السريان أقدم الْأُمَم وبالسرياني تكلم آدم وَبَنوهُ وملتهم مِلَّة الصابئين ويذكرون أَنهم أخذُوا دينهم عَن شِيث وَإِدْرِيس وَلَهُم كتاب يسمونه صحف شِيث فِيهِ محَاسِن أَخْلَاق كالصدق والشجاعة والتعصب للغريب وَاجْتنَاب الرذائل، قلت: وَرَأَيْت صحيفتين من صحف الصابئين وَلكنهَا عَن إِدْرِيس الأولى مِنْهُمَا صحيفَة الصَّلَاة.
فَمِنْهَا: أَنْت الأزلي الَّذِي ترتبط بِهِ الرياسات رب جَمِيع المكونات المعقولات والمحسوسات رَئِيس البرايا وراعى العوالم رب الْمَلَائِكَة ورؤساء الْمَلَائِكَة مِنْك تنزلت الْعُقُول إِلَى مدبري الأَرْض لِأَنَّك السَّبَب الأول أحاطت قدرتك بِالْكُلِّ وَأَنت الوحدانية الَّتِي لَا تحد وَلَا تدْرك مُدبر سلاطين السَّمَاء وينابيع النُّور الدائمة الإنارة أَنْت ملك الْمُلُوك الْآمِر بالخيرات كلهَا الْمُتَقَدّم لكل شَيْء بِالْوَحْي وَالْإِشَارَة مِنْك تنبث الْمَخْلُوقَات وبرمزك يَنْتَظِم الْعَالم بأسره ومنك النُّور وَأَنت الْعلَّة الْقَدِيمَة السَّابِقَة لكل شَيْء نَسْأَلك أَن تزكي نفوسنا وتوفقها لاسْتِحْقَاق نِعْمَتك الْآن وَفِي كل أَوَان إِلَى الْأَبَد يَا ظَاهرا متعاليا عَن كل دنس أحلل عقالنا وَعَافنَا من كل مرض وَبدل أحزاننا أفراحا بك نعتصم ومنك نَخَاف نَسْأَلك أَن توفقنا لتمجيد عظمتك الَّتِي يشار إِلَيْهَا وَلَا ينْطق بهَا مِنْك الْكل وَبِك يَسْتَنِير الْكل وَأَنت رَجَاء الْعَالمين ومعين النَّاس أَجْمَعِينَ. وَفِي هَذِه الصَّحِيفَة عبارَة فلسفية لَا يجوز فِي ديننَا إِطْلَاقهَا على الْبَارِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا لَا يَلِيق بجلاله.
وَالثَّانيَِة " صحيفَة الناموس " فَمِنْهَا: لَا يجرين أحد مِنْكُم فِي مُعَاملَة أَخِيه إِلَى مَا يكره أَن يُعَامل بِمثلِهِ وَإِيَّاكُم والتفاخر وَالتَّكَاثُر لَا تحلفُوا بِاللَّه كاذبين وَلَا تهجموا على اللَّهِ بِالْيَمِينِ واعتمدوا الصدْق حَتَّى يكون نعم من قَوْلكُم نعم، وَلَا لَا وتورعوا فِي تَحْلِيف الْكَاذِبين بِاللَّه جلّ ذكره فَإِنَّكُم تشركونهم فِي الْإِثْم إِذا علمْتُم مِنْهُم الْحِنْث، وَليكن الْأسر فِي نفوسكم إِن تكلوهم إِلَى اللَّهِ عَالم السرائر فحسبكم بِهِ من حَاكم يعدل وناطق يفصل لَا تلهجوا بهجر الْكَلَام وَسُوء الْمقَال وَلَا تتتفاوضوا الأضاليل والأباطيل وَلَا تكثروا الْهزْل والضحك والهمز
[ ١ / ٦٩ ]
واللمز لَا تبدر مِنْكُم عِنْد الْغَضَب كلمة الْفُحْش فَإِنَّهَا ترديكم الْعَار والمنقصة وتلحق بكم الْعَيْب والهجنة وتجر عَلَيْكُم المآثم والعقوبة. من كظم غيظه وَقيد لَفظه ونظف مَنْطِقه وطهر نَفسه فقد غلب الشَّرّ كُله استشعروا الْحِكْمَة وابتغوا الدّيانَة وعودوا نفوسكم الْوَقار والسكينة وتحلوا بالآداب الْحَسَنَة الجميلة ترووا فِي أُمُوركُم وَلَا تعجلوا وَلَا سِيمَا فِي مجازاة الْمُسِيء إِن تكن من أحدكُم فرطة وارتكب مُنكرَة فليقلع عَنْهَا وَلَا تحمله السَّلامَة مِنْهَا على المعاودة لَهَا فَإِنَّهَا إِن سترت عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يفتضح بهَا على رُؤُوس الأشهاد يَوْم الدّين وهما طويلتان وَالله أعلم.
وللصابئين عبادات مِنْهَا سبع صلوَات مِنْهُنَّ خمس توَافق صلواتنا وَالسَّادِسَة الضُّحَى وَالسَّابِعَة فِي تَمام السَّاعَة السَّادِسَة من اللَّيْل ولصلاتهم نِيَّة وَلَا يخلطها الْمُصَلِّي بِشَيْء من غَيرهَا وَلَهُم الصَّلَاة على الْمَيِّت بِلَا رُكُوع وَلَا سُجُود وَيَصُومُونَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَإِن نقص الْهلَال صَامُوا تسعا وَعشْرين يراعون فِي فطرهم وصومهم الْهلَال بِحَيْثُ يكون الْفطر وَقد دخلت الشَّمْس للْحَمْل وَيَصُومُونَ من ربع اللَّيْل الآخر إِلَى غرُوب قرص الشَّمْس وَلَهُم أعياد عِنْد نزُول الْكَوَاكِب الْخَمْسَة الْمُتَحَيِّرَة بيُوت أَشْرَافهَا، والمتحيرة: زحل وَالْمُشْتَرِي والمريخ والزهرة وَعُطَارِد، ويعظمون بَيت مَكَّة وبظاهر حران مَكَان يحجونه وَيَقُولُونَ إِن أهرام مصر أَحدهمَا قبر شِيث بن آدم، وَالْآخر قبر إِدْرِيس وَهُوَ خنوخ، وَالْآخر قبر صابىء بن إِدْرِيس الَّذِي ينتسبون إِلَيْهِ، ويعظمون يَوْم دُخُول الشَّمْس الْحمل فيتزينون ويتهادون فِيهِ، قَالَ ابْن حزم: الدّين الَّذِي انتحلوه أقدم الْأَدْيَان على وَجه الدَّهْر وَالْغَالِب على الدُّنْيَا إِلَى أَن أَحْدَثُوا فِيهِ الْحَوَادِث فَبعث اللَّهِ إِلَيْهِم إِبْرَاهِيم خَلِيله ﵇ بِالدّينِ الَّذِي نَحن عَلَيْهِ الْآن.
قَالَ الشهرستاني: والصابئون يقابلون الحنيفية، ومدار مَذْهَبهم التعصب للروحانيين كَمَا أَن مدَار مَذْهَب الحنفاء التعصب للبشر الجسمانيين.