وفي ليلة الاثنين رابع الشهر مات الشيخ الفقيه (^٢) نور الدين علي (^٣) بن محمد [بن عمر] (^١) بن عيسى بن عمر بن عطيف، الشهير بابن عطيف اليمني نزيل مكة المشرفة، وصلي عليه بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة قاضي القضاة
_________________
(١) درج المؤلف على استخدام اسم الشهر "جماد الأول، جماد الثاني" العامي في كل المواضع تقريبا إن لم يكن ذلك من الناسخ وهو خلاف المعهود "جمادى الأولى، جمادى الآخرة" ولذلك سوف نستخدم الثانية (الصحيحة) في جميع المواضع الآتية دون الإشارة إلى ذلك في بقية المواضع.
(٢) الفقيه: اسم استخدم كاسم وظيفة وكلقب فخري، والفقه هو علم الشريعة الإسلامية المستمدة من القرآن والسنة. وهو من "فقه" أي صار "الفقه" له سجية ويطلق على عالم الفقه وما يتبعه من الفرائض، وقال الله تعالى ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ سورة التوبة آية ١٢٢، وكان الفقهاء أولا هم القراء ثم صاروا جماعة تجتهد في علوم القرآن والشريعة حيث كان الفقه والقراءة والتفسير والحديث علما واحدا ثم وضح بعد ذلك التخصص وتصدى الفقهاء للتعليم، والتوجيه، والوعظ، وكان لهم حلقات، والتحقوا بالمدارس، وكانوا إلى جانب ذلك يقومون بأعمال أخرى لها صلة بالدين كان يلزم المشتغل بها أن يكون ملما بالفقه وأمور الدين لذلك اجتمع بعض الألقاب مع الفقيه، مثل: "المدرس الفقيه"، "الإمام الفقيه"، و"الشيخ الفقيه". الباشا: الفنون الإسلامية ٢/ ٨٠٨ - ٨٠٩، ٨١٣، ٨١٤، ٨١٥.
(٣) هو: علي بن محمد بن عيسى بن عمر بن عطيف نور الدين المدني اليماني الشافعي. ولد سنة ٨١٢ هـ بالسلامية (من اليمن) ونشأ بها وقرأ على أبيه وغيره ثم تحول إلى عدن، ولزم قاضيها، ثم قطن مكة وزار المدينة الشريفة وارتحل إلى الديار المصرية وأخذ بها عن جماعة وكذا الشام وزار بيت المقدس وعاد إلى مكة وكان صاحب اليمن (علي بن طاهر) يرسل إليه بالصدقات فيفرقها، وابتنى بمكة دورا ثم بدا له زيارة بلاده أو غيرها، فعينه صاحب اليمن (عبد الوهاب بن طاهر) في مدرسته بزبيد فدرس الفقه بها ثم عاد إلى مكة في شوال سنة ٨٨٥ هـ ودخلها وهو متوعك إلى أن مات عن بضع وسبعين سنة. السخاوي: الضوء اللامع ٦/ ٤ -
[ ١ / ١٤٦ ]
برهان الدين بن ظهيرة بوصية منه فيما ذكر، مع ما بينهما من العداوة (^٢)، ودفن في يوم تاريخه بالمعلاة على والده بالقرب من الشيخ أبي العباس بن عبد المعطي الأنصاري المالكي.
وفي أول هذا اليوم وصل السيد الشريف محمد بن بركات سلطان مكة وولده السيد بركات سلطان مكة وغيرهما من العساكر من ينبع.
وفي ضحى تاريخه اجتمع الشريفان وقضاة القضاة الأربعة، خلا الحنبلي وأخو القاضي الشافعي القاضي فخر الدين بن ظهيرة، - وكان دخل في هذه الليلة من جدة - والأميران برسباي باش المماليك، وسنقر الجمالي محتسب مكة، وغيرهم بالحطيم تحت زمزم وقري ثلاثة مراسيم، واحد للشريف، تاريخه ثامن عشر صفر، وواحد للقاضي الشافعي تاريخه سابع عشري صفر، وواحد للمحتسب تاريخه سابع عشر أو ثامن عشر الشهر المذكور، ومرسوم الشريف يتضمن الشكر له
_________________
(١) ساقطة من الأصل، والإثبات عن (ب) وعن مصادر ترجمته السابقة. (¬- ترجمة رقم ٩، وجيز الكلام ٣/ ٩٢٣، ترجمة رقم ٢٠٨، ابن العماد: شذرات الذهب ٧/ ٣٤٤، وفيه "علاء الدين علي".
(٢) وكانت بسبب أن صاحب الترجمة (السابقة) استقر في وظيفة بالزمامية والجمالية بمكة المكرمة ثم تباين (اختلف) مع شيخها وهو برهان الدين بن ظهيرة فتركها ونوه بذلك عند صاحب اليمن فصار الأخير يرسل له الصدقة لكي يفرقها بنفسه على فقراء مكة بدلا من القاضي الشافعي برهان الدين بن ظهيرة وهي ألف دينار. السخاوي: الضوء اللامع ٦/ ٤.
[ ١ / ١٤٧ ]
وإخباره بأنه ثبت لنا على القاضي الحنفي - يعني قاضي مكة [المشرفة] (^١) - الميضأة الناصرية (^٢) وبيت الخطيب - يعني الذي برأس زقاق الحجر (^٣) - الذي وقف على المدرسة الأفضلية (^٤). وغير ذلك من الأخبار وانه أرسل إليه خلعتين له ولولده فلبساها (^٥)، وكذا لبس القاضي الشافعي، وأخوه، والأميران.
_________________
(١) ساقطة في الأصل والمثبت ما بين حاصرتين من (ب).
(٢) وردت في الأصل "الناضرية" والصواب ما أثبت من (ب)، والميضأة: هي مطهرة كبيرة يتوضأ منها، وهي مكان يخصص بجوار المسجد وأماكن الصلاة، بها مراحيض وأحواض للتطهير والوضوء. وبأرضيته بالوعات مستديرة صغيرة لتصريف المياه. مصطفى: التراث المعماري ٣٤، محمد أمين: المصطلحات المعمارية ١١٨. والميضأة الناصرية: وهي للملك الناصر محمد بن قلاوون صاحب مصر، فقد اشترى موضعها من الشريفين عطيفة ورميثة أميري مكة، ابني أبي نمى بخمسة وعشرين ألف درهم. وتقع في الجانب الشرقي من المسجد الحرام قرب باب بني شيبة (باب السلام) وكانت عمارتها سنة ٧٢٨ هـ وأشرف ابن هلال الدولة على عمارتها، ثم صارت للأشرف قايتباي الذي أمر بهدمها، فهدمت في تاسع صفر سنة ٨٨٩ هـ، وأقام مكانها رباطا ومدرسة. النجم ابن فهد: إتحاف الورى ٣/ ١٨٧.
(٣) زقاق الحجر: وهو أحد أزقة مكة المشهورة وبه دار السيدة خديجة بنت خويلد ﵂ وهي الدار التي تزوج الرسول ﷺ بها وولدت بها جميع أولادها وتوفيت بها ولم يزل الرسول ﷺ بها حتى هاجر، وعن سبب التسمية فيقال إنه نسبة إلى حجر كان به يسلم على الرسول ﷺ وقد قال ﵊ (إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم على قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن). رواه مسلم في كتاب الفضائل حديث رقم ٤٢٢٢. وقيل قد ينسب إلى الحجر الذي في بيت خديجة ﵂ وكان خارجا من البيت، يقال إنه ﵊ كان يجلس تحته يستتر من الرمي إذا جاءه من دار أبي لهب أو غيره. وذرع ذلك الحجر ذراع وشبر. وقد قيل إنه يطلق عليه زقاق المرفق نسبة إلى جدار به، يقال: إنه به أثر مرفقه ﵊. الفاكهي: أخبار مكة ٤/ ٨، ابن ظهيرة: الجامع اللطيف، ص ٢٠٢، ٢٠٤. -
[ ١ / ١٤٨ ]
وفي ليلة الأربعاء توجه الشريف محمد بن بركات إلى وادي مر.
وفي أول يوم الأربعاء سادس [الشهر] (^١) مات الشيخ العدل (^٢) شمس الدين محمد بن أحمد بن نصر الصوفي المصري الشاهد (^٣) الشهير بالشاهد بالمارستان (^٤)، وصلي عليه ضحى عند باب الكعبة ودفن من يومه بالمعلاة.
_________________
(١) المدرسة الأفضلية: وهي لصاحب اليمن، الملك الأفضل عباس بن عبد الملك المجاهد وإليه تنسب، وتقع هذه المدرسة في الجانب الشرقي من المسجد الحرام عند باب العباس، وقد ابتدأ التدريس بها في سنة ٧٧٠ هـ. وقد أوقفها منشئها على فقهاء الشافعية قبيل سنة ٧٧٠ هـ. الفاسي: شفاء الغرام ١/ ٥١٩، ٥٢٣، النجم ابن فهد: إتحاف الورى ٣/ ٣٠٩.
(٢) العز ابن فهد: غاية المرام ٢/ ٥٣٦.
(٣) ساقطة في الأصل والمثبت ما بين حاصرتين من (ب).
(٤) العدل: مفرد تجمع على عدول، وهو الرجل الصحيح الرواية، أو هم جماعة الشهود الذين يختارهم القاضي لمعاونته في أعماله فيجلسون حوله يمنة ويسرة بمجلس الحكم على ترتيب الأقدمية في تعديله لهم. البقلي: التعريف بمصطلحات صبح، ص ٢٤٢.
(٥) الشاهد: مفرد وتجمع على شهود، وشاهد اسم فاعل من شهد والشهادة هي الخبر القاطع وشاهد بمعنى حاضر. وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم واستعملت بمعنى الشاهد العدل، من الجائز أن يكون أي شخص شاهدا أمام القضاء، غير أن الشرع عرف نوعا من الشهود هم العدول الذين كانوا مستوفين للشروط الشرعية في الشاهد، ومنهم من احترف الشهادة كمهنة وصاروا يحررون النصوص ويكتبون الوثائق وما إلى ذلك وكانوا يتخذون الحوانيت يؤدون فيها أعمالهم. السبكي: معيد النعم، ص ٦٣ - ٦٤، الباشا: الفنون الإسلامية ٢/ ٦١٨ - ٦٢٢.
(٦) المارستان (بيمارستان): لفظ فارسي مركب من "بيمار" أي مريض "وستان" بمعنى محل، أي دار المرضى وقد يقال "بيمرستان" أو "مارستان" وهو فارسي معرب وهي بمعنى مستشفى عام لمعالجة كافة الأمراض، وفي عصر المماليك كان أشهرها البيمارستان المنصوري، للملك المنصور قلاوون وخصصه لعلاج كافة الأمراض. محمد أمين: المصطلحات المعمارية، ص ٢٤، أنيس: المعجم الوسيط، ص ٩٩/ ٩٠٠.
[ ١ / ١٤٩ ]
وفي ليلة الاثنين ثامن عشر الشهر ولد (^١) عبد الرحمن بن قاضي القضاة نجم الدين محمد بن يعقوب المدني المكي المالكي، أمه ست الكل بنت القاضي جمال الدين محمد بن نجم الدين بن ظهيرة.
وفي أواخر يوم الخميس حادي عشري الشهر مات الشاب المبارك محمد بن خواجا بسطام العجمي، وصلي عليه صبح الجمعة ودفن بالمعلاة عند والده بالشعب الأقصى، وخلف ولدا ذكر وبنت، وفجعت به أمه ألهمها الله الصبر وعوضها خيرا.
وفي هذا اليوم وهو يوم الخميس ولدت بتينة بنت عبد الباسط (^٢) بن القاضي [جمال] (^٣) الدين محمد بن نجم الدين بن ظهيرة أمها مستولدة له حبشية.
وفى يوم السبت ثالث عشري الشهر ماتت فاطمة بنت شهاب الدين أحمد بن الهندي الدلوالي وصلي عليها بعد صبح ثاني تاريخه عند باب الكعبة، ودفنت في هذا
_________________
(١) وفي الهامش الأيسر للورقة (٥ ب) من نسخة الأصل كتب عنوان "ولادة عبد الرحمن بن نجم الدين المالكي المدني".
(٢) هو: عبد الباسط - ويسمى عمر أيضا - بن محمد بن محمد بن أبي السعود محمد بن حسين ابن علي بن أحمد بن عطية بن ظهيرة الزيني أبو المفاخر بن الجمال أبي المكارم بن النجم أبي المعالي بن الكمال أبي البركات القرشي المكي الشافعي ولد في رابع ذي الحجة سنة ٨٥١ هـ بمكة ونشأ بها وحفظ القرآن وغيره وعرض على جماعة وسمع وأخذ عن جماعة وأجازه السخاوي: وهو عالم فاضل مفنن. السخاوي: الضوء اللامع ٦/ ٢٩ - ٣٠ ترجمة رقم ٩٤. ومفنن: مصطلح متداول بين علماء المسلمين يطلقونه على من أجاد وألف في علوم وفنون مختلفة. أبو سليمان: مكتبة مكة المكرمة، ص ١٠ حاشية (١).
(٣) وردت في الأصول "كمال" والتعديل هو الصواب من ترجمته في السابقة.
[ ١ / ١٥٠ ]
اليوم بالمعلاة على بنتها مريم بقبر جدنا القاضي جمال الدين بن فهد وهو القبر الذي بطرف تربتنا مما يلي الحجون.
وفي ليلة الخميس ثامن عشري الشهر ماتت الحرة (^١) بنت أبى بكر (^٢) بن أبى السعود بن ظهيرة القرشي، وصلي عليها بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة ودفنت من يومها بالمعلاة عند أمها بتربة الحرازيين.
وفي يوم السبت سلخ الشهر ماتت الأمة (^٣) الحبشية مستولدة الشيخ الصنعاني وأم ولده محمد وأخواته، وصلي عليها بعد صلاة الصبح عند باب الكعبة، ودفنت من يومها بالمعلاة عند سيدها بالقرب من السور.
وفى آخر هذا اليوم، ماتت أم راجح ستيت (^٤) بنت القاضي نور الدين علي بن أبي البركات [بن أبي السعود] (^٥) بن ظهيرة، - وكانت كثيرة الصلاة والطواف -
_________________
(١) والحرة من ألقاب النساء، ومعناه في اللغة ضد الأمة وكذلك الكريمة. الباشا: الألقاب الإسلامية، ص ٢٥٨.
(٢) هو: أبو بكر الفخر بن الجمال أبي السعود محمد بن الكمال أبي البركات محمد بن أبي السعود محمد بن حسين بن علي بن أحمد بن عطية بن ظهيرة القرشي، ولد في سنة ٨٥١ هـ بمكة وحفظ القرآن وصلى به التراويح مات في رجب سنة ٨٨٥ هـ. النجم ابن فهد: الدر الكمين ورقة ١٨٤، إتحاف الورى ٤/ ٦٦٢، السخاوي: الضوء اللامع ١١/ ٩١ ترجمة رقم ٢٣٩.
(٣) الأمة: وهي أنثى الرقيق، والأمة ضد الحرة، والجمع إماء وآم وإموان. وكان الإماء يمثلن طبقة مهمة في المجتمع، وكن غالبا على قسط وافر من الجمال والثقافة، وكان النخاسون أو تجار الرقيق يعنون بتجميل الإماء وتثقيفهن وتعليمهن فنونا مختلفة حتى ترتفع أتمانهن وهو نظام عرف في الإسلام. وقد تتزوج الأمة من حر أو عبد غير أن الأولاد الذين تنجبهم يكونون عبيدا لسيدها. ويستطيع الزوج العبد أن يطلق زوجته الأمة ويصبح طلاقها بلا رجعة بعد الطلقة الثانية وعدة الأمة سواء أكانت أرملة أو مطلقة أو حاملا هي نصف عدة الحرة، وإذا أنجبت الأمة من سيدها صارت أم ولد. الباشا: الفنون الإسلامية ١/ ١١٤ - ١١٥
[ ١ / ١٥١ ]
وصلى عليها صبح ثانيه (^١) عند الحجر الأسود شقيقها قاضي القضاة برهان الدين بن ظهيرة ودفنت بالمعلاة بتربتهم المستجدة بقبر مبتكر (^٢) إلى جانب ست قريش (^٣) بنت القاضي جمال الدين بن نجم الدين بن ظهيرة.