أن الكتاب ذو فائدة عظيمة لخلوه من التزلف أو التقرب أو أي غرض ذا مردود (^١) حيث عاش المؤلف بمكة وهو أحد علمائها فلم يتولى منصبا سياسيا أو غيره سوى أنه تولى منصب خازن الكتب. وكان الأصل في وضعه (أي الكتاب) لغاية معينة وهي التي ذكرها العز ابن فهد في مقدمة الكتاب فقال بعد ذكره لفائدة علم التاريخ وشغفه به: (أحببت سلوك هذه المسالك. وأن أقتدي بوالدي وما ألّفه قبلي من حوادث بلدنا مكة المشرفة ومآثرها لإحياء معالمها وإيضاح مجاهلها).
لذلك جاء الكتاب خاليا من الزيادات المملة أو الاختصارات المخلة، معتمدا
_________________
(١) لقد أورد العز ابن فهد في كتابه غاية المرام السبب في وضعه للكتاب فقال: (وخدمت بهذا التأليف خزانة من ألف برسمه. وشرف مدره باشتماله على اسمه وهو السيد الشريف … أبو زهير بركات). العز ابن فهد: غاية المرام ١/ ٤.
[ ١ / ٦١ ]
أسلوبا وسطا في سرده الأحداث والأخبار وكل ما جرى واستحق في نظره التدوين دونه بشكل جميل غلب عليه الأسلوب العامي أحيانا (^١).
يعتبر هذا الكتاب بحق كنز من المعلومات المكية التي لم ترد ضمن أي كتاب آخر وصل إلينا حتى الآن، يعالج الفترة نفسها.
وخروج الكتاب إلى النور سوف يضيف الكثير إلى التاريخ المكي (أكثر من ثلث قرن) ويعطي المهتمين دفعة قوية من المعلومات التاريخية الدقيقة في النواحي المختلفة.
لم يكن العز يطمع أن يخرج كتابه إلى النور أثناء حياته وهو الحريص في تلك الأمور ونستشف ذلك حين رفض اعطاء تلميذه ابن الشماع كتاب الضوء اللامع للسخاوي، حيث طلبه الأخير منه فاعتذر. وقد جاء ذلك مقدمة كتاب القبس الحاوي ومنهج ابن الشماع فيه قول المحقق: (وقد رغب [ابن الشماع] حمل هذا الكتاب الضوء اللامع وأخذه عن الشيخ الحافظ عز الدين عبد العزيز بن فهد في مجاورته الأولى عام (٩١٦ هـ) فامتنع الثاني من ذلك، واعتذر، لما يضمه الكتاب من أمور يرى أن ستر كثير منها أولى) (^٢)، وسلمه له ولده جار الله بن فهد (^٣).
كما أن الكتاب يعتبر جزءا مكملا لكتب أخرى في الأخبار المكية مثل كتاب بدائع الزهور لابن إياس، حيث نجد بداية الخبر عند ابن إياس وتكملته عند العز وخصوصا أخبار الحاج وبعض الوفيات والمنفيين إليها.
وهذه الفترة التي أرخ لها المؤلف (٨٨٥ - ٩٢٢ هـ) لم يصلنا كتاب يتحدث
_________________
(١) مثل قوله: "الرواق الوسطاني، مكسرين، مساببة … " وغيرها.
(٢) ابن الشماع: القبس الحاوي، ١/ ١٤.
(٣) الهيلة: التاريخ والمؤرخون، ص ١٨٧.
[ ١ / ٦٢ ]
عنها ولو لم يصلنا كتابه لأصبحت الفترة خالية إلا من إشارات في كتب التراجم والمجاورين وغيرهم ممن اهتم بهذه البلدة المباركة وتاريخها.
فيعتبر الكتاب ذا مكانة خاصة لتاريخ مكة المشرفة حيث اعتمد عليه غالب من جاء بعده (^١).
كما لم يخل كتابه من بعض الانتقادات البسيطة خصوصا تلك التي قالها في حق الشريف بركات ابن صاحب الحجاز حين غزا عرب مطير فقال: (ثم توجه [الشريف بركات بن محمد] هذا اليوم [الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ٨٨٧ هـ] لناحية الشرق لغزو عرب مطير، مع أنه هو وإياهم [في] صلح. لكن قيل إنه طمع في ما لهم لكثرته، ثم لم يجدوهم لأنهم انذروا بغيرهم ففروا والحمد لله).
كما أهمل الكثير من التعليقات على الأمور الهامة الواجب نقدها ولكنه آثر تركها وله العذر (^٢).