في يوم الأربعاء ثاني الشهر اجتمع القاضي برهان الدين بن ظهيرة الشافعي وأخوه قاضي جدة فخر الدين أبو بكر والقاضي الحنفي شرف الدين أبو القاسم بن الضياء، والقاضي المالكي نجم الدين بن يعقوب وابنه، والأمير الباشا إينال (^٢) الجر كسي، والأمير المحتسب سنقر الجمالي وغيرهم بالحطيم (^٣) وقرئ مرسوم للقاضي الشافعي ليس غير، وهو يتضمن وصول نائب جدة القاضي أبى الفتح والتوصية به، وأنه أرسل للقاضي خلعة فليتقدم بلبسها على العادة، وتاريخه محرم الحرام سنة
_________________
(١) = نفد ما بيده وأدانه جدا بحيث ضربه وأدخله البيمارستان، توفي في سنة ٩٠٣ هـ، وتولى بعده نيابة جدة شاهين الجمالي. السخاوي: الضوء اللامع ١٠/ ٣٥ ترجمة رقم ٩٨، ابن إياس: بدائع الزهور ٣/ ٢٥٢، السبكي: معيد النعم، ص ٣١.
(٢) وردت في الأصول "المراسيل" والتعديل هو الصواب، وقد جرت العادة على ورود كلمة المراسيم مع الخلع. ويؤكد ذلك ما ورد بعد ذلك من قراءه المرسوم الخاص بالقاضي برهان الدين ولبسه الخلعة.
(٣) ما بين حاصرتين إضافة يستقيم به سياق المعنى.
(٤) وردت في الأصل "ينال"، والتعديل هو الصواب من (ب).
(٥) الحطيم: ما بين الركن والمقام وزمزم والحجر وقيل غيره، وقد اختلف في سبب تسميته بذلك، فقيل لأن العرب كانت تطرح فيه ما طاقت من الثياب فيبقى حتى يتحطم من طول الزمن، وقيل لأن الناس كانوا يحطمون هناك بالأيمان، فقل ما دعا هناك على ظالم إلا هلك، وقل ما حلف إلا عجلت له العقوبة. الأزرقي: أخبار مكة ٢/ ٢٣، الفاسي: شفاء الغرام ١/ ٣١٨ - ٣١٩، وحين أصبح لبئر زمزم بناء مرتفع بقبة أصبحت هناك ظلة يجلس بها شريف مكة والأعيان وذكر ذلك العز في عدة مواضع.
[ ١ / ١٣٧ ]
تاريخه. لبس خلعته (^١)، ولبس أخوه خلعه، والخواجا محمد (^٢) قاوان، وكان جالسا إلى جانب القاضي الشافعي فوق الحنفي والمالكي.
وفي ليلة الخميس ثالث (^٣) الشهر مات ابن للشيخ مزروع وهو مراهق البلوغ - وكتب بمعنى (^٤) - وصلي عليه بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة ودفن من يومه بالمعلاة.
وفي يوم الخميس المذكور مات الخواجا جمال الدين محمد (^٥) بن مهدى بن حسن الطائي (^٦) الشهير بابن مهدي صهر الخواجا جمال الدين الطاهر، وصلي عليه بعد صلاة العصر عند باب الكعبة، ودفن من يومه بالمعلاة بتربة صهره.
_________________
(١) ويعود الضمير هنا إلى قاضي القضاة برهان الدين بن ظهيرة.
(٢) هو: محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد الشمس بن الشهاب الخواجا ابن الخواجا الكيلاني الأصل، نزيل مكة ويعرف بابن قاوان. ولد تقريبا قبل العشرين وثمانمائة ونشأ على كنف والده وقرأ على بعض الفضلاء وقدم القاهرة مع والده سنة ٨٣٦ هـ وأخذ عن جماعة منهم الزين الزركشي ثم رجعا وقطن مكة ثم قدم القاهرة سنة ٨٧٧ هـ وأكرمه الأشرف قايتباي ثم سافر للقدس وعاد إلى مكة وكان موفور الذكاء واسع العطاء. السخاوي: الضوء اللامع ٧/ ٥٣ - ٥٤ ترجمة رقم ١٠٨، وجيز الكلام ٣/ ٩٥٣ - ٩٥٤، ترجمة رقم ٢١٤١، ابن طولون: متعة الأذهان ٢/ ٦٠٥ ترجمة رقم ٦٨٣.
(٣) وردت في الأصول "ليلة" والتعديل يستقيم به سياق المعنى.
(٤) وردت كذا في الأصول.
(٥) السخاوي: الضوء اللامع ١٠/ ٥٣ ترجمة رقم ١٨٨.
(٦) وردت في الأصل "الطاي" والتعديل من (ب) ومن ترجمته في المرجع السابق.
[ ١ / ١٣٨ ]
وفي عصر تاريخه مات الخواجا ابن الخواجا أحمد البزاز الشهير بالعاقل، وصلي عليه ثاني يوم تاريخه بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة، ودفن من يومه بالمعلاة بالقرب من السور.
وفي يوم الجمعة المذكور وهو حادي عشر الشهر مات ابن ريحان المكي الشهير بابن ريحان الملحق، وصلي عليه بعد صلاة العصر عند باب الكعبة ودفن من يومه بالمعلاة.
وفي ليلة السبت ثاني عشر الشهر كان عقد أبى اليمن محمد ابن قاضي القضاة محب الدين أحمد بن قاضي القضاة جلال [الدين] (^١) أبى السعادات بن ظهيرة على بنت عمه فاطمة بنت القاضي شرف الدين [عبد الكريم] (^٢) أبى القاسم الرافعي الشافعي.
وفي يوم الجمعة ثاني عشر الشهر وصل قاصد من السيد الشريف محمد بن بركات ومعه أوراق من القاهرة وصل بها القاصد السيد عنقاء (^٣) من
_________________
(١) ساقطة في الأصل والمثبت ما بين حاصرتين إضافة عن (ب).
(٢) ساقطة في الأصل ووردت في (ب) "شرف الدين عبد الرحيم" والصواب ما أثبت عن ترجمته: السخاوي: الضوء اللامع ١٢/ ٩٥ ترجمة رقم ٥٩٤.
(٣) هو: عنقاء بن وبير بن محمد بن عاطف بن أبي دعيج بن أبي نمى الشريف الحسني قريب صاحب الحجاز وصهره على ابنتيه واحدة بعد أخرى بل على أخته قبلهما، ورسوله إلى سلطان مصر بالإعلام بانقضاء الحج وبغير ذلك من ضروراته، ويجتمعان في أبي نمى فهما ابنا عم، وهو أكبر منه باثني عشر عاما فيكون مولده عام ٨٥٢ هـ تقريبا. صارت له جلالة عند أعيان الديار المصرية بحيث يرجع محبورا مجبورا، وربما أرسله لغير مصر من الجهات القريبة، ثم اختلف عليه لتوهمه استمالته مع المصريين وأمره بفراق ابنته، وهو ممن يحفظ القرآن ويكثر تلاوته، توفي في يوم الثلاثاء ثالث عشر شهر صفر سنة ٩١٤ هـ ودفن بالطائف. السخاوي: الضوء اللامع ٦/ ١٤٩ ترجمة رقم ٤٦٨.
[ ١ / ١٣٩ ]
القاهرة، وفي الأوراق أخبار كثيرة، منها نفي الأمير خايربك (^١) إلى الشام (^٢)، وتوجه مع الأمير الكبير (^٣) أزبك (^٤) لما توجه - باش
_________________
(١) هو: خايربك. وقد تثبت الألف بعد المعجمة. الأشرفي برسباي. صار من بعد أستاذه خاصكيا وخازندارا صغيرا ثم صار دوادارا صغيرا، واستمر في الترقي إلى أن جعله الأشرف قايتباي أحد المقدمين ثم حصل بينه وبين السلطان ما أدى إلى نفيه بسبب سؤاله في اقطاعه تقدمة الدوار يشبك من مهدي بعد مقتله، فنفي إلى الشام بصحبة الأتابك أزبك، ثم أكرم - بعد أن سأل ذلك - بإرساله إلى مكة وأقام بها إلى أن توفي. وكان ممن اشتغل بالعلم وكان حسن الخط. السخاوي: الضوء اللامع ٣/ ٢٠٧ ترجمة رقم ٧٧٨، وجيز الكلام ٣/ ٩٣٦ ترجمة رقم ٢١١٣، التحفة اللطيفة ١/ ٣٢٥ ترجمة رقم ١١٥٣، ابن إياس: بدائع الزهور ٣/ ١٩٤، ١٧٦، ابن طولون: متعة الأذهان ١/ ٣٥٣ ترجمة رقم ٣٣٤.
(٢) وسبب نفي الأمير خايربك إلى الشام هو أنه طلب من السلطان الأشرف قايتباي اعطاءه إقطاع أحد الأمراء، فغضب منه السلطان ولامه على سؤاله فخرج من عنده وانعزل عن الناس ببيته، وتكلم في حق السلطان، فلما بلغ ذلك السلطان أمره بالحضور فاختفى بأحد الجوامع فأرسل إليه السلطان من وضعه في الحديد ومثل بين يديه فوبخه بكلام وأراد الفتك به ثم آل أمره إلى نفيه إلى الشام فخرج إليها صحبة الأتابك أزبك. ابن إياس: بدائع الزهور ٣/ ١٧٦.
(٣) الأمير الكبير: لم يكن هذا اللقب مرتبطا منذ بداية استعماله بوظيفة معينة، ولكنه كان يطلق على كبار الأمراء. وقد يعتبر لقب "الكبير" لقبا فرعيا يرد في الترتيب المكاني بعد لقب الأمير أو القاضي أو الصدر. وقد أطلق في سنة ٧٥٥ هـ على أمير العساكر ومن ذلك الوقت صار يطلق على الأتابك رغم أن هناك أمراء كبارا آخرين إلى جانب الاتابك وأصبحت تساوي أتابك العسكر أو اسما له وهي من أعلى المراتب، وحظي أصحابها بالخلع والألقاب وأحاطوا أنفسهم بمظاهر البذخ. البقلي: التعريف، ص ٤٩، الباشا: الفنون الإسلامية ١/ ٢٤٤ - ٢٤٩.
(٤) وردت في الأصول "يزبك" وكذا في بقية المواضع، والتعديل هو الصواب عن ترجمته التالية وهو ما أثبتناه في بقية المواضع دون الإشارة. هو: أزبك من ططخ الأتابكي، الأشرفي نسبة للأشرف برسباي ثم الظاهري نسبة للظاهر جقمق، جلبه تاجر المماليك ططخ من بلاد الجركس فاشتراه الأشرف برسباي سنة ٨٤١ هـ فجعله أحد كتبته، ثم انتقل إلى الظاهر جقمق وأعتقه وزوجه ابنته، فلما ماتت تزوج أختها، -
[ ١ / ١٤٠ ]
العسكر (^١) - إلى حلب (^٢)، بعد أن حبس أياما ببرج القلعة (^٣) وحبس معه الجركسي الذي كان باش مكة (^٤)،
_________________
(١) = وقد تدرج في الرتب حتى وصل إلى أتابك العساكر وهو منصب يعادل وزير الدفاع حاليا، واستمر ٢٨ عاما في الأتابكية، وقاد جيوش المماليك في حروب ضد الدول التركمانية المجاورة لحدود دولة المماليك بالشام وكذلك حارب الدولة العثمانية عدة مرات وحقق انتصارات كبيرة. وكان عظيم القدرة والمهابة، حج عدة مرات، وكان ينوب عن السلطان قايتباي في الاحتفال بكسر سد الخليج وإمارة الحج والسفارات وغير ذلك، وكان عظيم الثراء وخلف ثروة طائلة، وقد توفى يوم الأحد ٢٤ رمضان سنة ٩٠٤ هـ عن عمر يناهز ٨٤ عاما. السخاوي: الضوء اللامع ج ٢ ص ٢٧٠ - ٢٧٢؛ ابن إياس: بدائع الزهور ج ٣ ص ٤١١ - ٤١٣.
(٢) باش العسكر (باش العساكر): وهو اسم وظيفة يتألف من لفظة باش التركية بمعنى رأس أو رئيس والعساكر بمعني الجنود، وهي وظيفة عسكرية عالية في عصر المماليك، وقد يجمع صاحبها بينها وبين وظيفة أخرى. الباشا: الفنون الإسلامية ١/ ٢٩٣ - ٢٩٤.
(٣) وقد خرج الأتابك أزبك إلى حلب على تجريدة للدفاع عنها بصحبة بعض الأمراء منهم خاير بك منفيا. ابن إياس: بدائع الزهور ٣/ ١٧٥ - ١٧٦.
(٤) القلعة (قلعة الجبل): وهي القلعة المعروفة بالقاهرة والواقعة على سفح جبل المقطم وعلى ارتفاع ٢٥٠ قدما، وقام ببنائها صلاح الدين الأيوبي سنة ٥٧٣ هـ، وقد تم ذلك على يد قراقوش بن عبد الله بهاء الدين، وقد توفي صلاح الدين قبل أن ينتهي بناء القلعة فأهمل العمل مدة إلا أن السلطان الملك الكامل أتمها وسكنها، واستمرت دارا للحكم في مصر حتى سنة ١٢٦٧ هـ. وقد طرأ على بنائها تغييرات عديدة وإضافات في أزمان مختلفة. القلقشندي: صبح الأعشى ٣/ ٤٢١ - ٤٢٢، البكري: المنح الرحمانية، ص ٧٨ حاشية (٢). أما البرج الذي أشار إليه المؤلف، فهو أحد أبراج القلعة المذكورة وكان من سجونها، وقد كان هذا البرج موجودا ثم عند تجديد محمد علي باشا لمباني القلعة بين سنتي ١٢٢٨ م - ١٢٤٤ م هدم ذلك البرج وجدد في مكانه برجا أصغر من القديم لا يزال قائما إلى اليوم ويعرف ببرج المقطم لأنه يشرف على جبل المقطم، وهو قائم في الساحة التي بها ثكنات الجيش على يمين الداخل من البوابة الداخلية بقلعة الجبل. ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ١٠/ ٤٣ حاشية (٣).
(٥) وهو: إينال الجركسي.
[ ١ / ١٤١ ]
ثم ما علمت ما اتفق له هناك (^١).
وفي ليلة الثلاثاء ثاني عشري الشهر عقد كاتبه الملتجي إلى [عفو] (^٢) الله وكرمه عبد العزيز بن عمر بن محمد [بن محمد] (^٣) بن فهد الهاشمي المكي الشافعي لطف الله بهم في الدارين وغفر له ولوالديه وإخوانه وجميع المسلمين على بنت عمه كمالية (^٤) بنت أبى بكر محب الدين أحمد، وفقنا الله لمرضاته، [وبنى] (^٥) بها في ليلة الأحد سابع عشري الشهر، جعل الله منهما ذرية صالحة إن شاء الله تعالى باقية إلى يوم الدين، آمين.