ارتبطت منطقة الحجاز بالسلطنة المملوكية منذ أن أصبحت راعية الإسلام في ظل الخلافة العباسية الاسمية (^١)، حيث كان إقرارها للشريف بمكة يعتبر هو الصبغة الشرعية التي تخوله من ممارسة أعمال الإمارة، حيث كان يصل المرسوم السلطاني للشريف بمكة ويقرأ على الملأ ليكون بمثابة الإعلان الرسمي لإمارته ويتوج ذلك لبسه الخلعة أمام الناس (^٢).
وكان على السلطنة المملوكية أن تؤيد الشريف وتعينه بالمال وغيره لتكسب الدعاء لها في الخطبة فتكون خادمة الإسلام وليستطيع الشريف تأمين طريق الحج والمحافظة على سلامة الحجاج والمسافرين.
كان الشريف بركات بن حسن بن عجلان (٨٢٩ - ٨٥٩ هـ) قد تقلد الإمارة من السلطان المملوكي الأشرف إينال العلاني وظل محافظا على إمارته (التي لم تخل من منافسة عليها) إلى قبيل وفاته، وعندما أحس من نفسه الوهن طلب من السلطان المملوكي أن يفوض إمرة مكة لابنه الشريف محمد بن بركات بن حسن، وعندما عجز هو عن إدارة شؤون البلاد وبسعاية الأمير جاني بك الظاهري (^٣) وصلت موافقة السلطان في يوم الثلاثاء العشرين من شهر شعبان من سنة ٨٥٩ هـ ولكن الشريف بركات توفي في نفس الشهر (^٤) قبيل أن يصل الأمر بالموافقة على ذلك، في
_________________
(١) حيث سقطت الخلافة العباسية سنة ٦٥٦ هـ في بغداد على يد المغول، ثم انتقلت إلى القاهرة لتكون خلافة اسمية تحت حماية المماليك.
(٢) العز بن فهد: غاية المرام ٣/ ٧٣، ٧١.
(٣) هو: جاني بك الظاهري جقمق الجركسي شاد جدة كان سياسيا، مات مقتولا في سنة ٨٧٦ هـ. السخاوي: الضوء اللامع ٣/ ٥٧ - ٥٩ ترجمة رقم ٢٣٥.
(٤) النجم بن فهد: الدر الكمين ورقة ١٩.
[ ١ / ١١ ]
حين اشترط السلطان المملوكي دفع مبلغ خمسين ألف دينار مقابل ذلك (^١).
استقر الأمر للشريف محمد بن بركات بن حسن بن عجلان (٨٥٩ - ٩٠٣ هـ) الذي تعتبر فترة حكمه من أطول الفترات التي يحكمها شريف وأكثرها استقرارا من الناحية الداخلية، وذلك لأنه وجه اهتمامه نحو توطيد حكمه وإخضاع المناوئين والقبائل من حوله.
كانت أول فتنة داخلية يواجهها الشريف محمد في بداية أمره هي فتنة القائد بديد (^٢) بن شكر الذي استأثر بالإمرة وحاول الاستقلال بها ولكن الشريف محمد بن بركات تمكن بحنكته السياسية وخبرته الحربية من تخطيها وقمع ثورته ومصادرة أمواله في جمادي الأخرة من سنة ٨٦٧ هـ حين أذعن للصلح وحلف على الطاعة من السنة المذكورة (^٣).
وبعد صفاء الجو الداخلي وخلو الساحة من المنافسين وجه الشريف محمد بن بركات اهتمامه وقوته إلى ما حول مكة المشرفة من القبائل ونشر نفوذه. ففي سنة ٨٦٩ هـ توجه على رأس عسكره إلى حلي بني يعقوب في جهة اليمن وقلد محمد بن دريب بن محمد بن موسى إمرتها نيابة عنه (^٤). وفي شهر رجب من سنة ٨٧١ هـ توجه عسكره إلى ينبع لقتال بني إبراهيم (^٥). وفي سنة ٨٧٣ هـ سار على رأس عسكر
_________________
(١) ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ١٦/ ٩٣. وفي هذا الشرط مخالفة صريحة لأحكام الدين الإسلامي فالإمارة لها صفات وشروط ليس منها دفع مقابل.
(٢) السخاوي: الضوء اللامع ٣/ ٤ ترجمة رقم ١٧ وفيه اسمه "بدير".
(٣) النجم ابن فهد: الدر الكمين ورقة ٢٠، إتحاف الورى ٤/ ٤٠٢ - ٤٠٣، ٤٤٠، ٤٠٦.
(٤) النجم ابن فهد: إتحاف الورى ٤/ ٤٦١.
(٥) النجم ابن فهد: إتحاف الورى ٤/ ٤٧٠ - ٤٧١.
[ ١ / ١٢ ]
صغير إلى ذوي مالك قرب رابغ وتمكن من قتل شيخهم وعدد كبير من رجالهم، ثم لم يلبث أن صالحهم (^١). وأغار في شهر المحرم من سنة ٨٧٤ هـ على جماعة من قبيلة البقوم (^٢). وفي شهر صفر من سنة ٨٧٤ هـ قاد عسكره إلى الشرق ضد قبيلة عتيبة (^٣).
كما قاد عسكره في شهر رمضان من سنة ٨٧٦ هـ مرة أخرى ضد قبيلة البقوم (^٤). وفي ربيع الأول من سنة ٨٧٨ هـ توجه بعسكره إلى الشرق للغزو (^٥).
كما توجه بقوة كبيرة إلى جازان جهة اليمن في أوائل سنة ٨٨٢ هـ لأن أميرها أحمد (^٦) بن دريب بن خالد بن شهاب أبو الغوائر وقف مع أخيه علي بن بركات وساعده على التوجه إلى مصر في المرة الثانية (^٧)، مما جعل الشريف يجمع له عسكرا حيث تمكن من هزيمتة واجباره على دفع مال معين في كل سنة (^٨).
وكان له الكثير من الحروب إلى ما حول مكة المشرفة لإخضاع القبائل من بدو الحجاز وتوطيد حكمه، وخصوصا تأمين طريق الحاج والمسافرين وردع كل من تسول له نفسه التعرض لهم.
_________________
(١) النجم ابن فهد: الدر الكمين ورقة ٢٠، إتحاف الورى ٤/ ٤٩٣ - ٤٩٤.
(٢) النجم ابن فهد: إتحاف الورى ٤/ ٥٠٤.
(٣) النجم ابن فهد: الدر الكمين ورقة ٢٠، إتحاف الورى ٤/ ٥٠٤.
(٤) النجم ابن فهد: الدر الكمين ورقة ٢٠، إتحاف الورى ٤/ ٥٤١.
(٥) النجم ابن فهد: إتحاف الورى ٤/ ٥٦٦.
(٦) السخاوي: الضوء اللامع ١/ ٢٩٩.
(٧) ابن إياس: بدائع الزهور ٣/ ١٢٢.
(٨) النجم ابن فهد: الدر الكمين ورقة ٢٠، إتحاف الورى ٤/ ٦١٣ - ٦١٤.
[ ١ / ١٣ ]
ومع كل ذلك لم تخل الساحة الداخلية من الفتن التي كان سببها حب الإمرة.
ففي سنة ٨٧٢ هـ فارقه أخوه عليا إلى القاهرة طمعا في الإمرة ولكن الشريف محمد تدارك الأمر مع السلطان قايتباي المملوكي (^١) واصطلح معه. كما نازعه الشريف رميثة (^٢) بن أبي القاسم بن حسن بن عجلان على الإمرة ولكنه فشل ورحل إلى اليمن وأقام به حتى سنة ٨٧٦ هـ (^٣). وكان من أكبر العوامل التي ساعدت الشريف محمد بن بركات تأييد السلطنة المملوكية له ويظهر ذلك في صيغة المراسيم الواصلة له في المواسم وغيرها والتي ذكر العز ابن فهد مضمون الكثير منها حيث كان السلطان يشكر الشريف ويخبره برضاه عنه ورضى الحجاج وشكرهم له، بسبب الأمن الذي ساد طريق الحاج (^٤). ونظرا لما حظي به الشريف محمد بن بركات من تأييد وما تحقق له من أمن واستقرار في منطقة الحجاز، قام السلطان المملوكي قايتباي بالسفر إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج في سنة ٨٨٤ هـ واستعد الشريف لملاقاته واستقباله فزار المدينة المنورة وحج ثم عاد (^٥)، مما كان له أكبر الأثر في توثيق الروابط بينهما واستمرار العلاقة الحسنة واستقرارها، حتى أن السلطان قال له في أحد مراسيمه "فلتقر عينا فأننا لا نغير عليك ما دمنا على تخت الملك" (^٦).
_________________
(١) النجم ابن فهد: الدر الكمين، ورقة ٢٠، إتحاف الورى ٤/ ٤٨٠ - ٤٨٤، ٤٨١.
(٢) السخاوي: الضوء اللامع ٣/ ٢٠٣ ترجمة رقم ٨٦٧، وفيه "توفي في سنة ٨٧٩ هـ".
(٣) النجم ابن فهد: الدر الكمين، ورقة ٢٠، إتحاف الورى ٤/ ٥٤٠.
(٤) النجم ابن فهد: إتحاف الورى ٤/ ٥٨٩، ٥٧٧، ٥٣٨.
(٥) النجم ابن فهد: إتحاف الورى ٤/ ٦٤٥ - ٦٤٧.
(٦) النجم ابن فهد: الدر الكمين، ورقة ٢١.
[ ١ / ١٤ ]
واستمرت البلاد تعيش فترة استقرار وهدوء ولم يعكر ذلك الاستقرار سوى بعض المناوشات التي كانت بين الشريف أو ابنه مع بعض القبائل مثل آل جميل (^١) وآل إبراهيم (^٢) وغيرهم التي كانت غالبا ما تنتهي لصالح الشريف، فدانت له البلاد والرقاب حتى وافاه الأجل في يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من شهر محرم الحرام من سنة ٩٠٣ هـ. وخلفه في إمرة مكة ابنه الشريف بركات بن محمد بن بركات بن حسن ابن عجلان (٩٠٣ - ٩٣١ هـ) الذي تولى الإمارة مشاركا لأبيه في سنة ٨٧٨ هـ (^٣) ثم استقل بها بعد وفاته، حيث كان الشريف بركات الساعد الأيمن لوالده الذي كثيرا ما اعتمد عليه، فكان يرسله على رأس العسكر لغزو بعض الأعراب والقبائل أو الإغارة عليهم لإدخالهم تحت الطاعة، مما أكسبه خبرة عسكرية وحنكة سياسية.
وقرئ مرسومه بتولية إمرة مكة المشرفة وأعمالها والحجاز عن والده في شهر ربيع الأول من سنة ٩٠٣ هـ (^٤) وقد التزم بدفع مبلغ من المال مقابل ذلك.
لقد اختلف كثيرا عهد الشريف بركات بن محمد عن عهد والده، فقد كثرت فيه الفتن والحروب بسبب طمع أخوته في الإمرة، كما كان للسلطنة المملوكية دور كبير في ذلك حيث لم تكن صادقة في تأييدها للشريف حين غلب عليها طابع الطمع فيما كانت تحصل عليه مقابل ذلك من أموال. فلم ينعم الشريف بركات ولا أهل مكة بالاستقرار الذي كان سائدا في عهد والده حيث خرج عليه أخوته. وأولهم في الخروج
_________________
(١) أحد فرعي هذيل وفيه فروع عديدة منها دعد، والفرح. البلادي: معجم قبائل الحجاز، ص ٩٢
(٢) بطن من بلحارث من فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان. البلادي: معجم قبائل الحجاز، ص ١١
(٣) النجم ابن فهد: الدر الكمين، ورقة ٢١، السخاوي: الضوء اللامع ٣/ ١٤، العز ابن فهد: غاية المرام ٣/ ٦٢.
(٤) ابن ظهيرة: الجامع اللطيف، ص ١٩٩.
[ ١ / ١٥ ]
هو هزاع بن محمد بن بركات في سنة ٩٠٤ هـ (^١) الذي استطاع تولي الإمرة ولكنه لم ينعم بها طويلا فقد توفي في رجب من سنة ٩٠٧ هـ (^٢) وخلفه أخوه أحمد الملقب جازان الذي جمع قوة ودخل بها إلى مكة متوليا لإمرتها في شهر صفر من سنة ٩٠٨ هـ بعد فرار الشريف بركات منها إلى جهة اليمن. واستمر الأمر مناوشة بين الشريف جازان والشريف بركات حول الإمرة، وجد خلالها أهل مكة الكثير من المصاعب والخوف والفتن التي كانت غالبا ما تؤدي إلى نهب أموالهم وعدم أمن الطريق وغلاء الأقوات، ومن ذلك حين دخلها الشريف جازان في المرة الثانية (^٣). كما أسر الشريف بركات خلال تولي الشريف جازان لإمرة مكة وأرسل إلى القاهرة ثم استطاع الفرار منها والعودة إلى مكة.
أمّا أخوه جازان فقد اغتيل بمكة من قبل أخيه الشريف حميضة، الذي تولى بعده إمرة مكة، وسادت حالة من الفوضى وعدم الاستقرار في ذلك الوقت، مما جعل السلطنة المملوكية ترسل مرسوما بعزله وتولية أحد أخوته ثم استقر الأمر على تولية أخيه قايتباي (^٤).
ثم حاول حميضة أن يسترد الإمرة لكنه هزم وفر إلى ينبع. وجمع أنصاره من هناك فواجهه كل من الشريف قايتباي والشريف بركات وأنصارهما وبعض من
_________________
(١) العز ابن فهد: غاية المرام ٣/ ٨٨ - ٩٠.
(٢) العز ابن فهد: غاية المرام ٣/ ١١٩.
(٣) ابن ظهيرة: الجامع اللطيف، ص ٢٠٠ وفيه قال ابن ظهيرة: "ثم وليها السيد جازان … ونهب عسكره مكة وفعلوا أفعالا قبيحة وانتهكوا حرمة البيت وجرى منهم أمور شنيعة ليس هذا محل لذكرها".
(٤) ابن ظهيرة: الجامع اللطيف، ص ٢٠٠.
[ ١ / ١٦ ]
العساكر المملوكية، حيث تمكنوا من إلحاق الهزيمة به في شوال من سنة ٩١٢ هـ (^١).
وبعدها ضعف أمره، وأصبحت الإمرة بيد الشريف قايتباي حتى تمكن الشريف بركات بن محمد من استعادتها بعد وفاة أخيه قايتباي في شهر ربيع الأول من سنة ٩١٨ هـ (^٢).
واستمرت بيده، وفي سنة ٩٢٣ هـ دخل العثمانيون إلى القاهرة وأرسل السيد بركات ابنه محمد أبو نمي مهنئا وبدأ بذلك عصرا جديد (^٣).