بهذه الطبعة الأولى، للقسم الأول، من الجزء الأول، من كتاب «بدائع الزهور فى وقائع الدهور»، تأليف أبى البركات الناصرى محمد بن أحمد بن إياس الحنفى، أكون قد انتهيت من تحقيق ونشر جميع أجزاء هذا الكتاب، الذى يتألف من خمسة أجزاء، تم نشرها فى ستة مجلدات، وذلك بعد تقسيم الجزء الأول إلى قسمين، وقد ذكرت الأسباب التى دعت إلى هذا التقسيم، فى المقدمة التى كتبتها للقسم الثانى من الجزء الأول.
ويتضمن هذا القسم الأول أخبار مصر، وما ورد عنها فى القرآن الكريم، وفى الأحاديث النبوية الشريفة، وأقوال العلماء والشعراء فى أخبارها، والتقسيم الجغرافى للبلاد، وغير ذلك من أخبار وقصص متنوعة؛ ثم يبدأ ابن إياس بعد ذلك فى ذكر أخبار الدول والأسرات التى حكمت مصر، من فراعنة وأقباط، والولاة من قبل الخلفاء الراشدين والأمويين، ثم العبّاسيين، والدولة الطولونية، والإخشيدية، والفاطمية، والأيوبية، ودولة المماليك الأولى، إلى أن ينتهى عند نهاية حكم السلطان المنصور محمد بن المظفر حاجى بن الناصر محمد بن قلاون، الذى خلع من السلطنة فى يوم الاثنين ١٤ من شعبان سنة ٧٦٤ (٢٩ من مايو سنة ١٣٦٣).
والمتن فى هذا القسم الأول، نقلته عن مخطوط فاتح رقم ٤١٩٧، بأكمله، وعن الثمانى والأربعين ورقة الأولى، من مخطوط فاتح رقم ٤٢٠٠؛ والمخطوطان كتبهما المؤلف ابن إياس بخطه، كما يذكر ذلك فى صفحة العنوان لكل مخطوط، وأيضا فى خاتمة كل منهما.
[ مقدمة 1 أ / ٧ ]
وفى صفحة العنوان للمخطوط الأول (فاتح رقم ٤١٩٧)، يكتب ابن إياس:
«الجزؤ الرابع من بدائع الزهور فى وقائع الدهور، تأليف كاتبه العبد الفقير إلى الله تعالى محمد بن أحمد بن إياس الحنفى، عامله الله بلطفه الخفى، والمسلمين أجمعين، آمين»؛ كما يكتب فى خاتمة هذا المخطوط: «يتلوه الجزؤ الخامس» (انظر فيما يلى ص ٤٨٩)، وهو ما يكتبه فى صفحة العنوان للمخطوط الثانى (فاتح رقم ٤٢٠٠)، فيقول:
«الجزؤ الخامس من بدائع الزهور فى وقائع الدهور».
والواقع أننا لم نعثر حتى الآن على أىّ من الأجزاء الثلاثة الأولى، من تقسيم ابن إياس لكتابه، ويبدو أنه لم يكتبها على الإطلاق، فإننا لا نستطيع أن نتصور المادة التى كان يفكر فى كتابتها، ليملأ بها صفحات كل هذه الأجزاء الثلاثة؛ وقد ناقشت موضوع هذا التقسيم فى المقدمة التى كتبتها لكتاب «صفحات لم تنشر من بدائع الزهور فى وقائع الدهور»، ص ٢٤ وما بعدها (القاهرة ١٩٥١).
***
ومهما يكن من أمر، فإننا نلاحظ أنّ المؤرّخ ابن إياس كان يحافظ على صحة ما يكتب، ويتوخى الأمانة العلمية فيما ينقله من أخبار وأحداث، عن المؤرّخين الذين سبقوه، كل هذا فى اختصار، وعزوف عن الإطالة والإطناب، ولكن بما يدل على دقة ملاحظته، وشدة استقصائه للحقائق، وتعليقه على الوقائع، مع مقارنتها بما يحدث فى عصره، أو متابعته لما تم فى أمرها فى العصور التالية، فقد كانت له شخصيته الحرة، وما هو معروف به من الروية والتبصر والاتزان فى أحكامه ونقده، مما يزيد من أهمية هذا القسم الأول، وإن كان غير معاصر لمؤلفه.
وعلى سبيل المثال فإنه يقول (ص ٣٤١) تعليقا على ما ذكره من أخبار الملك الظاهر بيبرس: «قلت: وأخبار الملك الظاهر بيبرس كثيرة، فى عدة مجلدات، والغالب فيها موضوع، ليس له حقيقة، والذى أوردناه هنا هى الأخبار الصحيحة، التى ذكرها العلماء من المؤرّخين».
[ مقدمة 1 أ / ٨ ]
ومثال آخر لما يدل على متابعة ابن إياس للأخبار، وتعليقه عليها، وإضافاته إلى ما كتبه المؤرّخون الذين نقل عنهم، أنه يذكر (ص ٤٦٧) أنّ أحد الأعاجم كتب للأتابكى بكتمر ربعة بالذهب، بقيت فى خانقاته، يذهب إليها الناس للتفرج عليها، حتى نقلها السلطان قانصوه الغورى فى سنة ٩٠٩ إلى مدرسته التى بالشرابشيين.
ولعل ابن إياس قد استهواه جمال ربعة الأتابكى بكتمر، فتابع أخبارها؛ والحق يقال إنّ ابن إياس كان يحب التحف الجميلة والمصاحف المنمقة وللزخرفة بالذهب، فيذكر (ص ٤١٨) أنّ الخطاط شرف الدين بن الوحيد كتب فى سنة ٧٠٥ للأتابكى بيبرس الجاشنكير، ختمة فى سبعة أجزاء، فى ورق قطع البغدادى، بقلم الشعر، وأنّ الأتابكى بيبرس قد أنفق على هذه الختمة ألفا وسبعمائة دينار، حتى كتبت بالذهب، ووضعها فى خانقاته، وكانت من محاسن الزمان.
كما يذكر (ص ٤٥٥) أنه فى سنة ٧٢٣، كتب أحد الأعاجم للسلطان الناصر محمد بن قلاون ربعة محلاة بالذهب، كان مصروفها ألف دينار، وضعها السلطان فى خانقاته.
***
وفى هذا القسم الأول، يذكر ابن إياس أسماء الكثيرين من المؤرّخين الذين نقل عنهم، فيقول فى المقدمة التى كتبها للجزء الرابع (فيما يلى ص ٣): «وقد طالعت على هذا التاريخ كتبا شتى، نحو سبعة وثلاثين تاريخا، حتى استقام لى ما أريد».
وفيما يلى هنا سوف تقرأ أسماء هؤلاء المؤرّخين، الذين نقل عنهم ابن إياس، وأسماء ما كتبوه من مؤلفات.
وكان نظم الشعر فى عصر ابن إياس، من مستلزمات الأدباء والمتأدبين، دليلا على مبلغ ثقافتهم وتأدبهم؛ وكان ابن إياس نفسه ينظم الشعر، وكان يورد أبيات الشعر من نظمه فى كثير من المناسبات.
[ مقدمة 1 أ / ٩ ]
كما أننا سوف نجد هنا فيما يلى أسماء عدد كبير من فحول الشعراء، يذكر أسماءهم، عند ما ينقل شيئا من نظمهم، أو فى مناسبات أخرى.
***
وإنه ليسرنى، أن أكرر أخلص الشكر للسيد الأستاذ الدكتور ألبرت ديتريش، الذى يصدر سلسلة «النشرات الإسلامية» لجمعية المستشرقين الألمانية، وللقائمين على شئون هذه الجمعية، لاهتمامهم ينشر كتاب «بدائع الزهور فى وقائع الدهور» لابن إياس، وضمّه ضمن ما تنشره الجمعية فى هذه السلسلة من كتب ودراسات عربية وإسلامية.
ويسعدنى، بمناسبة الانتهاء من نشر جميع أجزاء هذا الكتاب، أن أقدم عظيم التقدير للسيد الدكتور بيتر باخمان، مدير المعهد الألمانى للأبحاث الشرقية فى بيروت، لتعاونه الصادق معى فى تيسير نشر وإخراج القسمين الأخيرين من هذا الكتاب؛ كما يسرنى أن أنوّه، شاكرا، بالجهود المخلصة التى بذلها اثنان من أعضاء المعهد الألمانى للأبحاث الشرقية فى بيروت، وهما: السيد الدكتور جريجور شيلر، والسيدة الدكتورة روتراود فيلاندت، وذلك فى الإشراف على إخراج وطباعة المتن الألمانى لهذين القسمين من الكتاب.
محمد مصطفى
القاهرة فى ١٨ من شعبان ١٣٩٥
٢٥ من أغطس ١٩٧٥
[ مقدمة 1 أ / ١٠ ]