مكة المكرمة هي مهبط الوحي ومنبع الرسالة ومهوى أفئدة الناس. فكان يسكنها كل من اشتاق إلى البيت العتيق، فأصبح أهلها من أجناس وبيوت شتى.
وكان المجتمع المكي بذلك يتكون من عدة فئات وهم:
أولا: الأشراف وهم ولاة البلد الحرام ومنهم يكون أمير مكة.
ثانيا: القادة وهم غالبا من القبائل العربية وبعضهم من يرجعون في النسب إلى الأشراف.
ثالثا: العلماء والمجاورون وطلاب العلم.
رابعا: الأتراك المقيمون بمكة من قبل السلطنة المملوكية.
خامسا: العبيد من الأحباش ومن غيرهم وهم عبيد الأشراف أو عبيد هؤلاء القادة.
سادسا: بقية السكان ويتكونون من التجار وعامة الناس وغيرهم.
_________________
(١) ابن إياس: بدائع الزهور ٤/ ١٠٤ - ١٠٦.
(٢) ابن ظهيرة: الجامع اللطيف، ص ٢٠٠.
(٣) ابن إياس: بدائع الزهور ٥/ ١٩٠.
[ ١ / ١٧ ]
سابعا: بعض البدو الذين يقصدون مكة للتجارة وغيرها.
هذه هي الفئات التي كانت تشكل المجتمع في مكة المكرمة التي انصهر غالبها مع بعضه البعض وأصبح مجتمعا واحدا. وقد وصفهم ابن بطوطة في رحلته حين زار مكة في سنة ٧٢٦ هـ فقال: "وأهل مكة لهم ظرف ونظافة في الملابس، وأكثر لباسهم البياض، فترى ثيابهم ابدا ناصعة ساطعة" (^١). كما قال: "ويستعملون الطيب كثيرا ويكتحلون، ويكثرون السواك بعيدان الأراك الأخضر" (^٢).
كما وصف ابن بطوطة أخلاقهم وأفعالهم بقوله: "ولأهل مكة الأفعال الجميلة والمكارم التامة، والأخلاق الحسنة، والإيثار إلى الضعفاء والمنقطعين وحسن الجوار والغرباء. ومن مكارهم متى صنع أحدهم وليمة يبدأ فيها بالطعام للفقراء المنقطعين المجاورين … " (^٣).
كما كان لأهل مكة عادات في بعض المناسبات منها: ما كان يقوم به أهل مكة عند عقد النكاح حيث تعمل زفات العرس من وإلى بيت الزوج والزوجة، كما كان يعمل مجلس أو متكأ أمام البيت للجلوس فيه أو اللعب وقد يمد لهم أكثر من سماط من الطعام. كذلك تعمل زفة عند طهور أحد أولاد الأشراف أو رجالات مكة. كما أنهم يمارسون عادة النداء على قبة زمزم للشريف عند طوافه بالبيت العتيق. أو عند موت أحدهم أو أحد كبار رجال مكة من العلماء وغيرهم. ولهم بعض العادات الخاصة فيما يتعلق بطلوع الجبل لأجل تحري رؤية الهلال. وفي شهر ذي القعدة يقومون بتشمير
_________________
(١) ابن بطوطة: تحفة النظار، ص ١٦٨.
(٢) ابن بطوطة: تحفة النظار، ص ١٦٨ - ١٦٩.
(٣) ابن بطوطة: تحفة النظار، ص ١٦٨.
[ ١ / ١٨ ]
أستار الكعبة. وعن يوم الوقفة بعرفات يحدّد أهل مكة ذلك اليوم حسب الرؤية الصحيحة لهلال الشهر دون اختلاف فيما بينهم
كما كانت لهم عادة وترتيب معين في دخول الإمام وخروجه من وإلى خطبة الجمعة.
ولا يتسع بنا المقام هنا لذكر كل ما بين أيدينا من عادات لأهل مكة المشرفة، التي عايشناها من خلال ما كتبه العز ابن فهد.
هكذا كانت الحياة اليومية المعتادة في مكة المكرمة جميلة هادئة ولا يشوش عليها إلا بعض الخلافات الناشئة بين ولاة الأمر أو ما كان يصيب مكة من حوادث فردية شاذة من قتل أو سرقة أو حوادث بسبب عوامل طبيعية مثل: السيول والعواصف والحرائق (الكوارث) أو الأمراض أو الجدب وقلة المطر في الفترة التي يتناولها المؤلف.