فمن ذلك ما أخرجه الإمام مسلم، فى صحيحه، عن أبى ذر، قال:
قال رسول الله، ﷺ: «ستفتحون مصر، وهى أرض يسمّى فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرا، فإنّ لهم ذمّة ورحما، فإذا رأيتم رجلين يقتتلان على لبنة، فاخرج منها»؛ قال: فمرّ أبو ذرّ بربيعة وعبد الرحمن ابنى شرحبيل بن حسن، يتنازعان فى موضع لبنة، فخرج منها.
وأخرج عبد الله بن عبد الحكم، من طريق ابن ذاخر المعافرى، عن عمرو بن العاص (^١)، عن عمر بن الخطاب، ﵁، أنّ رسول الله، ﷺ، قال: «إنّ الله سيفتح عليكم بعدى مصر، فاستوصوا بقبطها خيرا، فإنّ لكم منهم صهرا وذمّة»، وفى رواية: «فإنّ لهم نسبا وصهرا».
قال مروان القصاص: صاهر القبط من الأنبياء ثلاثة، وهم: إبراهيم، ﵇، تسرّر بهاجر، أمّ ولده إسمعيل، وكانت من قرية أمام مدينة الفرما، من قرى مصر؛ ويوسف، ﵇، تزوّح ببنت صاحب عين شمس، وهى من قرى مصر.
_________________
(١) العاص: العاصى، وصححت هكذا فيما يلى من المتن.
[ 1 أ / ٦ ]
ورسول الله، ﷺ، تسرى بمارية، أمّ ولده إبراهيم، وكانت من قرية أنصنا، من قرى الصعيد، وكان اسمها مارية بنت شمعون، وكانت جميلة الصورة، شديدة بياض اللون، فأحبّها رسول الله، ﷺ، حبّا شديدا؛ ولما دخل عليها حملت منه بإبراهيم، وعاش ثمانية عشر شهرا، ولما مات قال رسول الله، ﷺ: «لو بقى إبراهيم ما تركت قبطيّا إلا وضعت عنه الجزية»، أخرج هذا الحديث عبد الله بن عبد الحكم، عن راشد بن سعد، وقال: هذا حديث حسن غريب.
وأخرج ابن عبد الحكم، عن عمر بن الخطاب، ﵁، قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: «إذا فتح الله عليكم مصر، فاتّخذوا فيها جندا كثيفا، فذلك الجند خير أجناد الأرض»، فقال أبو بكر: «ولم يا رسول الله»؟ قال: «لأنهم وأزواجهم فى رباط إلى يوم القيامة»؛ أورد هذا الحديث ابن زولاق فى فضائل مصر بلفظ: «لأنهم وأزواجهم فى رباط إلى يوم القيامة».
وعن حيوة بن شريح، عن عقبة بن مسلم، يرفعه: إنّ الله تعالى يقول يوم القيامة لساكنى مصر، يعدّد عليهم: «ألم أسكنكم مصر، أفكنتم تشبعون من خيرها، وتروون من مائها»؟ وهذا من باب تعداد النعم، لا من باب التقريع ولا التوبيخ لهم.
وعن عبد الله بن عمر، ﵁، قال: «قسّمت البركة عشرة أجزاء، ففى مصر تسع، وفى الأرض كلها واحد، ولا تزال فى مصر بركة أضعاف ما فى جميع الأرضين».
وعن أبى موسى الأشعرى، قال: «أهل مصر، الجند الضعيف، ما كادهم أحد إلا كفاهم الله موتته»؛ قال محمد بن ربيع بن عامر الكلاعى: «فأخبرت بذلك معاذ ابن جبل، فأخبرنى أنّ بذلك أخبره رسول الله، ﷺ».
وروى فى بعض الأخبار، أنّ يوسف، ﵇، لما دخل مصر وأقام بها، قال: «اللهم إنّى غريب فحبّبها إلىّ وإلى كل غريب»؛ فمضت دعوة يوسف، فليس
[ 1 أ / ٧ ]
يدخل مصر غريب إلا أحبّ المقام بها؛ قال بعض الحكماء: «الشرب من ماء النيل، ينسى الغريب وطنه».
وروى عن دانيال، ﵇، أنّه قال لبنى إسرائيل: «اعملوا فإنّ الله تعالى يجازيكم فى الآخرة بمثل مصر»، أراد الجنّة.
وقال القرطبى فى التذكرة، من حديث حذيفة اليمانى، مرفوعا: «يبدو الخراب فى أطراف الأرض حتى تخرب، ومصر آمنة من الخراب حتى تخرب البصرة، وخراب مصر من جفاف النيل، وخراب البصرة من العراق، وخراب العراق من القحط، وخراب مكّة من الحبشة، وخراب المدينة من الجوع، وخراب اليمن من الجراد، وخراب الأيلة من الحصار، وخراب فارس من الصعاليك، وخراب الترك من الديلم، وخراب الديلم من الأرمن، وخراب الأرمن من الخزر، وخراب الخزر من الترك، وخراب الترك من الصواعق، وخراب السند من الهند، وخراب الهند من الصين، وخراب الصين من الرمل، وخراب الحبشة من الرجفة».
وقال ابن عبد الحكم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ﵁، قال:
«خلقت الدنيا على خمس صور من أعضاء الطير، الرأس والصدر والجناحين والذنب، فالرأس مكّة والمدينة واليمن، والصدر مصر والشام، والجناح الأيمن العراق، والجناح الأيسر السند والهند، والذنب ذات الحمام إلى مغرب الشمس، وشرّ ما فى الطير الذنب».
قال كعب الأحبار، ﵁: «لما خلق الله تعالى الأشياء، قال العقل:
أنا لا حق بالشام، فقالت الفتنة: وأنا معك، وقال الخصب: أنا لا حق بمصر، فقال الذلّ: وأنا معك، وقال الشقاء: أنا لا حق بالبادية، فقالت الصحّة: وأنا معك، وقال الكبر: أنا لا حق بالعراق، فقال النفاق: وأنا معك».
قال الجاحظ: «خصّت القناعة بالبصرة، والفصاحة بالكوفة، والتخبيش ببغداد، والغىّ بالرىّ، والجفاء بنيسابور، والحسن بهراة، والطرمدة بسمرقند، والمروءة ببلخ، والتجارة بمصر، والبخل بمرو».
[ 1 أ / ٨ ]
قال كعب الأحبار: «لولا رغبتى فى بيت المقدس ما سكنت إلا مصر»، فقيل له: «ولم ذلك»؟ قال: «لأنّها بلد معافاة من الفتن، ومن أرادها بسوء أكبّه الله على وجهه، وهو بلد مبارك لأهله فيه».
قال أبو بصرة الغفارى: «مصر خزائن الأرض كلها، ولو زرعت كلها لوفيت بخراج الدنيا بأسرها، ولو ضرب بينها وبين سائر بلاد الدنيا بسور، لاستغنى (^١) أهلها بما فيها من الغلال وغير ذلك، عن سائر البلاد جميعها».
انتهى ما أوردناه من الآيات الشريفة، والأحاديث النبوية، فى أخبار مصر، ومعولى فى صحّة هذه الأحاديث والأخبار، بما أورده الشيخ جلال الدين الأسيوطى فى كتابه المسمّى بحسن المحاضرة فى أخبار مصر والقاهرة.