في يوم الأربعاء رابع عشر الشهر حصل بمكة مطر قوي. حصل للناس به خير كثير لاحتياجهم إليه.
ثم في ثاني تاريخه يوم الخميس خامس عشر الشهر حصل أيضا مطر قوي متتابع. ثم جاء في أثنائه - في الظهر - سيل وادي إبراهيم (^٤) فصادف سيل أجياد فرده
_________________
(١) وردت في الأصول "أبي".
(٢) وردت في الأصول "كشف".
(٣) العطيفيه: اسم لمدرسة ورباط بمكة المكرمة. المدرسة عمرت سنة ٨٦١ هـ لزوجة السلطان زينب ابنة العلاء علي بن أحمد بن خاص بك. وبنيت بقاعة عظيمة ومرافق كثيرة وحاصل كبير. وللقاعة وما يليها خمسة شبابيك كبار مطلة على المسجد. النجم ابن فهد: إتحاف الورى ٤/ ٣٧٢، حوادث سنة ٣٦١ وعن ترجمة زينب ابنة العلاء، السخاوي: الضوء اللامع ١٢/ ٤٤ - ٤٥. وأما الرباط: فهو لأم الخليفة العباسي الناصر لدين الله أحمد بن الحسن (٥٥٣ هـ - ٦٢٢ هـ) يقع بالجانب الشمالي من المسجد الحرام وعرف بالعطيفية لأن شريف مكة عطيفية صاحب مكة كان يسكنه وتاريخ وقفه في سنة ٥٧٩ هـ كما جاء مكتوب على الخشب الذي على بابه. وأوقف على الفقراء الصوفية … وقد رجح أحد الباحثين أن تاريخ وقف هذا الرباط في سنة ٥٤٧ هـ بدلائل وضحها. الفاسي: العقد الثمين، ١/ ١١٨، شفاء الغرام ١/ ٥٢٨، شافعي: الرباط في مكة، ص ٦٠.
(٤) قال الله تعالى: ﴿رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ … الآية -
[ ١ / ٢٣١ ]
فدخل المسجد الحرام من جميع أبوابه إلا القليل، ودخل البيت الحرام وعلا به من داخل البيت الحرام [وعلا به من داخله] (^١) نحو قامة وبسطة (^٢)، ومن خارجه، من بعض الجهات سبعة أذرع (^٣) وشيء، ومن بعضها أجل من ذلك. ودخل القبب، وأتلف بقبة الفراشين (^٤)
_________________
(١) = سورة إبراهيم آية ٣٧. وهو الذي عناه إبراهيم ﵇ بقوله (غير ذي زرع) وهو وادي مكة الرئيسي وبه تقع أحياؤها القديمة وتبلغ أحياؤه مع روافده أزيد من ثلاثة وعشرين حيا. ويأخذ وادي إبراهيم المكي سيله من حيث يسيل المحصب من منى، ويسير غربا إلى أن يصل المسجد الحرام مارا بالأبطح والحجون (كداء) وعند المسجد الحرام يعدل إلى الجنوب الغربي. وعمل له هناك نفق شق بين المسجد الحرام وبين جبل أبي قبيس فإذا تجاوز المسجد الحرام سمي المسفلة. ويسير إلى أن يصب في روضة أم الهشيم جنوب الحديبية ولا يتجاوزها فإذا تجاوزها عدل جنوبا ليصب في وادي عرنة. ويبلغ وادي إبراهيم من العقبة حتى روضة أم الهشيم ٤٥ كم تقريبا. البلادي: أودية مكة ٧، ٢٠ - ٢٢.
(٢) كذا وردت في الأصول.
(٣) القامة هي قامة الإنسان المعتدل والبسطة هي رفع اليد على الطول مع امتداد الرأس.
(٤) الذّراع: ذراع اليد من كل الإنسان من طرف المرفق إلى طرف الأصبع الوسطى، وهو وحدة قياس وله أنواع كثيرة واشهر أنواعه الهاشمي وهو ٣٢ أصبعا أو ٦٦،٥ سنتيمترا. أنيس: المعجم الوسيط، ص ٣٣٤، فالترهنتس: المكاييل، ص ٩١.
(٥) الفراشين: جمع فراش وفي الأصل هو القائم بخدمة الفرش وما يتعلق به، ثم عمم فصار مهمته الخدمة بالقصر وتنظيفه داخلا وخارجا وتنظيف ما به من أثاث وأشياء أخرى وربما أسند إلى الفراش أعمال أخرى وامتد عمل الفراش إلى المساجد والمدارس والبيمارستانات فصار يطلق على من يقوم بخدمة النظافة ورعاية الأثاث وإيقاد القناديل وصيانتها وتعميرها وما إلى ذلك. وقبة الفراشين قبة كبيرة بين زمزم وسقاية العباس ﵁ لحفظ الأشياء الموقوفة على المسجد الحرام وما فيه من الربعات والمصاحف الشريفة وقد عمرت في زمن الناصر العباسي وعمر بعضها سنة ٨٠١ هـ. الفاسي: شفاء الغرام ١/ ٣٣٨ - ٣٨٩، ابن ظهيرة: الجامع اللطيف، ص ١٣٤ - ١٣٥، الباشا: الفنون الإسلامية ٢/ ٨٠٣ - ٨٠٦.
[ ١ / ٢٣٢ ]
وقبة السقاية (^١) بعض رباع، وغير ذلك. وأتلف حاصلى (^٢) المسجد اللذين بجنبتي باب إبراهيم (^٣) من داخل المسجد الحرام. وأخرج القناديل التي به، وكسر بعضها، ودخل جميع البيوت المطلة على المسجد الحرام من شبابيكها، وبعضها من أبوابها، وغطى جميع أساطين (^٤) المطاف (^٥) إلا اليسير وهدم عشرة منها، سبعة حجارة وثلاثة مبنية
_________________
(١) قبة السقاية: (قبة العباس). وهي بيت مربع قرب مقام الخليل ﵇ في أعلاه قبة كبيرة ساترة لجميعه والقبة من آجر معقودة بالنورة وفي أسفل جدرانها خلا الجنوبي شبابيك من حديد تشرف على المسجد الحرام في كل جهة شباكان من حديد. وفي جانبها الشمالي من خارجها حوضان من رخام مفردان وباب السقاية بينهما. وقيل هي مجلس العباس بن عبد المطلب ﵁. وعمرت سنة ٨٠٧ هـ على هذه الصفة وكانت مختلفة قبل ذلك. الأزرقي: أخبار مكة ٢/ ١٠٤ - ١٠٦، الفاسي: شفاء الغرام ١/ ٤١٦، ابن ظهيرة: الجامع اللطيف، ص ١٣٤، وانظر: تعميرها في عهد المؤلف. وتنسب قبة السقاية إلى العباس بن عبد المطلب ﵁ بن هاشم بن عبد مناف (٥١ قبل الهجرة - ٣٢ هـ) سبقت ترجمته.
(٢) حاصلي: مثنى حاصل، والحاصل هو المخزن. أنيس: المعجم الوسيط، ص ٢٠١، وهما حاصلان مسقوفان باباهما في نفس الزيادة (زيادة باب إبراهيم) معدان لحفظ أخشاب المسجد الحرام المنكسرة والرصاص المتقلع وغير ذلك من الأنقاض. ابن ظهيرة: الجامع اللطيف، ص ١٣٤.
(٣) باب إبراهيم (باب الخياطين، الحناطين): وهو من أبواب الشق الغربي - ذو الستة أبواب - وهو في الزيادة من هذا الجانب بطاق واحد كبير، وإبراهيم المنسوب إليه هذا الباب خياط كان يزاول مهنته عنده على ما قيل وكان عليه باب خشبي قوي ذو مصراعين جدد في عمارة الملك الغوري (٩٠٦ - ٩٢٢ هـ) وكان ذلك سنة (٩١٥، ٩١٦ هـ). الأزرقي: أخبار مكة ٢/ ٨٩ - ٩٠، الفاسي: شفاء الغرام ١/ ٣٨٣، باسلامة: تاريخ عمارة المسجد الحرام ٢٥/ ١٢٧، عمارة: تاريخ عمارة وأسماء، ص ٩٦ - ٩٧.
(٤) أساطين جمع مفرده أسطوان: معرب "استون" الفارسية بمعنى "الدعامة" والأسطوانة السارية أيضا ويطلق مصطلح الأسطوان عامة على العامود المستدير إذا كان قطعة واحدة من الحجر أو الرخام. محمد أمين: المصطلحات المعمارية، ص ١٤.
(٥) المطاف هو: ما بين الكعبة ومقام إبراهيم الخليل ﵇، وما يقارب ذلك من جميع -
[ ١ / ٢٣٣ ]
[بآجرّ] (^١)، وذهب بقناديلها، والخشب الرابطة بين الأساطين إلا القليل، وتعتع بعض أساطين الطواف وبعض مقام الحنبلي (^٢) وأذهب بعض شرفاته وشرفات مقام الشافعي، وأذهب [بعض] (^٣) قناديل المطاف وبعض المقامات إلا اليسير، وغطى بعض أساطين الرواق الغربي إلا شيئا يسيرا وملأ زمزم، وذهب بمنبر الخطيب إلى مقابل باب المجاهدية (^٤) بجانب الرواق وأدخل المسجد أوساخا كثيرة، واستمر السيل حتى مات به
_________________
(١) = جوانب الكعبة. الفاسي: شفاء الغرام/ ٥٠٧.
(٢) وردت في الأصول "باجور" والمثبت هو الصواب.
(٣) وهو أحد المقامات الأربعة (الحنبلي والمالكي والحنفي والشافعي) التي كانت في الحرم الشريف ثم أزيلت في التوسعة السعودية. لم يحدد بداية بناء هذه المقامات ولكنه يرجح بداية بنائها في القرن الرابع أو الخامس الهجري حيث وصفها ابن جبير في رحلته. أما صفة المقامات فإنها غير مقام الحنفي أسطوانتان من حجارة، عليهما عقد مشرف من أعلاه، وفيه خشبة معترضة، فيها خطاطيف للقناديل، وما بين الاسطوانتين من مقام الشافعي لا بناء فيه، وما بينهما من مقام المالكي والحنبلي مبني بحجارة مبيضة بالنورة، وفي وسط هذا البناء محراب وكان عمل هذه الثلاثة المقامات على هذه الصفة في سنة ٨٠٧ هـ. أما صفة مقام الحنفي فأربع أساطين من حجارة منحوتة عليها سقف مدهون مزخرف وأعلا السقف مما يلي السماء مدكوك بالآجر مطلي بالنورة وبين الاسطوانتين المتقدمتين بناء فيه محراب مرخم. وكان ابتداء عمله على هذه الصفة سنة ٨٠١ هـ وفرغ منه سنة ٨٠٢ هـ. وعن مواضعها في المسجد الحرام فهي حول الكعبة المشرفة، ومقام الحنبلي يقع تجاه الحجر والمالكي بين الركن الغربي واليماني والحنفي بين الركنين الشامي والغربي أما الشافعي فهو عند مقام الخليل ﵇. ابن جبير: الرحلة، ص ٦٨، الفاسي: شفاء ١/ ٣٩١ - ٣٩٢، باسلامه: عمارة المسجد الحرام ص ٢٢٤ - ٢٢٧.
(٤) ساقطة في الأصل والمثبت ما بين حاصرتين من (ب).
(٥) باب المجاهدية: أحد أبواب المسجد الحرام من الجهة الجنوبية وهو الباب الخامس من سبعة أبواب بتلك الناحية، للمتجه إلى أجياد من الصفا وكانت عنده المدرسة المجاهدية نسبة إلى -
[ ١ / ٢٣٤ ]
خلائق لا يحصون (^١) منهم: الشيخ نابت (^٢) الزمزمي، وكان بالمصافي (^٣) فلما رأى المطر، جاء إلى القبة [السقاية] (^٤) فرفع بعض الكتب والحوائج على الرف بها وخرج والماء إلى نحو وسطه وأراد نحو بيتهم فقوي عليه السيل. ثم لم يعرف من حاله إلا أنه وجد عند مقام الخليل ﵊ في ليلة الجمعة سادس عشر الشهر ميتا ليس عليه شيء من ثيابه، وكان عليه صوف ولعله الذي [ادزنة] (^٥). وهدم أيضا دورا [كثيرة] (^٦) جدا بعضها لم يفرغ من بنائه (^٧). ومات تحتها خلق كثير منهم: الشريفة خديجة بنت
_________________
(١) = الملك المجاهد صاحب اليمن، وهو طاقان ويقال له باب الرحمة وباب أجياد. وهو أحد أبواب بني مخزوم على ما ذكره الأزرقي، لكون مساكنهم بتلك الجهة. ويطلق عليه الآن باب أجياد (زمن باسلامة) وله منفذان لكل منهما باب خشبي قوي بمصراعين. وقد بني عنده مرد للسيل. الأزرقي: أخبار مكة ٢/ ٩٠، الفاسي: شفاء الغرام ١/ ٣٨٢ - ٣٨٣، ابن ظهيرة: الجامع اللطيف، ص ١٣٦، باسلامة: عمارة المسجد الحرام ١٢٣، عمارة: تاريخ عمارة وأسماء، ص ٨٦ - ٨٨.
(٢) ابن إياس: بدائع الزهور ٣/ ١٩٨، الجزيري: الدرر الفرائد ١/ ٧٥٩.
(٣) وردت في الأصل "نايب" وفي (ب) "ثابت" والمثبت من ترجمته التالية. هو: نابت بن إسماعيل بن علي بن محمد بن داود الزمزمي المكي الشافعي. ولد سنة ٨٢٠ هـ بمكة ونشأ بها فحفظ القرآن والبهجة والارشاد وانتفع بعمه في الفرائض والحساب وغيرها وقرأ على الخطيب ابن القفصي النويري البخاري وغيره. وكان مجيدا عمل المواليد ونحوها. السخاوي: الضوء اللامع ١٠/ ١٩٤، ترجمة رقم ٢٤٨٢، الجزيري: الدرر الفرائد ١/ ٧٥٩ وفيه "ياسين بن إسماعيل الزمزمي".
(٤) وهو أحد أحياء مكة يقع في شعب أجياد الذي يأتي من الجنوب إلى الشمال ويدفع في وادي إبراهيم أمام المسجد الحرام. البلادي: معجم معالم مكة، ص ١٤.
(٥) ما بين حاصرتين إضافة من الجزيري: الدرر الفرائد ١/ ٧٥٩.
(٦) كذا وردت في الأصل، وفي (ب) "ارزنه" أو "ادزفه".
(٧) وردت في الأصول "كثيرا" والمثبت هو الصواب.
(٨) السخاوي: وجيز الكلام ١/ ٩٣١، وفيه وصف لما خلفه السيل من خسائر.
[ ١ / ٢٣٥ ]
أحمد بن موسى الشبطي العيني، والدة الشيخ سراج الدين معمر (^١) ابن الشيخ محي الدين يحيى ابن الشيخ أبي الخير بن عبد القوي (^٢) وأخته سقط عليها بيتهم. وممن سقط به البيت وأخذه السيل (^٣) القاضي سراج الدين عمر (^٤) ابن [قاضي] (^٥) القضاة أبي اليمن النويري المكي، ثم وجد بناحية باب (^٦) الماجن (^٧) ليلة الجمعة ووجد مكشوفا ليس عليه شيء فغطي وحمل. ومات خلق كثير خارج المسجد أيضا ودفن ليلة الجمعة والدة الشيخ معمر بالمعلاة وكان بها غسلها والصلاة عليها.
ودفن يوم الجمعة بالمعلاة الشيخ نابت (^٨) وسراج الدين عمر، وصلي على
_________________
(١) هو: علي شيخ العجمي نزيل مكة وأحد جماعة الشيخ محمد بن قاوان. تاجر يلقب بالخواجا. السخاوي: الضوء اللامع ٦/ ٦١ ترجمة رقم ٢٠٠.
(٢) الجزيري: الدرر الفرائد ١/ ٧٥٩.
(٣) السخاوي: الضوء اللامع ٦/ ١٢٥ وفيه أنه "سقط من شباك بيته وأخذه السيل ووجد بناحية باب الماجن وقد جرد اللصوص أثوابه".
(٤) هو: عمر ابن القاضي أمين الدين أبي اليمن محمد بن محمد بن علي العقيلي النويري المكي الشافعي ويعرف بابن أبي اليمن، ولد سنة ٨٥٠ هـ بمكة ونشأ بها وحفظ القرآن وكتبا، وأكثر من التلاوة والطواف والقيام والصيام وحضر الدروس وتودد للغرباء مع لسان حاد توفي شهيدا بالسيل عن ٣٧ سنة، السخاوي: الضوء اللامع ٦/ ١٢٥ ترجمة رقم ٤٠٥، وجيز الكلام ٣/ ٩٣٤ - ٩٣٥، ترجمة رقم ٢١٠٨.
(٥) وردت في الأصول "القاضي".
(٦) وردت في الأصل "مناب" والمثبت عن (ب) وعن السخاوي: الضوء اللامع ٦/ ١٢٥، الجزيري: الدرر الفرائد، ١/ ٧٥٩.
(٧) يقع في سور مكة من جهة اليمن بأسفلها ويعرف بسور اليمن وبسور باب الماجن أو الماجل نسبة لبركة بالقرب منه يقال لها بركة الماجن أو الماجل أو ماجد تحريفا. الفاسي: العقد الثمين ١/ ٢٨، شفاء الغرام ١/ ٢٣.
(٨) وردت في الأصل "نايب" و(ب) "ثابت" والمثبت عن مصدر ترجمته السابقة.
[ ١ / ٢٣٦ ]
أولهما بالمعلاة وعلى ثانيهما بالمطاف عند الحجر (^١) وشيعهما ناس قليلون لتوالى المطر في هذا اليوم أيضا.
وشرع في تجهيز الأموات من قبل صلاة الجمعة، فصاروا يغسلون من زمزم الرجال بفرشة زمزم والنساء داخل زمزم. وجاء القاضي الشافعي وغيره، ويقال إنه الخواجا شيخ محمد قاوان بثياب للتكفين، [ويحملون] (^٢) إلى المعلاة وإلى الشبيكة بعد [الصلاة] (^٣) فيما أظن، واستمروا يفعلون ذلك حتى في ليلة السبت وبعض يومها، وأحصى ذلك فكانوا مائة [وبضعا] (^٤) وعشرين (^٥)، وهؤلاء هم الذين غسلوا بزمزم وصفّتها، وكثير عرفهم أهلهم/ [وأخذوهم وجهزوهم] (^٦). وتركت الجماعة
_________________
(١) السخاوي: الضوء اللامع ٦/ ١٢٥ وفيه "وجعل نفسه فوق شاذروان الحجر لتعذر وضعه عند باب الكعبة"، الجزيري: الدرر الفرائد ١/ ٧٥٩. الحجر (حجر إسماعيل): بكسر الحاء وسكون الجيم، ما بين الركن الشامي والركن الغربي من الكعبة المشرفة من جهة الميزاب، وأما صفته فهو عرصة مرخمة لها جدار منقوش على صورة نصف دائرة وارتفاع جداره دون القامة. وكانت حجارته بادية فعمره الخليفة المنصور العباسي سنة ١٤٠ هـ بستره بالرخام ثم جدده الخليفة المهدي سنة ١٦١ هـ، وجدده المتوكل سنة ٢٤١ هـ، وعمر بعد ذلك عدة مرات منها عمارة حسنة في المحرم سنة ٨٢٦ هـ بأمر متولي العمارة زين الدين مقبل القديدي، ثم توالت عليه التجديدات. منها عمارة السلطان قايتباي سنة ٨٨١ هـ، وعمارة السلطان قانصوه الغوري سنة ٩١٦ هـ. والجزء الأمامي من الحجر بمقدار ستة أذرع وشبر هو من الكعبة لأن قريشا حين بنتها قصرت بها النفقة الحلال فتركت ذلك من الكعبة في الحجر. الأزرقي: أخبار مكة ١/ ٣٢٠ - ٣٢٢، الفاسي: شفاء الغرام ١/ ٣٤٥ - ٣٤٧، الكردي: التاريخ القويم ٣/ ١١٩ - ١٢٠.
(٢) وردت في الأصول "يحملوا" والمثبت هو الصواب.
(٣) وردت في الأصول "صلاة" والمثبت هو الصواب.
(٤) وردت في الأصول "بعضا" والمثبت هو الصواب.
(٥) ابن إياس: بدائع الزهور ٣/ ١٩٨ وفيه "نحو سبعين نفسا".
(٦) وردت في الأصول "وأخذهم وجهزهم" والمثبت هو الصواب.
[ ١ / ٢٣٧ ]
إلى صلاة الجمعة ففعلت [أعلى] (^١) الرواق الشرقي. وحضرها الناس، وبعد الصلاة أعاد صلاة الظهر قاضي القضاة الشافعي ناظر المسجد الحرام برهان الدين بن ظهيرة لظنه أنه لم يسمع الخطبة أربعون مقيمون مستوطنون وائتم به أناس قليلون، وأقيمت الصلاة من حينئذ بسطح المسجد الحرام بالرواق المذكور.
[و] (^٢) في يوم السبت سابع عشر الشهر غسلوا داخل (^٣) البيت، وشرع بعض المتطوعة في تنظيف جانب الكعبة من جهة المغرب، فنظف نحو ذراعين في طوال الجهة كلها. ثم نظفوا الحجر أيضا كله في هذا اليوم. ثم شرع ناظر المسجد الحرام قاضي القضاة الشافعي برهان الدين بن ظهيرة في تنظيف المسجد الحرام من يوم الأحد ثامن عشر الشهر، فبدأ [بالمطاف] (^٤)، وحضر جمّع كثير من الرؤساء وغيرهم تطوعوا بالحمل وبإتيان عمال وفعلة، منهم: الخواجا شيخ محمد قاوان، وكان ما أحضره من العمال نحو الخمسين وجماعته نحو العشرين فيما يقال، والخواجا جمال الدين الطاهر وأخوه نور الدين علي وصهره محمد القاري، وأحضروا عبيدا لهم كثيرا، وبعض التجار فعل أيضا كذلك. وكان ما [صرفه] (^٥) القاضي الشافعي في أول يوم عشرين دينارا ومحلّقا ثم صلى الإمام بالناس عند الكعبة ظهر هذا اليوم. واستمر العمل كل يوم إلى أن فرغ [من] (^٦)
_________________
(١) وردت في الأصول "باعلا" والمثبت هو الصواب.
(٢) ساقطة في الأصل والمثبت ما بين حاصرتين عن (ب).
(٣) وردت في الأصل "ذخل" والمثبت من (ب).
(٤) وردت في الأصول "بالطواف" والمثبت هو الصواب.
(٥) وردت في الأصول "أصرفه" وهو مصطلح متداول ومعروف عند الناس في ذلك العصر ومنها كلمة "أخلع" و"أبيع". ابن تغرى بردي، النجوم الزاهرة ١٥/ ٨ حاشية رقم (٨).
(٦) ما بين حاصرتين إضافة يستقيم سياق المعنى.
[ ١ / ٢٣٨ ]
تنظيف المسجد [وقطعت] (^١) حاشية المطاف من ثانيه أيضا، وغربلت [بطحاؤه] (^٢) [و] (^٣) وضعت بها في يوم. وفرغ من [المطاف] (^٤) ثاني يوم العمل. وحضرت في هذا اليوم وحملت مع [الحملة] (^٥) الفعلة مع غيري والله يثيب المحسنين ويجير مصاب المسلمين في هذا الرزء (^٦) العظيم الذي ذرفت منه العيون، ووجلت منه القلوب فإنه كان عبرة لمن اعتبر، فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وفي يوم الاثنين تاسع عشر الشهر شمّت رائحة بباب إبراهيم، فرفع هدم جدار بيت الشيخ حسين الفتحي فوجد تحته رجل ميت وامرأة - كانت بوابة بباب إبراهيم - بها رمق ثم إنها ماتت في يومها.
وفي يوم الأربعاء حادي عشري الشهر وجد تحت الأوساخ التي بباب الصفا (^٧)
_________________
(١) وردت في الأصول "قطع" والمثبت هو الصواب.
(٢) وردت في الأصول "بطحأه" والمثبت هو الصواب.
(٣) ما بين حاصرتين إضافة يستقيم بها سياق المعنى.
(٤) وردت في الأصول "الطواف" والمثبت هو الصواب.
(٥) ساقطة في الأصل والمثبت ما بين حاصرتين عن (ب).
(٦) الرّزء: المصيبة. الفيروزآبادي: القاموس المحيط، ص ٥٢، أنيس: المعجم الوسيط، ص ٣٦٥.
(٧) باب الصفا: ويقع في الجهة الجنوبية من المسجد الحرام وهو ثالث الأبواب السبعة الموجودة في تلك الجهة للمتجه من الشرق إلى الغرب وله خمسة منافذ وهو الوحيد من أبواب الحرم ذو خمسة منافذ وأنشئ في عمارة الخليفة المهدي العباسي الثانية سنة ١٦٤ هـ ولكل منفذ مصراعان من الخشب القوي وله أربع عشرة درجة ينزل منها إلى المسجد الحرام وقيل عشرة. وكان يسمى باب بني عدي أو باب بني مخزوم. الأزرقي: أخبار مكة ٢/ ٨٩ - ٩٠، الفاسي: شفاء الغرام ١/ ٣٨٢، باشا: مرأة الحرمين ١/ ٢٣١، باسلامة: عمارة المسجد الحرام، ص ١٢١ - ١٢٢، عمارة: تاريخ عمارة وأسماء، ص ٨٣. والصفا: جمع صفاة، العريض من -
[ ١ / ٢٣٩ ]
ولد المعلم جار الله المسمى الباني كان فقده [أهله] (^١)، وظن [أنه] (^٢) ذهب السيل به، فحمله وجهزه.
وفي ثاني تاريخه وجد أيضا تحت الأوساخ امرأة وصغير.
وفي يوم الجمعة ثالث عشري الشهر خطب الخطيب على باب الكعبة، وطلع إليه على درجة باب الكعبة، وكانت جعلت أولا عند مكان العادة، وكان الخطيب أمر بحملها إلى هناك، وعرض في خطبته بناظر المسجد الحرام، وجعل يقول: يا أيها القاضي ما كذا. يا أيها القاضي ما كذا، وكأنه جعل ذلك في مقابل كونه لم يأمر بحمل المنبر العادة إلى محله، وإعادته صلاة الجمعة الماضية ظهرا (^٣). وهذا هو [ما] (^٤) صرح به والله [أعلم] (^٥).
وفي هذا اليوم وصل [ساع] (^٦) من الينبوع، ولم نسمع بخبره حقيقة، إلا أنه
_________________
(١) = الحجارة الملس وهو أكمة صغيرة بالمسجد الحرام وهي بداية السعي من جهة الجنوب وهي من أصل جبل أبي قبيس وعلى مقربة منه باب للمسجد الحرام ينسب إليه. وكانت في السابق مفصولة عن المسجد الحرام وبينها طريق بعرض الوادي. باشا: مرأة الحرمين ١/ ٣٢٠، البلادي: معجم معالم الحجاز ٥/ ١٤٢ - ١٤٣، معجم معالم مكة، ص ١٥٢.
(٢) ساقطة في الأصل والمثبت ما بين حاصرتين عن (ب).
(٣) ما بين حاصرتين إضافة يستقم بها سياق المعنى.
(٤) السخاوي: وجيز الكلام ٣/ ٩٣٢، وقال السخاوي: "ومع ذلك فلم يرعوا الخطيب، حيث لوّح، بل صرح بألفاظ فظيعة أجنبية فاصلة بين أركان الخطبة أو بينها وبين الصلاة مما لو حكي لي ما قبلته، وهو مبطل لها، ولا يرضاه من له أدنى عقل ودين حول بيت رب العالمين".
(٥) ما بين حاصرتين إضافة يستقيم سياق المعنى.
(٦) ما بين حاصرتين إضافة يقتضيها بها سياق المعنى.
(٧) وردت في الأصول "ساعي" والمثبت هو الصواب.
[ ١ / ٢٤٠ ]
يقال إنه وصل معه خبر بأن مع أمراء الحاج ترك كثير، سمعنا أنه لم يكن لخبر الترك حقيقة. والله أعلم.
وفي يوم السبت رابع عشري الشهر حمل منبر الخطيب إلى مكانه وقد تكسر فيه بعض [درجه] (^١) ودربزينه التي من جهة زمزم، وشرع في تقويم العواميد الحجارة التي بالمطاف بالرصاص فعمل [عمود] (^٢) واحد فمسكه بعض الناس بالليل فطاح على الحجارة [بالمطاف] (^٣) فتكسر بعض كسر. قال: إنه وجد عمود غيره، وعمل ثاني يوم [فيها] (^٤) وفي الخشب الرابط بين الأساطين وفي الأساطين التي بالآجر، وفرغ من [عملها جميعها] (^٥) خلا [تثبيطها] (^٦) في يوم الثلاثاء سابع عشري الشهر. وكان جملة ما غرمه القاضي الشافعي الناظر مائتان وسبعة [وأربعين] (^٧) دينارا.
وفي يوم الأحد خامس عشري الشهر أحرم [للكعبة] (^٨)، وجاء قاصد من الحجاج يقال إنه: تقدم من ينبع والله أعلم. ولم نعلم من خبره شيئا، وجاء معه بكتاب للشريف سلطان الحجاز محمد بن بركات.
_________________
(١) وردت في الأصول "درج" والمثبت هو الصواب.
(٢) وردت في الأصول "عامودا" والمثبت هو الصواب.
(٣) وردت في الأصول "المطاف" والمثبت يستقيم به سياق المعنى.
(٤) وردت في الأصول "فيهم" وهو بذلك يجري على مالا يعقل ضمير العاقل.
(٥) وردت في الأصول "عملهم جميعهم" والمثبت هو الصواب.
(٦) وردت في الأصول "تثبيطهم"، وربما تكون اللفظة محرفة عن "تنفيطها" أي طلائها بالنفط بما يشبه (السفلتة). وهو قطران الفحم الحجري أنيس: المعجم الوسيط، ص ٩٨٢.
(٧) وردت في الأصول "واربعون" والمثبت هو الصواب.
(٨) وردت في الأصول "الكعبة" والمثبت يستقيم به سياق المعنى.
[ ١ / ٢٤١ ]
وفي يوم الاثنين سادس عشري الشهر وصل الشريف محمد بن بركات إلى مكة المشرفة.
وفي يوم الثلاثاء سابع عشري الشهر وصل سبق من ركب المحمل وفيهم فرج (^١) ابن تنم نائب الشام ابن امرأة أمير الركب أزبك الخازندار (^٢)، وتقدموا عنهم من رابغ (^٣).
وفي ليلة الأربعاء ثامن عشري الشهر وصل أمير الركب الأول دولات باي (^٤) مشد الشون (^١)، وطاف وسعى ثم عاد إلى الزاهر. وفي صبيحة تاريخه خرج للقائه السيد
_________________
(١) هو: فرج ابن نائب الشام تنم المؤيدي، ولد ببرج الإسكندرية حين كان أبوه محبوسا به في الأيام الإينالية. وقرأ القرآن وشارك في حرف كالنجارة والطبخ مع رمي بالنشاب ونحوه. مات في سنة ٨٨٨ هـ وهو شاب أمرد طري ابن ٢٣ سنة. السخاوي: الضوء اللامع ٦/ ١٦٨ ترجمة رقم ٥٦٣، ابن إياس: بدائع الزهور ٣/ ٢٠٠.
(٢) الخازن: كاتب يتولى خزن الغلات وصرفها وعليه سداد ما يعجز من عهدته، وقد يضاف إليها اللفظ الفارسي "دار" فتكون "الخازندار". وهو الذي يتولى أعمال خزانة السلطان أو الأمير أو غيرهما وفي عهدته ما بها من أموال وغلال. القلقشندي: صبح الأعشى ٤/ ٢١، ٥/ ٤٣٥، الباشا: الفنون الإسلامية ١/ ٤٥٣.
(٣) رابغ: بعد الألف باء موحدة وآخره غين معجمة. واد يقطعه الحاج بين البزواء والجحفة دون عزور. وقال الحازمي بطن رابغ واد من الجحفة له ذكر في المغازي وفي أيام العرب. وقال الواقدي: هو على عشرة أميال من الجحفة فيما بين الجحفة والأبواء. ياقوت: معجم البلدان ٣/ ١١.
(٤) هو: دولات باى الحسني الظاهري جقمق تنقل حتى صار شاد الشون وحج وهو كذلك بالركب سنة ٨٨٧ هـ. ثم استقر في رأس نوبه ثاني في سنة ٨٩٠ هـ ومات في المقتلة في رمضان سنة ٨٩٣ هـ. السخاوي: الضوء اللامع ٣/ ٢٢١ ترجمة رقم ٨٢٨، ابن إياس: بدائع الزهور ٣/ ١٩٧، ٢١٧.
[ ١ / ٢٤٢ ]
الشريف محمد بن بركات وخلع عليهما [هناك] (^٢) خلعتين، وخلع على باش الترك برسباي خلعة فإنه خرج للقائه، ودخلوا مكة جميعا.
وفي ليلة الخميس تاسع عشري الشهر دخل أمير حاج المحمل المصري أحد مقدمي الألوف أزبك الخازندار مكة المشرفة، وطاف وسعى وخرج إلى الزاهر فبات به إلى الصباح، فتوجه إليه السيد الشريف محمد بن بركات وولده السيد بركات، وأمير الركب/الأول دولات باي والأمير الباش بمكة برسباي، وخلع عليهم ودخلوا جميعا مكة.
وفي هذا اليوم وصل محمد (^٣) بن مرعي قاصدا من مصر يأمر بطلب وصي الخواجا علي بن عبد اللطيف البرلسي.