وفي يوم الاثنين ثاني الشهر أمر قاضي القضاة الشافعي شيخ المدرسة الأشرفية (^١) برهان الدين بن ظهيرة الشافعي أهل الحضور بعد العصر لقراءة الربعة أن يقرؤوا الفاتحة بعد الدعاء ويدعوا كل واحد للسلطان بالنصر وما عرفنا ما السبب في ذلك، إلا أن الناس يقولون لعل جاء في الجلاب الواصلة من الطور خبر غير سار يتعلق بالسلطان (^٢).
_________________
(١) المدرسة الأشرفية: نسبة إلى منشئها السلطان الأشرف قايتباي الذي أمر ببناء هذه المدرسة قرب المسجد الحرام. وكانت هذه المدرسة مشرفة على المسجد الحرام مقابل باب إبراهيم، وجعل فيها اثنين وسبعين خلوه ومكتب للأيتام ومأذنة وبنيت هذه المدرسة بالرخام الملون وقرر بها أربعة مدرسين على المذاهب الأربعة وكان الانتهاء من العمل فيها سنة ٨٨٣ هـ وحج السلطان قايتباي في سنة ٨٨٤ هـ واطمأن بنفسه على العمارة، وممن تولى المشيخة بها القاضي البرهاني عالم الحجاز وولده الجمالي أبي السعود. النجم ابن فهد: إتحاف الورى ٤/ ٦١٢، ٦٣٨، ٦٣٩، ٦٤٥ - ٦٤٨.
(٢) والخبر الواصل: هو انكسار عسكر السلطان الذي خرج من القاهرة في شهر ربيع الأول عام ٨٨٩ هـ وتقاتل مع عسكر علي دولات أخي سوار وقتل جماعة كثيرة من الجند. وقد جهز السلطان عسكرا آخر لنفس الغرض وفرق عليهم النفقة في شهر ربيع الآخر سنة ٨٨٩ هـ، وكانوا عند خروجهم نحو ألف مملوك، لذا كان الدعاء لمن خرج بالنصر. ابن إياس: بدائع الزهور ٣/ ٢٠٦، ٢٠٧، ابن طولون: مفاكهة الخلان، ص ٥٥. وفيه "خبر الحملة ووصولها إلى بلاد الشام".
[ ١ / ٣٥٤ ]
وفي يوم الأربعاء (رابع الشهر) (^١) ولد عبد القادر بن أبي بكر بن عبد القادر ابن عبد الحي بن ظهيرة أمه بنت عم والده زبيدة بنت - القاضي بجدة - محب الدين (^٢) بن عبد الحي بن ظهيرة.
وفي يوم السبت سابع الشهر قسمت صدقة شاشات (^٣)، وصلت من دابول على يد ملك التجار أحمد ابن الخواجا جهان محمود قاوان، وحصل لكل قاض عشرون شاشا، وللخطيب ستة عشر، وللقاضي جمال الدين أبي السعود بن ظهيرة أربعة عشر، ولبعض الناس اثنا عشر، وعشرة، وثمانية، وستة، وأربعة، واثنان وواحد، وكنت ممن حصل له سبعة، ورد الخطيب وقال: أنا لي في الشاشات التي تجيء العادة خمسة وعشرون فزيد أربعة أخرى فرد أيضا. ويقال: إن هذه الشاشات هي التي كانت تصل في كل عام على يد والده الخواجا جهان وليست من عنده، ففرقها ولده على هذه الهيئة ليسد بها عنه فإن الناس من الفقراء تطلعوا إلى شيء منه خصوصا لما أهدي لبعض الرؤساء شيئا من ذلك بخسا، كان الأولى به تركه، وعيب عليه ذلك، بل وأخذه لهذه
_________________
(١) ساقطة في متن الأصل واستدركها الناسخ على الهامش الأيمن للورقة في الأصل.
(٢) هو: أحمد بن عبد الحي القيوم بن أبي بكر بن عبد الله بن ظهيرة بن أحمد بن عطية بن ظهيرة محب الدين القرشي الشافعي قاضي جدة. ولد سنة ٨٣٣ هـ، وأمه من زبيد نشأ بمكة وحفظ القرآن وسمع على جماعة وأجاز له جماعة دخل مصر غير مرة وكذا دمشق وناب في قضاء جدة عن الكمال أبي البركات بن ظهيرة. وحمدت سيرته، توفي في يوم الأربعاء الثالث عشر من شهر ربيع الأول سنة ٩٠٦ هـ بجدة وحمل إلى مكة ودفن بها. السخاوي: الضوء اللامع ١/ ٣٢٢ - ٣٢٣.
(٣) شاشات جمع مفرده شاشة (منديل العمامة): والشاش هو الموسلين الطويل الذي يلف حول العمامة كلباس للرأس وهو من الأزياء ذات الصبغة الرسمية الحافلة، ومنه نوع به نقوش باهرة من الحرير الملون. ماير: الملابس المملوكية، ص ١٠٤، ١٠٥.
[ ١ / ٣٥٥ ]
الشاشات وتفرقتها على هذا الحال، كونها لناس مخصوصين غالبهم فقراء، كان يحصل لهم بها رفق عظيم، ويقال إنها: ليست التي تجيء العادة بل أرسل معه سبعمائة دينار وهو الصحيح فيما علمت على الظن يفرقه على أهل مكة، فاشترى بها هذه الشاشات وفرقها ليظن أنها من عنده وكانت تفرقتها ذهبا أولى، فإنهم [قوّموا] (^١) كل اثنين بدينار ولم يبع كل واحد إلا بأقل من ذلك إن كان صحيحا وإن كان فيه تقطيع فيباع بأبخس الأثمان والله الموفق (^٢).
وفي ليلة الاثنين تاسع الشهر وصل قاصد من مصر ومعه الإفراج لملك التجار قاوان في أخذه لمال والده الموجود بمكة، فإن يوم الخميس ثاني عشر [الشهر] (^٣) اجتمع قاضي القضاة برهان الدين بن ظهيرة والشيخ محمد قاوان وابن عمه ملك التجار وغيرهم من جماعتهم والشهود/ببيت بير محمد [الكيلاني] (^٤) الكبير الذي فيه المال المختوم عليه وفك عنه الختم وضبط المال، وذكر مع القاصد موت جماعة ووصول عسكر صاحب الروم إلى أول معاملة (^٥) السلطان والله يصلح الأحوال.
وفي ليلة الثلاثاء عاشر الشهر وصل قاضي جدة فخر الدين أبو بكر بن علي بن ظهيرة وهو وجعان في محفة (^٦) الأمير، ووصل معه نائبه وولده وعيالهما وجماعته
_________________
(١) وردت في الأصول "قاموا" والتعديل هو الصواب.
(٢) كانت الصدقات تصل إلى مكة المكرمة من المحسنين من داخل مكة ومن خارجها، والأولى تفرقتها كما يرغب صاحبها دون تحايل أو لعب بها.
(٣) ما بين حاصرتين إضافة يستقيم بها سياق المعنى.
(٤) ساقطة في الأصل والمثبت ما بين حاصرتين إضافة عن (ب).
(٥) ابن أجا: العراك بين المماليك، ص ١٨٣.
(٦) المحفّة: وهي كرسيان من الخشب إذا ضما إلى ظهر الجمل جلس فيهما راكبان على مثال جلوسهما على الكراسي ووجهما إلى رأس الجمل، وأغلب ما ترى المحفات في الركب -
[ ١ / ٣٥٦ ]
ومحبوه والمنتهون إليه خوفا عليه، وكان سبب هذه النكسة أنه تغسل في السّحر (^١) في آخر ليلة الاثنين تاسع الشهر فغطس ولم يطلع، فاستبطئ ففتش عليه فوجد ساجدا (^٢) في الأرض فحمل لا يضرب بيد ولا برجل، فحمل إلى داره واستمر في غير وعيه إلى آخر النهار، فخيف عليه فحمل في محفة الأمير إلى مكة ولم يستفق إلا بحداء أو بقربها، ثم حصل له بعض شفاء بمكة، وفي نيته العود والله يقدر له ما فيه الخير.
وفي آخر يوم الأربعاء حادي عشر الشهر ولد علي بن أحمد بن عبد الرحمن الريمي أمه بنت خالي أم كلثوم يسر بنت أبي النصر بن عبد الله العجمي.
وفي ليلة الجمعة ثالث عشر الشهر مات عبد اللطيف بن محمد بن أحمد بن عبد القوي وصلي عليه بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة ودفن من يومه بالمعلاة عند سلفه عوض الله والديه خيرا.
وفي يوم السبت رابع عشر الشهر ظنا سافر القاضي جمال الدين أبو السعود بن شيخ (^٣) الإسلام برهان الدين بن ظهيرة الشافعي إلى جدّة نائبا عن عمه القاضي
_________________
(١) = الشامي، وقيل هو: هودج لا قبة له تركب فيه المرأة، ويجمع على محافّ. البتنوني: الرحلة الحجازية، ص ٢٠٧، أنيس: المعجم الوسيط، ص ٢٠٨. وقيل المحفة: محمل مصنوع من الخشب له ساعدان من الأمام وآخران من الخلف تعلوه قبة مغطاة، تحمل على جملين أو فرسين. الخطيب: معجم المصطلحات والألقاب التاريخية، ص ٣٨٩.
(٢) السّحر: وهو: قبيل الصبح وآخر الليل قبيل الفجر. ومن الشيء طرفه. الفيروزآبادي: القاموس المحيط، ص ٥١٩، أنيس: المعجم الوسيط، ص ٤٤٥، وقد تكون الكلمة محرفة من لفظة "البحر" التي هي أكثر مناسبة في هذا المكان.
(٣) وردت في الأصل "ساجد" والتعديل هو الصواب عن (ب).
(٤) وردت في الأصل "الشيخ" والتعديل من (ب).
[ ١ / ٣٥٧ ]
فخر الدين أبي بكر بن ظهيرة في القضاء والخطبة، وتوجه معه ابن عمه عز الدين عبد العزيز [الفايز] (^١) وكان توجه إلى جدّة في هذه، فحكم وخطب بها في هذه السنة مع والده، وخطب بالجامع الكبير (^٢)، وقال في ذلك شعرا ابن الريس أبي الخير.
وفي ليلة الثلاثاء [رابع عشرى] (^٣) الشهر ماتت الحرة أم الحكيم مظفر الدين العجمي وصلي عليها بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة ودفنت بالمعلاة من يومها.
وفي هذا اليوم مات تقي الدين أحمد بن محمد بن عمر الرضي وصلي عليه بعد صلاة العصر ودفن من يومه بالمعلاة على جده لأبيه بمقبرة بيت الفاسي التي إلى جانب تربة قاضي القضاة سراج الدين عبد اللطيف (^٤) الفاسي الحنبلي.
_________________
(١) وردت في الأصول "بن الفايز" والتعديل مما سبق.
(٢) يقول ابن جبير: وفيها (أي جدّة) مسجد مبارك منسوب إلى عمر بن الخطاب ﵁، ومسجد آخر له ساريتان من خشب الأبنوس ينسب إليه أيضا ﵁ ومنهم من ينسبه إلى هارون الرشيد، رحمة الله عليه. وأضاف جار الله ابن فهد (ت ٩٥٤ هـ) عن المسجدين الواردين في كلام ابن جبير قوله: (إن المسجد الذي به ساريتين الآبنوس موجود ومعروف الآن ويقال له مسجد الآبنوس. أما المسجد الآخر غير معروف ولعله والله أعلم المسجد الذي تقام فيه الجمعة بجدة وهو من عمارة الملك المظفر صاحب اليمن على ما بلغني، ويعرف الآن بالجامع العتيق ". ابن جبير: الرحلة، ص ٤٦، جار الله ابن فهد: حسن القرى، ص ١٢.
(٣) وردت في الأصول" رابع عشر "والتعديل هو الصواب على حسب دخول الشهر وما جاء بعده والتعديل هو الصواب.
(٤) وهو: عبد اللطيف بن محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن علي بن عبد الرحمن بن علي بن عبد الرحمن السراج أبو المكارم بن الولوي أبي الفتح بن أبي المكارم بن أبي عبد الله الحسني الفاسي الأصل المكي الحنبلي ولد في شعبان سنة ٧٧٩ هـ بمكة ونشأ بها وأخذ عن جماعة وكان أبوه شافعيا وتحول هو حنبليا وولي امامة مقام الحنابلة بمكة بعد موت ابن عمه النور بن عبد اللطيف ثم قضائها واستمر - حتى مات - مع إضافة قضاء -
[ ١ / ٣٥٨ ]
وفي يوم الاثنين أو الثلاثاء [الثالث أو الرابع] (^١) والعشرون من الشهر سافر أول المراكب الهنود إلى بلادهم كتب الله سلامتهم، وتلاهم الباقون وأخرهم سافر يوم الأحد تاسع عشرى (^٢) الشهر.
وفي ليلة الأربعاء خامس عشري الشهر قتل الحاج عبيد المصري [قلي الباد] (^٣) بالمسعى - سكنه ببيت الصعيدي بزقاق الحجر - ولم يعلم به إلا في النهار، فإن بعض الساكنين معه بالسرحة (^٤) - في مخزن له فيه خزن لا غير - وهو محمد بن أبي عبد الله العطار جاء إلى البيت فوجد الباب البراني مفجور (^٥) والضبة أو بعضها مكسور، فتشوش لذلك ولم يدخل، وجاء بجماعة ودخلوا معه فوجد مخزنه قد فتح وادعى أنه أخذ له شيء بنحو مائة دينار، ووجد مخزن المقتول مفتوحا أيضا فطلعوا إلى [أعلى] (^٦) الدار فوجدوه جالسا بالدرجة العليا وهو مذبوح من جهة وجهه ولم تبق جثته معلقة إلا ببعض جلدة الرقبة، فسمع الباش، وتوجهوا إليه وأخبروه، فأرسل جماعته فأخذوا محمد بن أبي عبد الله العطار وشخصا يسمى ابن زهرة قالوا: لأجل كونه دخل الدار قبل صبيان الحاكم وبيتوهما بالحبس، وخسروا محمد العطار ستة أشرفية
_________________
(١) = المدينة الشريفة له توفي سنة ٨٥٣ هـ بمكة ودفن بالمعلاة. السخاوي: الضوء اللامع ٤/ ٣٣٣ - ٣٣٤ ترجمة رقم ٩٢٣، التبر المسبوك، ص ٢٨١، وجيز الكلام ٢/ ٦٤٠ ترجمة رقم ١٤٦٥، ابن العماد: شذرات الذهب ٧/ ٢٧٧ - ٢٧٨ وفيه أنه ولد سنة ٧٨٩ هـ.
(٢) وردت في الأصول" الثاني أو الثالث "والتعديل هو الصواب على حسب دخول الشهر.
(٣) وردت في الأصل" عشرين "والتعديل هو الصواب عن (ب).
(٤) وردت كذا في الأصول.
(٥) السرحة: فناء الدار. أنيس: المعجم الوسيط، ص ٤٥٠.
(٦) مفجور: وهنا تأتي بمعنى مفتوح. أنيس: المعجم الوسيط، ص ٧٠٧. أي مفتوح بالقوة.
(٧) وردت في الأصول" أعلا "والتعديل هو الصواب.
[ ١ / ٣٥٩ ]
خمسة ذهب، وعليه (^١) أخذها الدوادار من البيت قيمتها عليه أشرفي، وأطلقوهما لما لم يظهر لهم منهما شيئا. ثم تعلقوا على غيرهما في الغرباء الساكنين بالحارة، ولم يعلم حال قتله، وجهز في يومه ودفن والله يرحمه ويعوضه خيرا ويكشف حال من قتله أو [واطأ] (^٢) على ذلك.
بلغنا في هذا الشهر أو الذي قبله أن الشيخ أحمد (^٣) النفطي المدني نزيل مكة توفي وهو متوجه من الطور إلى مصر في هذا العام، وكان معه بعض أولاد صغار، يقال إن حافظ العجمي زوج بنت الشيخ محمد النفطي كفلهم بمصر.