في يوم السبت خامس الشهر، مات المقدسي الحباب، ووصل إلى مكة في شهر شوال من بلده على طريق البحر، وسبب موته أنه كان راكبا في شقة شقدف (^٥) من جدة إلى مكة، ومعادله شيء فثقل بمعادله فانقلب عليه، فكسر فخذه، فتعلل أياما بمكة ثم مات من ذلك، رحمة الله عليه رحمة واسعة، وصلي عليه بعد صلاة ظهر يومه عند
_________________
(١) وردت في الأصول "عشرين" والتعديل هو الصواب.
(٢) هو: محمد بن عبد القادر بن عبد الرحمن أبو الغيث بن محي الدين الشيباني المكي الحنفي ويعرف بابن زبرق. السخاوي: الضوء اللامع ٨/ ٨ ترجمة رقم ١١٨.
(٣) هي: كمالية ابنة أبي البركات بن أبي البقاء بن الضياء سبطة عطية بن فهد: تزوجها ابن عمتها أبو الغيث وأنجب منها. السخاوي: الضوء اللامع ١٢/ ١١٩ ترجمة رقم ٧٢٣.
(٤) وردت في الأصل "الثلاثة" والتعديل من (ب).
(٥) الشقدف: عبارة عن سريرين من الخشب وقاعدتهما من الحبال، وعلى حافة كل سرير من الجنب الخارجي والداخلي شبكة من العيدان ويكون أحدهما شقا وإذا ضم السريران على ظهر الجمل بحبال متينة يكونان شقدفا عليه قبة تغطى بشيء من القماش يقي الراكب الشمس والمطر، والشقدف يسع راكبين يمكنهما أن يناما فيه أو يجلسا فيه. البتنوني: الرحلة الحجازية، ص ٢١٣.
[ ١ / ١٠٢ ]
باب الكعبة، ودفن من يومه بالمعلاة.
وفي العشر الأول مات المقدم (^١) الشهير بابن حيوان كاتب الشريف، وأحد الكتاب بالفرضة.
وفي ليلة الجمعة حادي عشر الشهر ماتت مريم بنت الشيخ عبد القوي المكي، وصلي عليها بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة، ودفنت من يومها بالمعلاة، عند تربة أسلافها ﵏.
وفي هذا اليوم (^٢) جاء السيد الشريف محمد بن بركات، من عند أهله من ناحية اليمن (^٣)، ويقال: إن سبب مجيئه، أنه نذر لله تعالى أن اليمن إذا أمطر، يأتي المسجد الحرام ويصلي فيه ركعتين لله تعالى، ثم عاد إلى أهله بعد يومين أو ثلاثة ثم عاد بعد أيام إلى مكة (^٤).
وفي ليلة الخميس سابع عشر الشهر أو صبيحته، ماتت الحرمة بنت أحمد (^٥) بن عمر المرشدي، وصلي عليها عند طلوع الشمس أو ضحى عند باب الكعبة، ودفنت من يومها بالمعلاة عند سلفها، أمها زينب بنت الإمام أبي السعادات (^٦) الإمام.
_________________
(١) المقدم: اسم مفعول من قدم، ومعناه الرئيس أو القائد أو كبير القوم أو الطائفة أو الجماعة أو غيرها، وقد عرف هذا اللفظ منذ العصر العباسي، وأطلق في الدولة المملوكية على وظائف كثيرة وأضيف إليه ألفاظ أخرى، وكان يخص رؤساء الطوائف المدنية والعسكرية. الباشا، الفنون الإسلامية ٣/ ١١٢١ - ١١٢٧، البقلي: التعريف بمصطلحات صبح، ص ٣١٩.
(٢) العز ابن فهد: غاية المرام ٢/ ٣٥٣، وفيه "في يوم الجمعة حادي عشر شهر ذي القعدة".
(٣) أي من ناحية الجنوب.
(٤) العز ابن فهد: غاية المرام ٢/ ٥٣٥ (ضمن ترجمة السيد محمد بن بركات).
(٥) السخاوي: الضوء اللامع ٢/ ٥٦.
(٦) هو: محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن محمد بن إبراهيم -
[ ١ / ١٠٣ ]
وفي أول هذا اليوم مات فتى (^١) الوالد مبارك الزنجي، وكان وجعه يومين بثلاث ليالي، حمى، وضربان، ووجع قلب، عوضه الله وإيانا خيرا، وصلى عليه قبيل الظهر عند باب الكعبة، ودفن بتربة مواليه بالمعلاة.
وفي ليلة الأحد عشرى (^٢) الشهر، ماتت ستيت بنت آدم (^٣) بن محمد بن خلف الشامي المكي الصانع (^٤)، وهي بنت خالة الوالد، رحمة الله عليهم أجمعين، وصلى عليها بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة، ودفنت من يومها بالمعلاة، على والدتها بمقبرة سلفنا.
وفي ليلة الاثنين حادي عشرين الشهر توفي إلى رحمة الله تعالى شقيقي يحيى (^٥) بن
_________________
(١) = الجمال أو الجلال أبي السعادات بن المحب أبي المعالي بن الرضي بن المحب بن الشهاب بن الرضي الطبري الأصل المكي الشافعي إمام المقام (الحنبلي) وابن إمامه وهو بكنيته أشهر، ولد في يوم الأربعاء تاسع محرم سنة ٩٣٧ هـ بمكة ونشأ بها فحفظ القرآن وغيره وجوده وعرض على جماعة، ودخل دمشق والقاهرة وحضر بعض الدروس وكان مشاركا لأبيه في الإمامة وأضيف إليهما غيرها، توفي في ليلة الأحد عاشر شهر شعبان سنة ٩٠٩ هـ ونودي فوق ظلة زمزم بالصلاة على الإمام العلامة العالم أمام هذا المقام ودفن بالمعلاة. السخاوي: الضوء اللامع ٩/ ٢٦٧ - ٢٦٨ ترجمة رقم ٦٩٨.
(٢) الفتى: يراد به معبرا عن العبد، وأخذ ذلك من قول الرسول ﷺ (لا يقل أحدكم عبدي وأمتي ولكن فتاي وفتاتي … الحديث) رواه البخاري في صحيحه في باب العتق حديث رقم ٢٣٦٦، ويعتبر ذلك من التقى، الباشا: الألقاب الإسلامية، ص ٤١٧.
(٣) وردت في الأصل "عشرين" والتعديل هو الصواب عن (ب).
(٤) وردت في الأصل "أد" والتعديل من (ب).
(٥) وهي صيغة اسم الفاعل من "صنعة أو صناعة" وهي اسم يطلق بصفة عامة على صاحب الصنعة أو الفن التطبيقي أو الحرفة اليدوية، وقد يضاف إلى نوع الحرفة مثل صانع السلاح صانع القناديل … الخ. الباشا: الفنون الإسلامية ٢/ ٦٨٩.
(٦) هو: يحيى بن عمر بن محمد بن محمد بن أبي الخير محمد بن محمد بن عبد الله بن فهد محي الدين -
[ ١ / ١٠٤ ]
عمر بن فهد الهاشمي، تغمده الله برحمته ورضوانه، وأسكنه فسيح جناته، ولما أن فرغنا من تغسيله وتكفينه وهو/على المغسل، وهو تحت السماء، غيمت السماء، وأرخت [عزاليها] (^١)، فتركناه (^٢) ساعة، والمطر ينزل عليه، ثم وضعناه في نعشه وحملناه والمطر نازل إلى أن دخلنا به المسجد والمؤذنون يؤذنون الأذان الأول لصلاة الصبح فجئنا به إلى باب البيت، ثم وضعناه بمقام الخليل ﵊، ثم لما أن فرغ المطر حمل إلى باب البيت، وصلى عليه عنده بالناس قاضي القضاة برهان الدين بن ظهيرة الشافعي، بعد صلاة الصبح وحمل إلى المعلاة ودفن من يومه بمقبرة سلفنا، بقبر بكر [لم] (^٣) يدفن به قبله أحد، وشيعه خلائق كثيرون، رحمه الله تعالى ونفعنا به آمين.
وفي ليلة الخميس رابع عشرى (^٤) الشهر، وصل قاصد من الحاج، وأخبر أن الحاج بخير، وأن الأمير الدوادار (^٥)
_________________
(١) = أبو زكريا بن النجم أبي القسم الهاشمي الشافعي - شقيق المؤلف - ويعرف بابن فهد ولد سنة ٨٤٨ هـ وأخذ عن كثير من العلماء بمكة والقادمين إليها وكان عاقلا، ذكيا، خبيرا بالشعر، اختصر وألف. السخاوي: الضوء اللامع ١/ ٢٣٨ ترجمة رقم ١٠٠٤، وجيز الكلام ٣/ ٩٠٩ ترجمة رقم ٢٠٥٩، البغدادي: هدية العارفين ٦/ ٥٢٩.
(٢) وردت في الأصل "عن اليها" والتعديل عن (ب)، والعزلاء: مصب الماء من القربة وتجمع على عزالى. ويقال: أرسلت السماء عزاليها: انهمرت بالمطر. أنيس: المعجم الوسيط، ص ٦٢٩.
(٣) وردت في الأصل "فتركنا" والتعديل عن (ب).
(٤) وردت في الأصول "ولم"، وحذفت الواو ليستقيم سياق المعنى.
(٥) وردت في الأصول "عشرين" والتعديل هو الصواب.
(٦) الدوادار (الدواتدار): لفظ فارسي مركب من لفظين، الأول عربي وهو "الدواة"، والثاني "دار" فارسية ومعناه "ممسك"، وعرف في العصر العباسي، وصاحبها هو الذي يحمل دواة السلطان أو الأمير أو غيرهما ويلحق به مهمة إبلاغ كافة الأمور والرسائل عن السلطان أو غيره -
[ ١ / ١٠٥ ]
[و] (^١) نائب الشام (^٢)، ونائب
_________________
(١) = كما ارتفع شأنه في مسك علامة السلطان أي توقيعه، واعتبرت الوظيفة السابعة أو الثامنة وقيل الرابعة أو الثانية بعد السلطان. البقلي: التعريف بمصطلحات، ص ١٣٩، الباشا: الفنون الإسلامية ٢/ ٥١٩ - ٥٣٥. والمراد به هنا هو: الأمير الدوادار يشبك من مهدي الظاهري جقمق ويعرف بالصغير رقي في دولة الأشرف قايتباي حتى صار إليه الحل والعقد بالديار المصرية واجتمعت له عدة وظائف سنية منها الدوادارية الكبرى وأمرية السلاح والوزارة والاستادارية الكبرى وكاشف الكشوف وغيرها وكان شهما كريما شجاعا له الكثير من العمائر بالديار المصرية ما بين ربوع وحوانيت ودور جليلة وصهاريج وأسبلة وزوايا وبعض قباب وله محاسن جلية، خرج إلى حماة بعد وصول الأخبار بوقوع فتنة كبيرة بها فعين (وهو طالب لها) على رأس حملة وخرج معه بعض الأمراء وعدد وافر من الجند وانضم إليه نائب الشام وحلب وحماة وطرابلس عند بلادهم، وقد انكسرت هذه الحملة وقتل الدوادار يشبك من مهدي في العشر الأخير من رمضان سنة ٨٨٥ هـ قرب مدينة الرها. ابن أجا، العراك ص ١٧٢ - ١٧٥. السخاوي: الضوء اللامع ١٠/ ٢٧٢ - ٢٧٤ ترجمة رقم ١٠٧٧، ابن إياس: بدائع الزهور ٣/ ١٦٥ - ١٦٨، ١٧١ - ١٧٣، ابن طولون: مفاكهة الخلان، ص ٢٦.
(٢) ما بين حاصرتين إضافة يقتضيها سياق المعنى.
(٣) نائب الشام: عرفت هذه الوظيفة منذ القرون الأولى الإسلامية وكانت مهمة النيابة الأولى عن الوالي في إدارة شؤون الولاية وتنفيذ جميع الأوامر، وجمع الخراج والرسوم وما الى ذلك، والنيابة على مراتب: فأعظمها نيابة السلطان (النائب الكافل) ونائب الشام يضاهي النائب الكافل بالحضرة السلطانية وكذلك يسمى نائب السلطان بالحضرة ثم يليه النائب بدمشق ويقال له كافل السلطنة، ومن دونه النواب في الأقاليم والممالك الشامية مثل نائب حلب ونائب طرابلس وحماة …، وهي وظيفة من وظائف أرباب السيوف بالحضرة السلطانية، والنواب كانوا على قسمين الأول لا تصدر عنه تولية وهم نواب الديار المصرية والقسم الثاني نواب الممالك الشامية وتصدر عنهم تولية وعزل. القلقشندي: صبح الأعشى ٤/ ١٩٠ - ١٩١، الباشا: الفنون الإسلامية/ ١٢١٩ - ١٢٢٩. ونائب الشام هو: قانصوه اليحياوي الظاهري جقمق نائب الشام (دمشق) ولي نيابة الإسكندرية ثم طرابلس ثم حلب سنة ٨٧٢ هـ بعد إينال الأشقر ثم عزل عنها سنة ٨٧٨ هـ ونفي إلى بيت المقدس، ثم عفي عنه وولي نيابة الشام عودا على بدء وقد أسر في هذه المعركة -
[ ١ / ١٠٦ ]
حلب (^١) قتلهم عسكر حسن بك (^٢)، أو قتل الدوادار، وأبقى الأخرين (^٣).
_________________
(١) = التي خرج إليها في رجب سنة ٨٨٥ هـ ثم أفلت. ابن أجا: العراك، ص ١٧٢، السخاوي: الضوء اللامع ٦/ ١٩٩ ترجمة رقم ٦٨٧، ابن طولون: مفاكهة الخلان، ص ٢٦، إعلام الورى، ص ٩٢ - ٩٨، ٩٣ - ١٠٢.
(٢) هو: أزدمر وكان على ميسرة الجيش. السخاوي: وجيز الكلام ٣/ ٩٠٥. وحلب: مدينة عظيمة واسعة كثيرة الخيرات طيبة الهواء صحيحة الأديم والماء، واسم حلب في اللغة مصدر قولك حلب يحلب حلبا، ويقال عن سبب التسمية إن إبراهيم ﵇ كان يحلب بها غنمه ويتصدق به، فيقول الفقراء حلب حلب. ياقوت: معجم البلدان ٢/ ٢٨٢ - ٢٨٣، وهي اليوم مدينة تقع في الجمهورية العربية السورية.
(٣) وهو: حسن بك (أوزون حسن، حسن الطويل) بن علي بك بن قرا يلوك عثمان صاحب ديار بكر ويعرف بالطويل، انتزع مملكة الحسن من بني يعقوب بعد قتله لزين العابدين الصالح في سنة ٨٦٦ هـ مات في جمادى الثانية أو رجب من سنة ٨٨٢ هـ بعد ابن عثمان، واستقر بعده ابنه الأكبر خليل وقتل بعدها بقليل من أخيه يعقوب، وكان من أشهر رجال حكومة آق قيونلو "الغنم الأبيض" وهي قبيلة تركمانية، واتخذ من آمد "ديار بكر" عاصمة له. السخاوي: الضوء اللامع ٣/ ١١٢ ترجمة رقم ١٠، ٤٤٢/ ٢٨٣ ترجمة رقم ١١١٠، وجيز الكلام ٣/ ٨٨٩ ترجمة رقم ٢٠٣٠، ابن طولون: إعلام الورى، ص ٩٠. وكان على العسكر "باينذر أحد نواب يعقوب بك بن حسن بك الذي أمر بقتل الدوادار وأسر الآخرين إلى أن أطلقوا". ابن أجا: العراك، ص ١٧٤، ابن إياس: بدائع الزهور ٣/ ١٧٠.
(٤) وهي: فتنة كبيرة حصلت بحماة في صفر عام ٨٨٥ هـ قتل فيها نائب حماة أزدمر من ازبك قريب السلطان وذلك حين خرج عليه سيف أمير آل فضل عن الطاعة فحاربه أزدمر نائب حماة فقتل في المعركة وقتل جماعة من أمراء حماة وعسكرها، فانزعج السلطان لذلك، وفي شهر ربيع الأول عين السلطان الأمير يشبك الدوادار للخروج إلى حماة وعين معه بعض الأمراء وتجهزت التجريدة وخرجت إلي حماة فلما وصلت إلى الشام أخذ الدوادار نائب الشام قانصوه اليحياوي وانضم معه وتوجه إلى حلب فانضم إليه نائبها وكذلك نائب طرابلس ونائب حماة وكذا العسكر الشامي والعسكر الحلبي، واستقر به المقام بحلب فبلغه أن سيف أمير آل فضل (سبب الفتنة) قد فر وتوجه إلى نحو الرها فقوى ذلك الأمير الدوادار يشبك فتبعه إلى هناك وعدى الفرات خلفه، وتقدم إلى الرها فحاصرها أشد محاصرة، وكان متوليها يدعى باينذر أحد -
[ ١ / ١٠٧ ]
وفي هذا اليوم مات سعد عتيق (^١) الصواف، وغسل وكفن، وصلى عليه بعد صلاة العصر عند باب الكعبة، ودفن من يومه بالمعلاة.
وفي ليلة الأحد سابع عشرى (^٢) الشهر، ماتت المرأة الكاملة بنت أبي الفضل
_________________
(١) = نواب يعقوب بك بن حسن بك الطويل فلما أشرفت المدينة على السقوط أرسل باينذر للأمير يشبك يتلطفه بالكلام وعرض عليه أن يجمع له مالا في مقابل الكف عنه، فأبى الأمير الدوادار ذلك والتقى الفريقان فبدت الغلبة لعسكر المصريين ثم انقلبت الموازين وأصبحت الكسرة عليهم وأسر الأمير الدوادار الكبير يشبك من مهدي وهو راكب على ظهر فرسه وأسر معه نائب الشام قانصوه اليحياوي ونائب حماة أزدمر ونائب حماة جانم الجداوي وبعض الأمراء وقتل بردبك قريب السلطان نائب طرابلس وقتل من النواب والأمراء ومن العسكر المصري والشامي خلق كثير، وكانت كسرة كبيرة، أما الأمير يشبك فمكث في الأسر ثلاثة أيام قتل بعدها وطيف برأسه وحمل إلى يعقوب بك بن حسن بك وذلك في العشر الأخير من رمضان من السنة المذكورة وحملت جثته إلي القاهرة في شهر ذي القعدة من السنة نفسها. واستطاع الأمير قانصوه اليحياوي الهروب من الأسر، وكان السلطان قد عين الأتابكي أزبك وجهزه إلى حلب ليقيم بها ويكون المتكلم فيها وفي بلاد الشام فوصل إليها في صفر عام ٨٨٦ هـ ووجد أن الفتنة التي كانت بين العسكر المصري وعسكر حسن بك قد خمدت وان يعقوب بك بن حسن بك شق عليه تسرع واليه باينذر وقتله الأمير يشبك الدوادار ولامه على ذلك فاستغل الأتابكي أزبك ذلك فأرسل جاني بك حبيب إليه قاصدا وتلطف في الكلام معه فكرمه يعقوب بك وأجله وأطلق من كان عنده من الأسرى من النواب والأمراء غيرهم فعاد بهم إلي حلب فسر السلطان بذلك. ابن أجا: العراك ١٧١ - ١٧٧، ابن اياس: بدائع الزهور ٣/ ١٦٨، ١٦٦، ١٦٥ - ١٧١ - ١٧٢، ابن طولون: مفاكهة الخلان ٢٧، ٢٦.
(٢) العتيق: هو العبد المحرر الذي يصبح مولى لسيده، ويظل العتيق على صلة بمولاه الذي أعتقه، وقد يوقف عليه أو ينفق عليه، ولم يكن ذلك اللقب يجر العار على صاحبه بل يفخر به البعض لعلو العاتق، وذلك جعل البعض يصل الى مناصب كبيرة ومكن البعض الآخر من الثراء. الباشا: الفنون الإسلامية ٢/ ٧٧٠ - ٧٧٣، الألقاب الإسلامية، ص ٣٩٨.
(٣) وردت في الأصول "عشرين" والتعديل هو الصواب.
[ ١ / ١٠٨ ]
ابن أحمد بن أبي البقاء الحنفي، وصلى عليها بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة، ودفنت من يومها بالمعلاة.
وفي ليلة الاثنين ثامن عشرى (^١) الشهر، ماتت ستيت بنت عبد اللطيف بن أحمد ابن زايد، وصلى عليها بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة، ودفنت من يومها بالمعلاة، بتربة سلفها بني غزوان، وكان وجعها جمعة زمان.
وفي هذا اليوم دخل مكة أمير الأول الوالي (^٢) بالقاهرة يشبك من حيدر (^٣) ومعه الشريف محمد بن بركات، بعد أن لاقاه في (^٤) وادي الزاهر (^٥)، وخلع (^٦) عليه خلعة (^٧).
_________________
(١) وردت في الأصول "عشرين" والتعديل هو الصواب.
(٢) الوالي: تطلق لفظة الوالي عادة على أمير القطر وحاكمه، والمصدر منها ولاية بمعنى الإمارة أو السلطة، وقد عرف الوالي منذ صدر الإسلام، واستمر نظام استخدام الولاة في جميع العصور الإسلامية حتى استقل الوالي بقطره التابع له، وأصبحت لفظة والي في الدولة المملوكية تدل على طبقة من الحكام إلى جانب معناها العام وكان أعلاها النواب ثم الكشاف ثم الولاة. القلقشندي: صبح الأعشى ٤/ ٣، الباشا: الفنون الإسلامية ٣/ ١٣٠٨ - ١٣١٦.
(٣) ابن إياس: بدائع الزهور ٣/ ١٧٧، الجزيري: الدرر الفرائد المنظمة ١/ ٧٥٨.
(٤) وردت في الأصول "إلى" والتعديل هو الصواب.
(٥) وادي الزاهر: وهو على نحو ميلين من مكة على طريق التنعيم وهو موضع على جانبي الطريق وبه أثر دور وبساتين وأسواق وكان الناس يعتنون به لأنه ممر الحجاج المعتمرين. ويقال له "فخ" وباسمه المعركة التي حصلت به في عام ١٦٩ هـ. ابن بطوطة: الرحلة، ص ١٦٥، ياقوت: معجم البلدان ٤/ ٢٣٧ - ٢٣٨. والآن به مستشفى الملك عبد العزيز المشهور بالزاهر، ومعظم سكانه من قبيلة حرب بعد نزوحهم إليه جماعيا. البلادي: أودية مكة، ص ١٩.
(٦) خلع: بمعنى نزع، وخلع عليه ثوبه أعطاه إياه. الفيروز آبادي: القاموس المحيط ٩٢١، أنيس: المعجم الوسيط، ص ٢٧٣.
(٧) الخلعة: خيار المال، وقد يقال لها التشريف، كانت في السابق هي ثوب الحاكم أو السلطان نفسه يخلعه من فوق جسده ويعطيه لمن أراد، وكان هذا التصرف بمثابة وعد بالأمان أكثر منه -
[ ١ / ١٠٩ ]
ثم لما جاءه قاضي (^١) القضاة الشافعي برهان الدين بن ظهيرة للسلام عليه، خلع عليه خلعة، ولم تجر (^٢) العادة (^٣) قبل هذا بذلك.
وفي يوم الثلاثاء تاسع عشرى (^٤) الشهر دخل الأمير حاج المحمل (^٥)
_________________
(١) = رمزا للتكريم والتقدير، وفي العصر المملوكي اختلفت فأصبحت تصنع الخلعة لهذا الخصوص، وهي ذات أجزاء مختلفة يصعب تحديدها ولكن في الغالب هي عباءة أو قباء قد يضاف إليها بعض الأحزمة أو القلانس وفي بعض الظروف كانت تتضمن أسلحة، وتصنع من قماش الأطلس وبألوان مختلفة عليها نقوش حريرية بديعة وطراز ذهب وغيره واختلفت أيضا على حسب مقام صاحبها، وارتبطت الخلعة باسم الوظيفة أو المناسبة المترقي إليها صاحبها مثل خلعة النيابة، وخلعة الإمرة، وخلعة الاستمرار، وكانت تصنع هذه الثياب في المصانع السلطانية برقابة ناظر الخاص. ماير: الملابس المملوكية، ص ١٠١ - ١٠٥، أنيس: المعجم الوسيط، ص ٢٧٣.
(٢) وردت في الأصل "القاضي" وقد يكون تحريفا من الناسخ والتعديل من (ب).
(٣) وردت في الأصل "يجر"، والتعديل من (ب).
(٤) وفي العادة يخلع الأمير على الشريف وعلى القضاة والأعيان بعد الاجتماع بهم بالمسجد الحرام وقراءة المرسوم لمن انعم عليه بخلعة.
(٥) وردت في الأصل "عشرين" والتعديل هو الصواب عن (ب).
(٦) أمير حاج المحمل (أمير الحاج بالمحمل): وهو اسم لوظيفة كان يهتم صاحبها بشؤون الحجاج، وتأمين السلامة له وكان يتولاها أمير مائة مقدم ألف، وربما كان الأمير بصحبة المحمل فيكون أمير الحاج بركب المحمل وإذا صحب الركب الأول يكون أمير الحاج بالركب الأول. الباشا: الفنون الإسلامية ١/ ٢٠٢ - ٢٠٥. المحمل: ويراد به الجمل والهودج (الخشبي ذو الشكل المخروطي المحلى بأجمل زينة) الذي عليه الفخامة والعظمة وبداخله كسوة الكعبة المشرفة والتي كانت تحمل إلى مكة المكرمة، وكان بدء ذلك عام ٦٦٤ هـ، وقد اعتبر من مظاهر السيادة على الحرمين الشريفين وقد أبطل ذلك في عهد الملك عبد العزيز يرحمه الله. عنقاوي: المحمل، ص ٣٢٣ - ٣٢٤، جلال: علاقة سلاطين بني رسول بالحجاز، ص ١٨٢ - ١٨٣.
[ ١ / ١١٠ ]
تغري بردي من ططر (^١)، أحد مقدمي الألوف (^٢) بالقاهرة، ومعه الشريف محمد بن بركات بعد أن لاقاه أيضا إلى وادي الزاهر، وخلع عليه خلعة هناك.
وفي ليلة الأربعاء سلخ الشهر ماتت أم هانئ (^٣) بنت القاضي أبي [اليمن] (^٤) النويري، زوجة محمد (^٥) بن الشيخ عمر الشيبي (^٦)، وصلي عليها بعد الصبح عند باب
_________________
(١) وهو: تغري بردي: من ططر الظاهري جقمق، استقر في حجوبية الحجاب وسافر في عدة تجاريد، وحج أمير المحمل في بعض السنين، توفي في شعبان سنة ثمانمائة وثلاثة وتسعين. السخاوي: الضوء اللامع ٣/ ٢٨ ترجمة رقم ١٣٦، الجزيري: الدرر الفرائد ١/ ٧٥٨، الرشيدي: حسن الصفا والابتهاج، ص ١٤٧.
(٢) وهي صيغة أخرى لأمير مائة وقد يقال مقدم على ألف أو مقدم الألوف. الباشا: الفنون الإسلامية ٣/ ١١٢٨.
(٣) وهي: أم هانئ ابنة القاضي أبي اليمن محمد بن محمد بن علي بن أحمد بن عبد العزيز النويري المكية واسمها عفيفة، ولدت في جمادى الأول سنة ثمانمائة وست وأربعين، سمعت من أبي الفتح المراغي وأجاز لها جماعة وتزوجها محمد بن عمر الشيبي وأولدها أبا المكارم وغيره. السخاوي: الضوء اللامع ١٢/ ١٥٨ ترجمة رقم ٩٨٩.
(٤) وردت في الأصول "النمرة" والتعديل من ترجمتها السابقة.
(٥) هو: محمد بن عمر بن محمد بن علي بن محمد بن إدريس بن غانم بن مفرج الجمال بن السراج أبي حفص بن الجمال أبي راجح العبدري الشيبي الحجبي المكي الشافعي شيخ الحجبة ولد في ثالث عشري ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة بمكة المشرفة ونشأ بها فحفظ القرآن وغيره وعرض على جماعة وأجاز له جماعة واستقر في المشيخة بعد ابن عمه بركات بن يوسف. السخاوي: الضوء اللامع ٨/ ٢٥٨ ترجمة رقم ٦٩٩.
(٦) الشيبي (بنو شيبة): وهم سدنة الكعبة في الجاهلية والإسلام ويعرفون بالشيبين نسبة إلى جدهم شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، وهو ابن عم عثمان بن طلحة بن أبي طلحة الذي أخذ منه رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة المشرفة يوم الفتح ثم أعاده إليه بعد أن نزلت الآية الكريمة ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ سورة النساء آية ٥٨. كما ذهب أكثر المفسرين، وبنو شيبة من أكبر بيوتات قريش من بيوت الهاشميين عامة والعلويين -
[ ١ / ١١١ ]
الكعبة، ودفنت من يومها بالمعلاة عند سلفها.