المقدمة
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، نحمده حمدا كثيرا كما يحبه ويرضاه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن سيدنا محمدا عبده ورسوله المنزل عليه ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (^١) ﷺ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أمّا بعد: فإن مكة المكرمة هي البقعة المطهرة التي حباها الله بنعم كثيرة، وجعل فيها بيته المعظم وأرسل فيها صفوة خلقه أجمعين وجعلها بلدا آمنا.
دعا لها سيدنا إبراهيم ﵇، في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اِجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاُجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَاُرْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (^٢).
ومن النعم على هذا البلد الأمين، أن قيض له رجالا من أهله عملوا على حفظ تاريخه للأجيال القادمة ضمن مؤلفات منوعة.
ومن المؤلفات والكتب ما وصل إلينا، وما لم يصل، ومنها ما هو في عداد المفقود، والتي وصلت إلينا جديرة بالدراسة المتعمقة والتحقيق، فمنها ما حقق، ومنها ما يزال ينتظر دوره.
_________________
(١) سورة الشرح آية ٦.
(٢) سورة إبراهيم آية ٣٥، ٣٧.
[ ١ / ٥ ]
وقد وقع الاختيار على كتاب (بلوغ القرى في ذيل إتحاف الورى بأخبار أم القرى) للعز ابن فهد المكي الذي كان مخطوطا، واعتمدنا في تحقيق النص على النسختين الموجودتين بمكتبة الحرم المكي الشريف الأولى برقم (بدون) مجموعة عبد الوهاب دهلوي، تاريخ، والثانية برقم (١) دهلوي تاريخ، ويوجد منه نسخ مصورة بمعهد البحوث العلمية الأولى برقم (٧٣) تاريخ - تراجم والثانية برقم (٧٢) تاريخ - تراجم. فقمنا بقراءة إحدى نسخه فاتضح لنا أهمية الكتاب، وما يحويه من معلومات دقيقة ومفصلة عن مكة المكرمة. وهو يؤرخ للبلد الأمين من شهر رمضان سنة ٨٨٥ هـ وهو الشهر الذي توفي فيه المؤرخ النجم عمر ابن فهد ونهاية كتابه (إتحاف الورى) وحتى الرابع من شهر جمادى الأولى من سنة ٩٢٢ هـ وهو الشهر الذي توفي فيه العز ابن فهد حيث توفي في الثامن عشر من الشهر المذكور من السنة نفسها أي إلى قبيل وفاته بأسبوعين، بمعنى أنه أرخ لمكة المكرمة لمدة ٣٧ سنة إلا أربعة أشهر.
وهو بتاريخه هذا يغطي الفترة السابقة. وتعتبر هذه التغطية التاريخية فريدة بالنسبة لتأريخ ومؤرخي مكة المكرمة، لأنها كتبت بقلم مؤرخ معاصر. ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب الذي اختير للتحقيق. وضرورة إبرازه محققا حتى تكتمل سلسلة التاريخ المكي التي حفظها لنا بنو فهد بمؤلفاتهم الشهيرة في التاريخ المكي.
يشتمل الكتاب على تاريخ مكة المكرمة، مفصلا على السنوات والشهور والأيام أعتبارا من شهر رمضان سنة ٨٨٥ هـ وحتى شهر جمادى الأولى سنة ٩٢٢ هـ. وكانت خطة التحقيق على قسمين:
[ ١ / ٦ ]
القسم الأول (الدراسة) وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول (وفيه ثلاثة مباحث): اشتمل على دراسة الحالة السياسية والحالة الاجتماعية والحالة الثقافية (العلمية) في مكة المكرمة في عصر المؤلف، ونظرا لطول الفترة التي لن نستطيع أن نلم بها في هذه الورقات من الدراسة، فقد أقتصرت الدراسة على الأمور الهامة التي تعطي صورة شبه واضحة عن عصر المؤلف.
الفصل الثاني (وفيه تسع مباحث): تناولت المؤلف، اسمه، ونسبه ومولده وأسرته ونشأته العلمية، ورحلته في طلب العلم، وشيوخه، وتلاميذه، وعقيدته وموقفه من عادات وتقاليد عصره، مؤلفاته وأخيرا وفاته.
الفصل الثالث (وفيه ستة مباحث): تناولنا منهج تدوين المخطوط، وعنوانه، ومكانته، ونسخه، ومصادره، وتقويمه. وأخيرا المنهج المتبع في التحقيق.
القسم الثاني (النص):
وهو عرض النص، وتحقيقه بالأسلوب العلمي المعتبر في التحقيق. وقد تمت الاستعانة في تحقيق النص بمؤلفات السابقين والمعاصرين في تاريخ مكة المكرمة، فضلا عن كتب الحديث، واللغة، والتراجم، والجغرافيا، والأدب وغيرها من المظان، وكان على رأسها القرآن العظيم.
تلاه الفهارس التي اشتملت على: فهرس الأعلام، وفهرس الأماكن والبلدان، وفهرس المراجع، وأخيرا فهرس الموضوعات.
نسأل الله تعالى أن يوفقنا في تحقيقه على الوجه المطلوب، راجيا منه الأجر والمثوبة. وأن يتقبله منا ويجعله من عمل بنى آدم الغير منقطع وخالصا لوجهه الكريم.
[ ١ / ٧ ]