واثنتان وأربع … وسبعون بعد المائتين تسلم
ومن بعد هذا جرّ تسعين برهة … وتلقى البرابى سحرها وتهدم
ترون فعالى فى صخور صنعتها … ستبقى وأفنى ثم تبلى وتعدم
فجمع ابن طولون الحكماء، وأمرهم بأن يحسبوا هذه المدّة، فلم يقدروا على ذلك؛ ووجدوا تاريخ هذه الكتابة قبل أن تبنى (^١) مصر بأربعة آلاف سنة، فلم يحصوا ذلك، فترك فتح الأهرام، ولم يظفر منه بغير تلك القطعة المرجان، انتهى؛ وقال بعض الشعراء:
ألست ترى (^٢) الأهرام دام بناؤها … ويفنى لدينا العالم الإنس والجن
كأن رحى (^٣) الأفلاك أكوارها على … قواعدها الأهرام والعالم الطحن
وقال آخر:
لله أى غريبة وعجيبة … فى صنعة الأهرام للألباب
تحكى الخيام مقامة فى نصبها … من غير أعمدة ولا أطناب
وقال السراج الورّاق:
هل شائد الهرمين ثبّت سفحها … خوف اهتزاز الأرض من خيلاء
أم خالها حسناء تجلى فابتنى … نهدين فوق ترائب الحسناء
وقال الشهاب المنصورى:
إن جزت بالهرمين قل كم فيهما … من عبرة للعاقل المتأمّل
_________________
(١) تبنى: تبنا.
(٢) ترى: ترا.
(٣) رحى: رحا.
[ 1 أ / ٧١ ]
يفنى الزمان وفى حشاه منهما … غيظ الحسود وضجرة المستثقل
وقوله أيضا:
واعجبا والعجاب من هرم … فى أرض مصر من حكمة القدما
قد أهرم الأرض ثقل وطأته … فهى إلى الله تشتكى الهرما
وقال آخر:
تحقّق إنّ صدر الأرض مصر … ونهداها من الهرمين شاهد
فواعجباه كم أفنت قرونا … على هرم وذاك الثدى ناهد
واستمرّ سورنيد فى ملكه حتى هلك، بعد أن عاش نحو مائتى سنة؛ ثم تولّى بعده ابنه هو جيب، وكان عالما بعلوم الكهانة، والسحر، وقيل هو الذى بنى أهرام دهشور، وحمل إليها أمواله وذخائره.
ومن أعماله العجيبة، أنّه عمل درهما من نحاس وعليه كتابة، ومن شأن هذا الدرهم، إذا ابتاع به صاحبه شيئا، اشترط على البائع أن يزن له ما يبتاعه منه من البضائع، بوزن هذا الدرهم، ولا يزد عليه شيئا، فيغرّ البائع ذلك، ويقبل منه الشرط، فإذا وقع به الوزن، يدخل قبالة هذا الدرهم جميع ما عند البائع من الأصناف، ولا تعد له فى الوزن.
وكان من شأن هذا الدرهم، إذا أراد صاحبه يبتاع به حاجة يقبّله، ويقول له:
«اذكر العهد القديم»، ثم يبتاع به ما أراد، فإذا مضى صاحبه إلى داره، يجد ذلك الدرهم قد سبقه إلى ميزانه، ويجد البائع به مكان الدرهم، ورقة من آس، أو ورقة بيضاء من قرطاس؛ فكان الناس يتعجّبون (^١) من شأن هذا الدرهم، وقد وجد فى بعض الكنوز، وحمل إلى خزائن بنى أميّة، وأقام مدّة طويلة، ثم فقد من بعد ذلك بالكلّية.
واستمرّ هو جيب فى ملكه حتى هلك، وتولّى بعده منقاوس، ابنه، وكان جبّارا عنيدا، سفّا كاللدماء، وكان مولعا بحبّ النساء، إذا سمع بامرأة جميلة، أخذها من زوجها غصبا.
_________________
(١) يتعجبون: يتعجبوا.
[ 1 أ / ٧٢ ]
وكان يسمع بوصف الجنّة، فقال: «أنا أبنى لى فى الدنيا جنّة مثلها»؛ فبنى له قصرا على شاطئ النيل، وتناهى (^١) فى زخرفه، وأجرى فيه الأنهار من النيل، وفرشه بالفرش الفاخرة، وكان يجلس فيه وحوله النساء الحسان، فبينما هو جالس فى بعض الأيام، والكأس فى يده، فشرق به، ومات من وقته، ودفن فى ذلك القصر الذى بناه.
وتولّى من بعده ابنه أفرؤس، فكان حسن السيرة، عادلا فى الرعية، ولما تولّى بعد أبيه ردّ النساء التى أخذت فى أيام أبيه إلى أزواجهن، وكذلك البنات التى أخذت من سائر البلاد.
ومن أعماله العجيبة، أنّه عمل قبّة على شاطئ النيل، من نحاس أصفر، وجعل حولها أطيارا من ذهب وفضّة، إذا دخل فيها الريح فتصفّر بأصوات مطربة فى لغات شتى.
وكان عنده مدهن من ياقوت أحمر، قطره خمسة أشبار، فكان يشرب فيه الخمر؛ وقد وجد هذا المدهن بعد الطوفان فى بعض البرابى، وصار يتوارثونه الملوك، حتى خفى أمره.
واستمرّ أفروس فى ملكه حتى هلك؛ وتولّى بعده ابنه أفالينوس، فلما ولى بعد أبيه، أظهر العدل فى الرعيّة.
ومن أعماله العجيبة، أنّه عمل منارة، وعلى رأسها قبّة من نحاس أصفر، وطلاها بأدوية مفردة، فكانت إذا دخل الليل، أضاءت تلك القبّة على أهل المدينة، حتى تصير مثل النهار، يمشون الناس فى ضوئها إلى حوائجهم لا يحتاجون إلى السرج، فإذا طلع النهار، وأشرقت الشمس، خمد ضوءها، فلا يفسدها كثرة (^٢) الأمطار، ولا اختلاف الرياح؛ وعاش أفالينوس مدّة طويلة، وتزوّج ثلثماية امرأة، ولم يولد له ولد.
فلما هلك، لم يكن له ولد، فتولّى بعده ابن عمّه فرعان، فكان جبّارا عنيدا،
_________________
(١) وتناهى: وتناها.
(٢) كثرة: كثرت.
[ 1 أ / ٧٣ ]
مغرما بحبّ النساء، وكان شجاعا بطلا، يحبّ الحرب، ويقمع الجبابرة.
وفى أيامه وقع الطوفان العميم بالدنيا، وكانت الكهنة تخبر بذلك من أيام سورنيد، حتى إنّه بنى (^١) الأهرام، وقد تقدّم ذكر ذلك عند قصّة نوح، ﵇.
قيل لما أقبل الطوفان، ونبع الماء، كان فرعان سكرانا لا يعى، فقام ليهرب فى الأسراب من الماء، فتخلخلت به الأرض، ونبع الماء من تحت قوائم فرسه، فسقط فى الماء، وغرق؛ وهلك من دخل فى الأسراب بالغم، وقد طغى الماء وعمّ الدنيا، مشرقا ومغربا، وهلك كل من على وجه الأرض، من آدمى ووحش وطير، ولم ينج (^٢) من هذا الأمر إلا من دخل السفينة، وقد تقدّم ذكر ذلك.
فهذه أخبار من ملك أرض مصر قبل الطوفان، ومن هنا نشرع فيمن ملكها بعد الطوفان، وهم أمم غير هؤلاء الذين تقدّم ذكرهم.
قال ابن عبّاس، ﵄: إنّ نوحا لما خرج من السفينة، كان معه أربعة أولاد، وهم: سام، وحام، ويافث، وأرفخشذ؛ وقيل كان له ولد آخر يسمّى يحطون، فلما خرج من السفينة، قسّم الأرض بين أولاده، وأولاد أولاده، فأعطى بيصر ابن ولده حام، أرض مصر.
قال ابن عبد الحكم: إنّ بيصر بن حام بن نوح هو الذى بنى (^١) مدينة منف بعد الطوفان، وهى أول مدينة بنيت، بعد مدينة أمسوس، بأرض مصر، وصارت منف دار المملكة بعد أمسوس. وكان بيصر بن حام له ثلاثون ولدا، فبذلك سمّيت مدينة منف «مافة»، وهى بلسان القبط ثلاثون.
فسكن بيصر بن حام بمنف، هو وأولاده، وأنشأ بها العجائب، وكانت فى غربى النيل، على مسافة اثنى عشر ميلا، فى مثلها؛ وكان لها من الأبواب سبعين بابا، مصفّحة بالنحاس الأصفر؛ وكان بها سبعة بيوت من رخام أخضر، باسم الكواكب السبعة، وقد بقى من هذه البيوت بيت (^٣)، كان بمنف إلى سنة خمسين وسبعمائة،
_________________
(١) بنى: بنا.
(٢) ولم ينج: ولم ينجوا.
(٣) بيت: بيتا.
[ 1 أ / ٧٤ ]
فنقله الأتابكى شيخو العمرى، وجعله على باب خانقته التى فى الصليبة.
وهو باق إلى الآن.
وكان بمنف أنهار تجرى من أعلا سورها، محكمة من ماء النيل فى درج، كلما وصل الماء إلى درجة امتلأت الأخرى، حتى يصعد الماء إلى أعلا السور، ويدخل بيوت المدينة عن آخرهم، ثم يخرج من مواضع، ويسقى البساتين والقرى، ثم يرجع إلى البحر.
وقد سكنها من بعد ذلك فرعون موسى، ﵇، وهو القائل: «أليس لى ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتى أفلا تبصرون».
ولم تزل منف محكمة البناء، كثيرة الآثار والكنوز والعجائب، على ما ذكرناه، حتى قدم بخت نصر إلى مصر، وأخربها عن آخرها، كما سيأتى ذكر ذلك فى موضعه.
واستمرّ بيصر بن حام بمنف حتى كبر سنّه، وقيل إنّه عاش سبعمائة سنة، وبيصر هذا هو أبو القبط، وإليه تنتسب؛ وكان له خمسة من الأولاد، وهم: مصريم، وقفط، وأشمون، وأتريب، وصا؛ فلما مات بيصر بن حام اقتسمت أولاده أرض مصر، وعمر كل واحد منهم مدينة، فسمّيت به.
ولما مات بيصر بن حام، فاستخلف ابنه مصريم، وكان أكبر أولاده، وهو الذى بنى مدينة مصر، وبه سمّيت، وهو مصريم الثانى، فبنى مصر، واختطّ سورها، وأظهر بها العجائب والحكم.
وأقام بها إلى أن هلك، فاستخلف أخاه قفط، وإليه تنتسب مدينة قفط؛ وقيل هو الذى بنى أهرام دهشور؛ وقيل إنّ هودا، ﵇، بعث فى أيامه؛ وهو أول من اتّخذ النيروز بمصر فى أيامه.
وقيل إنّ قفط هذا عاش أربعمائة سنة، ثم هلك، فاستخلف أخاه أشمون، وإليه تنتسب مدينة أشمون؛ وهو الذى شقّ بمصر الأنهار، وغرس بها الأشجار، وعقد بها القناطر، وصنع بها الجسور.
واستمرّ أشمون على ذلك حتى هلك، فاستخلف أخاه أتريب؛ وهو الذى
[ 1 أ / ٧٥ ]
بنى (^١) مدينة أتريب، وإليه تنتسب؛ وهو أول من اتّخذ الكيل والميزان، واستخرج المعادن من الأرض، وسار فى الناس سيرة حسنة.
واستمرّ على ذلك حتى هلك، فاستخلف أخاه صا، وهو الذى بنى (^١) مدينة صا، وإليه تنتسب، وهى مدينة كانت على شاطئ بحر النيل، وآثارها باقية (^٢) إلى الآن؛ قيل كان بها اسطوانة من رخام أبيض، وعليها مرآة من معادن شتّى، فكان ينظر فيها ما يحدث من الحوادث فى سائر الأقاليم السبعة، من خير أو شرّ.
واستمرّ صافى ملكه حتى هلك، فاستخلف ابنه تدراس، وكان عالما بعلوم السحر، والكهانة، وقيل إنّ صالحا، ﵇، بعث فى أيامه إلى قوم ثمود.
وهو أول من جبى (^٣) خراج مصر، وقد بلغ الخراج فى أيامه ألف ألف وخمسين ألف ألف دينار.
وهو أول من أظهر الصيد، واتّخذ الكلاب السلوقية، والجوارح، وكان مولعا بالصيد، وعمل شجرة من حديد ذات أغصان، فكانت تجلب كل صنف من أصناف الطير والوحش إليها، حتى تصاد باليد، فشبع الناس فى أيامه من لحوم الطير والوحش؛ وكان إذا غضب على أهل قرية، سلّط عليهم السباع يقتلونهم (^٤) فى بيوتهم.
واستمرّ تدراس فى ملكه حتى هلك، ثم تولّى بعده ابنه ماليق، وكان عالما بعلوم السحر، والكهانة، وهو الذى غزا مدائن البربر، وأسر أهلها، وكان بالبربر مدينة عظيمة، يقال لها قرميدة، وكان بها امرأة ساحرة، فلما حاصرهم ماليق، أظهرت لهم أشياء من سحرها، فطمست عن العسكر مكان المياه، فلم يعرفوها (^٥)، فهلكوا بالعطش، حتى مات منهم نحو الثلث، فلما عاين ماليق ذلك، ترك حصار تلك المدينة ومضى.
_________________
(١) بنى: بنا.
(٢) باقية: باقى.
(٣) جبى: جبا.
(٤) يقتلونهم: يقتلوهم.
(٥) فلم يعرفوها: فلم يعرفونها.
[ 1 أ / ٧٦ ]
قيل لما غزا ماليق بلاد البربر، رأى بها مدينة، وبها جماعة من أهلها، وجوههم كوجوه الإنسان، وأرجلهم مثل حوافر البقر، وعلى أبدانهم شعر كشعر المعز، ولهم أنياب بارزة، كأنياب السباع، فلما حاصرهم لم يقدر عليهم، وأظهروا أشياء عظيمة من سحرهم، فتركهم ومضى.
فلما رجع إلى مصر، حاق سحر أهل قرميدة بمصر، فكثر بها الثعابين والعقارب والضفادع، وفاض النيل فى غير أوانه، حتى غرّق القرى، ودخل الدور، فلما عاين ماليق ذلك، لبس المسوح، وافترش الرماد، وسجد عليه، ودعا إلى الله تعالى بكشف هذه النازلة، حتى أنّها انكشفت عن أهل مصر.
واستمرّ ماليق فى ملكه حتى هلك، ثم تولّى بعده ابنه خرثناه، وكان عالما بعلوم السحر، والكهانة؛ وكان يجلس فى السحاب، ويقيم به ستة أشهر، ثم ظهر من بعد ذلك عند طلوع الشمس، وهى فى برج الحمل، وأشار إلى قومه بأنّه ما بقى يرجع إليهم، وأن يولّوا غيره.
فلما أيسوا منه ولّوا ابنه عديم، وكان من الجبابرة؛ وهو أول من صلب أصحاب الجرائم؛ وكانت له أعمال عجيبة، منها: أنّه عمل قدحا من زجاج أخضر، إذا صبّ فيه ماء، أو غيره، وشرب منه جميع من فى المدينة، لا ينقص منه شئ، ولو أقام دهرا طويلا.
واستمرّ عديم فى ملكه حتى هلك، ثم تولّى بعده منقاش، وكان عالما بعلوم السحر، والكهانة؛ وهو الذى توجّه إلى بلاد (^١) المغرب، وانتهى إلى الجبل الأسود الذى ليس له مصعد، فنقب فيه مغائر، ونقل أمواله وتحفه فيها، حتى قيل إنّه نقل من مصر إلى هذه المنائر، اثنتى عشرة ألف عجلة، موسوقة من الجواهر، وستمائة ألف عجلة، موسوقة من الذهب والفضّة؛ ولما هلك دفن فى ذلك الجبل، عند أمواله.
ثم تولّى بعده ابنه قرسون؛ وكان عالما بعلوم الكهانة، والسحر، فمنها أنّه عمل منارة على بحر القلزم، ووضع فوقها مرآة من معادن شتّى، فكان من شأن هذه
_________________
(١) بلاد: البلاد.
[ 1 أ / ٧٧ ]
المرآة أنّها تجلب المراكب إلى البرّ، فلا تبرح عند البرّ حتى يؤخذ منها العشر من أصناف البضائع.
واستمرّ قرسون فى ملكه حتى هلك، ولم يكن له ولد ذكر، وكانت له بنت (^١) تسمّى نونية الكاهنة، فتولّت بعده، وهى أول امرأة ملكت أرض مصر، فلما ملكت مصر، أظهرت من سحرها العجائب.
ثم هلكت، وتولّى بعدها ابنة عمّها زلقا ابنة مأموم بن ماليا، فعمرت فى مصر دهرا طويلا.
ثم وثب عليها مرقونس، ونزعها من الملك، وتولّى عوضها؛ وكان عالما بعلوم السحر، والكهانة، فمنها أنّه عمل شربة من زجاج أخضر، إذا ملئت بالماء يصير خمرا، وقد وجدت هذه الشربة فى بعض الكنوز بمدينة أطفيح.
واستمرّ مرقونس فى ملكه حتى هلك، فأتى إلى مصر العمالقة، وغزوا أهلها وملكوها، فحاربهم الوليد بن رومع، وكان شجاعا بطلا، فقاتل العماليق أشدّ القتال، حتى كسرهم، ورحلوا عن مصر.
فلما رأوا أهل مصر شجاعة الوليد، فملكوه عليهم، فأقام على مصر نحو مائة سنة؛ ثم إنّه طغى وتجبّر، وأظهر الفاحشة، فسلّط الله عليه سبعا فافترسه، وأكل لحمه؛ قيل كان له خلقة عظيمة، وقد وجد بعد موته ضرس (^٢) من أضراسه، فكان وزنه ثمانية عشر منّا، وعلى هذا فقس بقية (^٣) جسده.
_________________
(١) بنت: بنتا.
(٢) ضرس: ضرسا.
(٣) بقية: بقيت.
[ 1 أ / ٧٨ ]