في يوم الجمعة غرة الشهر جاء السيد الشريف صاحب مكة جمال الدين محمد ابن بركات بن حسن بن عجلان إلى مكة من وادي مر هو وعياله وجماعته الذين كانوا معه، وبرزوا بالأبطح قاصدين الشرق.
وفي آخر يوم السبت ثاني الشهر سافروا إلى الشرق (^٣).
وفي يوم الاثنين رابع الشهر وصل قاصد من مصر جاء إلى ينبع في البر ومنها إلى جدّة في البحر، وحضر إلى قاضي القضاة الشافعي برهان الدين بن ظهيرة ومعه مراسيم وأوراق، أما المراسيم فأربعة، إلى السيد الشريف واحد، وإلى [قاضي] (^٤) القضاة الشافعي واحد، وإلى الأمير المحتسب واحد، [و] (^٥) الجمالي اثنان، وجاء معه الإذن بعمارة عين عرفة (^٦) - يعني بإيصالها إلى مكة المشرفة (^١) - وأن السلطان أخرج من
_________________
(١) السخاوي: الضوء اللامع ٤/ ٢١٤، وفيه "وتفرقت تركته لاختلاف بينه وغيره".
(٢) وردت في الأصول "أولاد" والتعديل يستقيم به سياق المعنى.
(٣) العز ابن فهد: غاية المرام ٢/ ٥٤٦.
(٤) وردت في الأصول "القاضي" والتعديل هو الصواب.
(٥) ساقطة في الأصل والمثبت ما بين حاصرتين إضافة عن (ب).
(٦) عين عرفة (عين زبيدة): وتنسب إلى السيدة أمة العزيز وتدعى زبيدة أم جعفر أبي الفضل ابن أمير المؤمنين المنصور وزوجة هارون الرشيد لما شعرت بحاجة أهل مكة إلى المياه خصوصا في الموسم (بعرفة) فأمرت المهندسين بإيصال الماء إليها من الحل وصرفت في ذلك أموالا طائلة، -
[ ١ / ٣٤٩ ]
خزانته أحد عشر ألف دينار بسب العمارة، وقبضها المقر العالي (^٢) أبو البقاء (^٣) الجيعان عظم الله شأنه، وأرسل السلطان أن يقترض هذا القدر من الخواجا جمال الدين الطاهر ويرسل من يقبض المبلغ المذكور من أبي البقاء.
_________________
(١) السخاوي: وجيز الكلام ٣/ ٩٥٠ وفيه قال "وكان يرجى وصولها قبل الموسم إلى مكة ولكن تعذر ذلك". (¬- فأجرت عين نعمان وغيرها في قناة إلى جبل الرحمة بعرفة ثم من هناك إلى جبل خلف المأزمين ثم إلى مزدلفة ثم تسير القناة حتى منى وتصب في بئر عظيمة مطوية من عمل زبيدة، وأصبحت لها مكرمة عظيمة، وقد جرى لمجرى العين والعين ترميمات عديدة وإصلاحات في أزمان مختلفة، ومنها عمارة كبيرة في العهد العثماني، محمد صالح الزواوي: بغية الراغبين وقرة عين أهل البلد الأمين، ص ٦ - ٧. الزركلي: الأعلام ٣/ ٤٢، غباشي: المنشآت المائية، ص ٧٤. وفيه "تقع بئر زبيدة اليوم في حي العزيزية شمال شرق حديقة الطفل". وبئر زبيدة العظيمة المطوية أرجح أن تكون هي "بئر المظلمة أو الظلمة عمل زبيدة". التي سيرد ذكرها. المأزمين: مثنى مأزم وهو الطريق الضيق بين الجبلين ونحوه، وهو طريق يأتي المزدلفة من جهة عرفة. البلادي: معجم معالم مكة، ص ٢٤١.
(٢) المقر العالي: وهو دون "المقر الكريم" وهذا اللقب من ألقاب صاحب مالي من بلاد التكرور، كما ورد اللقب في بعض الدساتير عن نائب حلب، ويكتب به أيضا إلى صاحب حصن كيفا، والوزير بالممالك القانية، وقاضيها وكتب به القاضي محي الدين بن عبد الله الظاهر في عهد المنصور قلاوون، كما كتب به للطبقة الثالثة من مقدمي الألوف. البقلي: التعريف بمصطلحات صبح، ص ٣٢٢.
(٣) هو: أبو البقاء بن الجيعان البدر محمد بن يحيى بن شاكر بن عبد الغني ولد في سنة ٨٤٧ هـ ونشأ في كنف أبويه فحفظ القرآن وعدة كتب واعتنى به أبوه وسمع على كثير من العلماء ولو كان تفرغ للعلم لكان من نوادر زمانه ولكنه قام بالمهمات السلطانية خير قيام وتودد للخاص العام وتزايد بره وخيره وقرب إليه العلماء والصالحين ورتب من الخيرات الكثير، توفي سنة -
[ ١ / ٣٥٠ ]
وجاء الخبر أيضا بأن تجريدة (^١) تجهزت للخروج، أظنه إلى أخي سوار والمقدمون ثلاثة رأس نوبة النوب الأمير تمراز، والأمير الدوادار الكبير يشبك، [وأزبك] (^٢) أظنه الخازندار، وأعطى السلطان من الخزانة للأول عشرين ألف دينار وللثاني خمسة عشر ألف دينار وللثالث كذلك، وقالوا: إن التجريدة التي خرجت قبل هذا انكسرت (^٣) والله يصلح الأحوال.
وفي ليلة الثلاثاء تاسع عشر (^٤) الشهر ماتت جوهرة مستولدة محمد بن تجار (^١) العمري وصلي عليها بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة/ودفنت بالمعلاة بالقرب من
_________________
(١) = ٩٠٢ هـ بعد أن طعنه أحد المماليك. السخاوي: الضوء اللامع ١١/ ٨ - ٩ ترجمة رقم ٢١، ابن إياس: بدائع الزهور ٣/ ٣٦٣.
(٢) والتجريدة دورية منظمة لمنع قرصنة العدو في البحر، وفي البر فرقة منظمة من الجيش أو جماعة من الخيالة لا رجّالة فيها، وليس معها أثقال. ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ١٤/ ٤٦٨، البقلي: التعريف بمصطلحات صبح الأعشى، ص ٧٣.
(٣) وردت في الأصول "يزبك" والتعديل عن ترجمته.
(٤) في محرم سنة ٨٨٩ هـ عين السلطان تجريدة إلى حلب لتقوية لمن تقدم من عساكره وعين عليها تمراز الشمسي أمير سلاح باشا على العسكر ومن المقدمين أزبك اليوسفي ومن الجند نحو أربعمائة مملوك من المماليك السلطانية، وذلك بسبب أن السلطان قد بلغه أن ابن عثمان ملك الروم قد أمد علي دولات بني ذلغادر (أخي سوار) بعساكر، ثم في ربيع الآخر من السنة نفسها وصل الخبر بأن العسكر الذي خرج من القاهرة إلى على ذلغادر قد تقاتل معه وكسروا، وقتل منهم جماعة كثيرة من الأمراء والجند. السخاوي: وجيز الكلام ٣/ ٩٤٩ - ٩٥٠، ابن إياس: بدائع الزهور ٣/ ٢٠٥ - ٢٠٦.
(٥) وردت في الأصل "تاسع" وفي (ب) "ثالث عشر" وكلاهما مجانب للصواب والتعديل هو الصواب على حسب دخول الشهر وما جاء بعده. -
[ ١ / ٣٥١ ]
باب المعلاة، وكان سيدها في بركتها وكانت كاتبة مباركة، تعلم البنات القرآن العظيم.
وفي يوم الجمعة ثاني عشري الشهر مات محمد ولد سراج الدين عمر بن أحمد بن عبد الرحمن بن الجمال المصري الأنصاري، وصلي عليه بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة ودفن من يومه بالمعلاة عند سلفه.
وفي يوم السبت ثالث عشري الشهر مات عبد حبشي معتوق روّاء، كان يسوق الراوية (^٢) لمقدم المماليك مثقال الحبشي المنفي إلى مكة، فيقال إنه قطع الراوية، بمعنى أنها تقطعت، فضربه لأجل ذلك ضربا مبرحا، فما جلس إلا أياما يسيرة وحمل نفسه في هذا اليوم إلى المسجد الحرام بباب السلام، فمات هناك، فجاء بعض المماليك السلطانية إلى قاضي القضاة الشافعي يسأله في تجهيزه، فقال له هو أولى بذلك، ثم بلغ الخبر باش المماليك السلطانية شاذبك فأرسل له أنه يجهزه، فأعطاهم أشرفيا، فجهز به وصلي عليه بعد صلاة مغرب ليلة الأحد، وأخبرت أن مقدم المماليك كان بالمسجد الحرام جالسا عند الباش وقت الصلاة عليه مع قيام الباش والصلاة عليه.
وفي هذا اليوم يوم الجمعة (^٣) وصل الخبر إلى مكة بموت المقدم (^١) علي بن شيشة بجدة من ضرب نائب جدة البدري أبي الفتح له، فإنه كان سعى عنده في أن يكون
_________________
(١) ورت في (ب) "بجاد".
(٢) الراوية مفرد وتجمع على روايا. وهي وعاء لحفظ الماء مصنوع من جلد الثور أو الجمل، وتتسع لأربع قرب، والقربة إناء لحفظ الماء مصنوع من جلد الماعز ويحمل الجمل عادة راويتين. الزهراني: أسعار المواد الغذائية، ص ١١٢.
(٣) أي الثاني والعشرين من الشهر.
[ ١ / ٣٥٢ ]
مقدما، فأمر بضربه فضرب ضربا قويا فانقطع أياما ومات، وأرسل (^٢) نائب جدة إلى باش المماليك السلطانية يأمره بضبط قرطلته (^٣) التي عند الخواجا شمس الدين محمد اخو جمال الدين صهر بيت الفومني، فضبطت (^٤) بشهود فلم يوجد فيها إلا ثياب له فتركت عنده حتى يأتي خبر نائب جدة.
وفي آخر ليلة الثلاثاء سادس عشري الشهر مات المؤدب المبارك محمد بن الشيخ الجبرتي ثم اليمني نزيل مكة وصلي عليه ضحى عند باب الكعبة ودفن من يومه بالمعلاة عند تربة بيت ابن جوشن.
وفي هذا الشهر وصل الخبر إلى مكة ينعى شيخ الدلالين [أبا] (^٥) الفتح العباسي بالقاهرة المحروسة بعد أن جلس بها فيما يقال نحو ثلاثة أيام والله أعلم. ونعى الخواجا الكبير بدر الدين ابن الخواجا بن عليبة بالقاهرة.
وفي هذا الشهر توجه العمال لعمل العين بعرفة (^٦) وإجرائها إلى مكة المشرفة وهم مائة نفس، [وصرف] (^٧) عليهم كل واحد ثلاثة أشرفية وذلك بأمر السلطان بمصر الملك الأشرف أبو النصر قايتباي نصره الله وزاده فضلا وتوفيقا.
_________________
(١) وردت في الأصل "القدم" والتعديل هو الصواب عن (ب) وما سيرد بعد قليل.
(٢) وردت في الأصل "اسل" ولم أتبين قراءتها في (ب). والتعديل يستقيم به سياق المعنى.
(٣) القرطلّة: كقرشبّة: عدل حمار، كالقرطالة، بالكسر واحدة القرطال. الفيروزآبادي: القاموس المحيط، ص ١٣٥٣.
(٤) وردت في الأصل "فظبطت" والتعديل هو الصواب عن (ب).
(٥) وردت في الأصول "أبي" والتعديل هو الصواب.
(٦) وردت في الأصل "عرفه" والتعديل هو الصواب من (ب).
(٧) وردت في الأصول "أصرف".
[ ١ / ٣٥٣ ]